الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الإيمان الكبير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وأما قوله : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } . فيقال : من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه بحيث إذا كان الإنسان مؤمنا ; لزم ذلك بغير قصد منه ولا تعمد له [ ص: 17 ] وإذا لم يوجد ; دل على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب وهذا كقوله تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } . فأخبر أنك لا تجد مؤمنا يواد المحادين لله ورسوله فإن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر فإذا وجد الإيمان انتفى ضده وهو موالاة أعداء الله فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه ; كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب . ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى : { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون } { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون } . فذكر " جملة شرطية " تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف " لو " التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال : { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } . فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب . ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ; ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه . ومثله قوله تعالى { لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } . فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون [ ص: 18 ] مؤمنا . وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم ; فالقرآن يصدق بعضه بعضا . قال الله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } الآية .

وكذلك قوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه } دليل على أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا يجوز وأنه يجب أن لا يذهب حتى يستأذن فمن ذهب ولم يستأذن كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان ; فلهذا نفى عنه الإيمان فإن حرف " إنما " تدل على إثبات المذكور ونفي غيره . ومن الأصوليين من يقول : إن " إن " للإثبات و " ما " للنفي فإذا جمع بينهما دلت على النفي والإثبات وليس كذلك عند أهل العربية ومن يتكلم في ذلك بعلم ، فإن " ما " هذه هي الكافة التي تدخل على إن وأخواتها فتكفها عن العمل ; لأنها إنما تعمل إذا اختصت بالجمل الاسمية فلما كفت بطل عملها واختصاصها فصار يليها الجمل الفعلية والاسمية ; فتغير معناها وعملها جميعا بانضمام " ما " إليها وكذلك " كأنما " وغيرها . وكذلك قوله تعالى { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين } { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون } { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } { أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون } { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } . فإن قيل : إذا كان المؤمن حقا هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات : فقد قال : { أولئك هم المؤمنون حقا } ولم يذكر إلا خمسة أشياء . وكذلك قال في الآية الأخرى : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } . وكذلك قوله : { إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله } . قيل عن هذا جوابان : ( أحدهما ) : أن يكون ما ذكر مستلزما لما ترك ; فإنه ذكر وجل قلوبهم إذا ذكر الله ، وزيادة إيمانهم إذا تليت عليهم آياته مع التوكل عليه وإقام الصلاة على الوجه المأمور به باطنا وظاهرا ، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع ; فكان هذا مستلزما للباقي ; فإن وجل القلب عند ذكر الله يقتضي خشيته والخوف منه .

وقد فسروا ( وجلت ) بفرقت . وفي قراءة ابن مسعود : ( إذا ذكر الله فرقت قلوبهم ) . وهذا صحيح ; فإن " الوجل في اللغة " هو الخوف يقال : حمرة الخجل وصفرة الوجل . ومنه قوله تعالى { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } { قالت عائشة : يا رسول الله هو الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب ؟ قال : لا يا ابنة الصديق هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه } . وقال السدي في قوله تعالى { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } هو [ ص: 20 ] الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فينزع عنه . وهذا كقوله تعالى : { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } { فإن الجنة هي المأوى } وقوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } . قال مجاهد وغيره من المفسرين : هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه بين يدي الله ; فيتركها خوفا من الله . وإذا كان " وجل القلب من ذكره " يتضمن خشيته ومخافته ; فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور وترك المحظور . قال سهل بن عبد الله : ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من الدعوى ، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار ، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله . ويدل على ذلك قوله تعالى { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } . فأخبر أن الهدى والرحمة للذين يرهبون الله . قال مجاهد وإبراهيم : هو الرجل يريد أن يذنب الذنب فيذكر مقام الله فيدع الذنب . رواه ابن أبي الدنيا عن ابن الجعد عن شعبة عن منصور عن هما في قوله تعالى { ولمن خاف مقام ربه جنتان } . وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكورون في قوله تعالى { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } . وهم " المؤمنون " وهم " المتقون " المذكورون في قوله تعالى { الم } { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } كما قال في آية البر : { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } .

وهؤلاء هم المتبعون للكتاب كما في قوله تعالى { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } . وإذا لم يضل فهو متبع مهتد [ ص: 21 ] وإذا لم يشق فهو مرحوم . وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين . فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوبا عليهم . وأهل الهدى ليسوا ضالين فتبين أن أهل رهبة الله يكونون متقين لله مستحقين لجنته بلا عذاب . وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب . ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى { إنما يخشى الله من عباده العلماء } والمعنى أنه لا يخشاه إلا عالم ; فقد أخبر الله أن كل من خشي الله فهو عالم كما قال في الآية الأخرى : { أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } . والخشية أبدا متضمنة للرجاء ولولا ذلك لكانت قنوطا ; كما أن الرجاء يستلزم الخوف ولولا ذلك لكان أمنا ; فأهل الخوف لله والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله . وقد روي عن أبي حيان التيمي أنه قال : " العلماء ثلاثة " . فعالم بالله ليس عالما بأمر الله ، وعالم بأمر الله ليس عالما بالله ، وعالم بالله عالم بأمر الله . فالعالم بالله هو الذي يخافه والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ونهيه . وفي " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده } . وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة لم يكونوا مستحقين للذم وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات ويدل عليه قوله تعالى : [ ص: 22 ] { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } { ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } . وقوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } . فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب ; ولهذا يقال للفاجر : لا يخاف الله . ويدل على هذا المعنى قوله تعالى { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } .

قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي : كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وكذلك قال سائر المفسرين . . قال مجاهد : كل عاص فهو جاهل حين معصيته وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم : إنما سموا جهالا لمعاصيهم لا أنهم غير مميزين . وقال الزجاج : ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء ; لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءا ; وإنما يحتمل أمرين . ( أحدهما ) : أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه . والثاني : أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة وآثروا العاجل على الآجل ; فسموا جهالا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة . فقد جعل الزجاج " الجهل " إما عدم العلم بعاقبة الفعل وإما فساد الإرادة ; وقد يقال : هما متلازمان وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية . والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل ، وكل خائف منه فهو عالم [ ص: 23 ] مطيع لله ; وإنما يكون جاهلا لنقص خوفه من الله إذ لو تم خوفه من الله لم يعص . ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا . وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه وتصور المحبوب يوجب طلبه فإذا لم يهرب من هذا ولم يطلب هذا ; دل على أنه لم يتصوره تصورا تاما ; ولكن قد يتصور الخبر عنه ، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه . وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوبا له ولا مكروها ; فإن الإنسان يصدق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره ولا يورثه ذلك هربا ولا طلبا . وكذلك إذا أخبر بما هو محبوب له ومكروه ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه ; لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به ; فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب . وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ويروى مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم { العلم علمان فعلم في القلب وعلم على اللسان . فعلم القلب هو العلم النافع ; وعلم اللسان حجة الله على عباده } .

وقد أخرجا في " الصحيحين " عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب . ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها . ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها } . وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه وقد يصدق أنه [ ص: 24 ] كلام الله وأن الرسول حق . ولا يكون مؤمنا . كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وليسوا مؤمنين وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما . لكن من كان كذلك ; لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه لا محالة ; ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه : إنه جاهل كما تقدم . وكذلك لفظ " العقل " - وإن كان هو في الأصل : مصدر عقل يعقل عقلا وكثير من النظار جعله من جنس العلوم - فلا بد أن يعتبر مع ذلك أنه علم يعمل بموجبه فلا يسمى " عاقلا " إلا من عرف الخير فطلبه والشر فتركه ; ولهذا قال أصحاب النار : { لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } . وقال عن المنافقين : { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } . ومن فعل ما يعلم أنه يضره ; فمثل هذا ما له عقل . فكما أن الخوف من الله يستلزم العلم به ; فالعلم به يستلزم خشيته وخشيته تستلزم طاعته . فالخائف من الله ممتثل لأوامره مجتنب لنواهيه وهذا هو الذي قصدنا بيانه أولا . ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى { فذكر إن نفعت الذكرى } { سيذكر من يخشى } { ويتجنبها الأشقى } { الذي يصلى النار الكبرى } . فأخبر أن من يخشاه يتذكر ، والتذكر هنا مستلزم لعبادته قال الله تعالى : { هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب } . وقال : { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } .

ولهذا قالوا في قوله [ ص: 25 ] { سيذكر من يخشى } سيتعظ بالقرآن من يخشى الله . وفي قوله { وما يتذكر إلا من ينيب } إنما يتعظ من يرجع إلى الطاعة . وهذا لأن التذكر التام يستلزم التأثر بما تذكره ; فإن تذكر محبوبا طلبه وإن تذكر مرهوبا هرب منه ومنه قوله تعالى { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } . وقال سبحانه : { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب } . فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله : { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } . فأثبت لهم الإنذار من وجه ونفاه عنهم من وجه ; فإن الإنذار هو الإعلام بالمخوف . فالإنذار مثل التعليم والتخويف فمن علمته فتعلم فقد تم تعليمه وآخر يقول : علمته فلم يتعلم . وكذلك من خوفته فخاف فهذا هو الذي تم تخويفه . وأما من خوف فما خاف ; فلم يتم تخويفه . وكذلك من هديته فاهتدى ; تم هداه ومنه قوله تعالى { هدى للمتقين } . ومن هديته فلم يهتد - كما قال : { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } - فلم يتم هداه كما تقول : قطعته فانقطع وقطعته فما انقطع . فالمؤثر التام يستلزم أثره : فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاما والفعل إذا صادف محلا قابلا تم وإلا لم يتم . والعلم بالمحبوب يورث طلبه والعلم بالمكروه يورث تركه ; ولهذا يسمى هذا العلم : الداعي ويقال : الداعي مع القدرة يستلزم وجود المقدور ، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد ، وهذا كله إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها وأما مع فسادها فقد يحس الإنسان باللذيذ فلا يجد له لذة بل يؤلمه ، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة ، والفساد [ ص: 26 ] يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعا كالممرور الذي يجد العسل مرا : فإنه فسد نفس إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه للمرة التي مازجته وكذلك من فسد باطنه قال تعالى : { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } . وقال تعالى : { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } . وقال : { وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم } . وقال في الآية الأخرى : { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم } .

و " الغلف " : جمع أغلف وهو ذو الغلاف الذي في غلاف مثل الأقلف كأنهم جعلوا المانع خلقة أي خلقت القلوب وعليها أغطية فقال الله تعالى : { بل لعنهم الله بكفرهم } و { طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } . وقال تعالى : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم } . وكذلك قالوا : { يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } قال : { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } أي لأفهمهم ما سمعوه . ثم قال : ولو أفهمهم مع هذه الحال التي هم عليها { لتولوا وهم معرضون } فقد فسدت فطرتهم فلم يفهموا ولو فهموا لم يعملوا . فنفى عنهم صحة القوة العلمية وصحة القوة العملية وقال : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } . وقال : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } . وقال : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون } وقال عن المنافقين : { صم بكم عمي فهم لا يرجعون } . ومن الناس من يقول : لما لم ينتفعوا بالسمع والبصر والنطق ; جعلوا صما بكما عميا أو لما أعرضوا عن السمع والبصر والنطق صاروا كالصم العمي البكم وليس كذلك ; بل نفس قلوبهم عميت وصمت وبكمت كما قال الله تعالى : { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } " والقلب " هو الملك والأعضاء جنوده وإذا صلح صلح سائر الجسد وإذا فسد فسد سائر الجسد فيبقى يسمع بالأذن الصوت كما تسمع البهائم ، والمعنى : لا يفقهه وإن فقه بعض الفقه لم يفقه فقها تاما فإن الفقه التام يستلزم تأثيره في القلب محبة المحبوب وبغض المكروه ; فمتى لم يحصل هذا لم يكن التصور التام حاصلا فجاز نفيه لأن ما لم يتم ينفى كقوله للذي أساء في صلاته : { صل فإنك لم تصل } . فنفى الإيمان حيث نفى من هذا الباب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث