الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الرابع ابتاع رجل ثمر حائط في زمن رسول الله فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان

جزء التالي صفحة
السابق

1309 [ ص: 149 ] حديث رابع لأبي الرجال مالك عن أبي الرجال .

مالك عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنه سمعها تقول : ابتاع رجل ثمر حائط في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعالجه ، وقام فيه حتى تبين له النقصان ، فسأل رب الحائط أن يضع له ، أو أن يقيله فحلف أن لا يفعل ، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تألى أن لا يفعل خيرا فسمع ذلك رب الحائط ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله هو له .

التالي السابق


( قال أبو عمر : لا أعلم هذا الحديث بهذا اللفظ يسند عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه متصل ( إلا من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة ، وكان مالك يرضى سليمان بن بلال [ ص: 150 ] ويثني عليه ذكره البخاري قال : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني أخي عن سليمان ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن ، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن قالت : سمعت عائشة تقول : سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما ، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ، ويسترفقه في شيء ، وهو يقول : والله لا أفعل فخرج عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أين المتألي على الله أن لا يفعل المعروف ؟ فقال : أنا يا رسول الله ، فليفعل أي ذلك أحب ) .

وفيه دليل على أن لا جائحة يقام بها ، ويحكم بإلزامها البائع في الثمار إذا بيعت قلت الجائحة أو كثرت ; لأنه لم يذكر فيه مقدار النقصان كثيرا كان أم قليلا ، ولو لزمت الجائحة في شيء من الثمار البائع بعد بيعه لبين ذلك [ ص: 151 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولبين المقدار ، وهذا معنى اختلف فيه العلماء ، وقد ذكرنا ما لهم في ذلك من الأقوال ، وما احتجوا به من الآثار في باب حميد الطويل من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته هاهنا .

وفي الحديث أيضا الندب إلى حط ما أجيح ( به ) المبتاع في الثمار إذا ابتاعها ، ندب البائع لذلك وحض عليه ، ولم يلزمه ولا قضى عليه به ، ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : تألى ( على الله ) أن لا يفعل خيرا .

ومن قال بوضع الجوائح على المبتاع في الثمار ، وإلزامها البائع احتج بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ وبحديثه أيضا عليه الصلاة والسلام ; أنه نهى عن بيع السنين ، وأمر بوضع الجوائح ، وقد مضى ما للعلماء في هذه الآثار من التأويل والتخريج ، والوجوه ، والمعاني في باب حميد على ما ذكرنا ، وبالله توفيقنا .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى حديث عمرة هذا دون لفظه من حديث أبي سعيد الخدري ، وهو حديث صحيح .

[ ص: 152 ] أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال : حدثنا عيسى قال : حدثنا سحنون قال : أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج وعثمان عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قال : أصيب رجل في ثمار ابتاعها ، وكثر دينه ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) تصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك .

وكان أبو عبد الرحمن النسائي يقول : هذا الحديث أصح من حديث سليمان بن عتيق في وضع الجوائح ، وحدثنا خلف بن القاسم قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي قال : حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ ، قال : حدثنا عبد العزيز بن يحيى ( ح ) وحدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا شبابة قالا جميعا : حدثنا الليث بن سعد عن بكر بن عبد الله بن الأشج عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري قال : أصيب رجل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها بدين فكثر دينه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه ، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لغرمائه : [ ص: 153 ] خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك . ليس في حديث عبد العزيز بن يحيى " تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه " وهذا الحديث وحديث عمرة يدلان على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقض بوضع الجائحة ( في قليل ولا كثير ) والذين قالوا : معنى هذا الحديث في قوله : ليس لكم إلا ذلك ، يعني في ذلك الوقت حتى الميسرة ( لأنه كان مفلسا ، ويحتمل أن يكون الذي بقي عليه كان دون الثلث ، فقال : ليس لكم غير ذلك ) وخالفهم غيرهم فقالوا : لو كان ذلك لبين في الحديث ، وهذه دعوى ، وقد قال قوم : إن معنى الأمر بوضع الجوائح إنما هو في وضع خراج الأرض وكرائها عمن أصاب زرعه أو ثمره آفة .

ومنهم من قال : إنما هذا قبل القبض فإذا قبض المبتاع ما ابتاعه فلا جائحة فيه ، ومنهم من قال : الأمر بوضع الجوائح إنما كان على الندب إلى الخير بدليل حديث عمرة هذا ( وقوله فيه : تألى ألا يفعل خيرا ) لا أنه شيء يجب القضاء به ; لأن العلماء مجمعون على أن من قبض ما يبتاع بما يجب [ ص: 154 ] به قبضه من كيل أو وزن أو تسليم ، وصار في يد المبتاع كما كان في يد البائع ، أن المصيبة والجائحة فيه من المبتاع إلا الثمار إذا بيعت بعد بدو صلاحها فإنهم اختلفوا في ذلك فواجب رد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه من نظير ، وفي هذه المسألة نظر .

وقد ذكرنا مذهب مالك وأهل المدينة فيها ، ومذهب غيرهم أيضا ، وحجة كل فريق منهم في باب حميد الطويل من كتابنا هذا ، فلا وجه لإعادة ذلك هاهنا ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث