الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله

1786 مالك عن موسى بن ميسرة عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله .

التالي السابق


( قال أبو عمر : لم يختلف الرواة للموطأ في إسناد هذا الحديث عن مالك ) ( ورواه إسحاق بن سليمان الرازي عن مالك بإسناده فقال : من لعب بالنردشير ذكره الدارقطني ) ( وقد روي فيه حديث منكر عن مالك عن نافع عن أبي عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لعب بالشطرنج فقد عصى الله ورسوله ، وهذا إسناد عن مالك مظلم ، وهو حديث موضوع باطل ، وأما حديث الموطأ حديث أبي موسى ) هذا فحديث صحيح ، وليس يأتي إلا من طريق سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري [ ص: 174 ] وسعيد هذا من ثقات التابعين مولى لفزارة ، وابنه عبد الله بن سعيد بن أبي هند محدث ثقة ، ورواه الليث بن سعد عن ابن الهادي عن موسى بن ميسرة عن عبد الله ( بن سعيد ) عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر عنده النرد فقال : عصى الله ورسوله ، عصى الله ورسوله ، من ضرب بكعابها يلعب بها . حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق النيسابوري قال : حدثنا يحيى بن يحيى قال : حدثنا الليث بن سعد فذكره بإسناده ، ورواه ابن وهب قال : أخبرني أسامة بن زيد أن سعيد بن أبي هند حدثه عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ، قرأته على عبد الرحمن بن يحيى أن علي بن محمد حدثهم قال : حدثنا أحمد بن سليمان قال : حدثنا سحنون قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرني أسامة بن زيد ثم ذكر حديث مالك ( عن مالك ) والضحاك بن عثمان عن موسى بن ميسرة عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، وروى هذا الحديث حماد بن زيد عن نافع عن سعيد بن أبي هند أن أبا موسى قال : من [ ص: 175 ] لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ، يوقفه على أبي موسى ، والذين رفعوه ثقات يجب قبول زيادتهم ، وفي قول أبي موسى : فقد عصى الله ورسوله ما يدل على رفعه ، ورواه ابن المبارك قال : أنبأنا أسامة بن زيد يعني الليثي قال : حدثني سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل فيما أعلم عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله .

( وذكره أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق قال : سمعت عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن رجل عن أبي موسى الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله ) وهذا الحديث يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة ، لم يستثن وقتا من الأوقات ، ولا حالا من حال فسواء شغل النرد عن الصلاة أو لم يشغل أو ألهى عن ذلك ومثله ، أو لم يفعل شيئا من ذلك على ظاهر هذا الحديث .

والنرد قطع ملونة تكون من خشب البقس ، ومن عظم الفيل ، ومن غير ذلك ، وهو الذي يعرف بالطبل ، ويعرف بالكعاب ، ويعرف أيضا بالأرن ، ويعرف أيضا بالنردشير .

[ ص: 176 ] حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير وحدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، وأبو أسامة عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه رفعه قال : من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه ، وذكر ابن وهب قال : حدثني مالك بن أنس ، وعبد الله بن عمر ، ويونس بن يزيد ، وغيرهم أن نافعا حدثهم : أن عبد الله بن عمر كان إذا وجد أحدا يلعب بالنرد ضربه وكسرها - زاد يونس : وغيره - وأمر بها فأحرقت بالنار قال : وحدثني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال : دخل عبد الله بن عمر داره فإذا أناس يلعبون فيها بالنرد قال : فصاح ابن عمر ، وقال : ما لداري يلعب فيها بالأرن قال : وكانت النرد تدعى في الجاهلية بالأرن قال : وحدثنا جرير بن حازم عن الحسين بن عمارة عن علي بن الأقمر عن مسروق [ ص: 177 ] بن الأجدع قال : قال ابن مسعود إياكم ، وهذه الكعاب الموشومات اللاتي يزحزحن فإنهن من الميسر قال ابن وهب : وسمعت مالك بن أنس يكره ما يلعب به من الطبل ، والأربعة عشر قال : وحدثني عبد الله بن عمر عن مسعود بن عبد الله بن يسار أن عبد الله بن عمر مر بصبيان يلعبون ( بالكجة ) وهي حفر فيها حصى يلعبون بها قال : فسدها ابن عمر ، ونهاهم عنها .

قال : وحدثني يونس عن ابن شهاب أن أبا موسى الأشعري قال : لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ ، وذكر ( أبو زيد عمر بن شبة قال : حدثنا محمد بن يحيى ، وإبراهيم بن المنذر قالا : حدثنا عبد العزيز بن عمران قال : حدثنا عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال : حدثنا ابن أبي عون الأزدي قال : سمعت عثمان بن أبي سليمان يقول أول من قدم بالنرد إلى مكة أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة فوضعها بفناء الكعبة فلعب بها ، وعلمها ( وذكر عمر بن شبة [ ص: 178 ] في كتابه في سير عثمان قال : حدثنا بشر بن عمر قال : حدثنا سليمان بن بلال عن الجعيد بن عبد الرحمن عن موسى بن أبي سهل عن زبيد بن الصلت أنه سمع عثمان ، وهو على المنبر يقول : أيها الناس ، إياكم والميسر ; يريد النرد ، فإنه ذكر لي أنها في بيوت أناس منكم فمن كانت في بيته فليخرجها ، وليكسرها ، ثم قال ، وهو على المنبر مرة أخرى : أيها الناس إني قد كلمتكم في هذه النرد فلم أركم أخرجتموها ، ولقد هممت بحزم الحطب ، ثم أرسل إلى الذين هي في بيوتهم فأحرقها عليهم ، وذكر ابن وهب قال : أخبرني مالك بن أنس عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بلغها أن أهل بيت في دارها عندهم نرد فأرسلت إليهم لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري ، وأنكرت ذلك عليهم ) قال أبو عمر : اختلف العلماء في اللعب بالنرد ; فكره ذلك مالك على ما ذكرنا عنه ، ولم يختلف أصحابه في كراهة اللعب بها ، وذكر ابن وهب كراهية اللعب بالنرد ، والشطرنج عن ابن عمر ، وعائشة ، وأبي موسى الأشعري ، والقاسم بن محمد ، وسعيد [ ص: 179 ] بن المسيب وتبيع ، وأكثرهم فيما تدل ألفاظ الآثار عنهم إنما كرهوا المقامرة بها ، وقال الشافعي : أكره اللعب بالنرد للخبر ، واللاعب بالشطرنج ، والحمام بغير قمار ، وإن كرهناه أيضا أخف حالا ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يكره اللعب بالشطرنج والنرد ، والأربعة عشر ، وكل اللهو ( فإن لم يظهر من اللاعب بها كبيرة ، وكانت محاسنه أكثر من مساويه ، قبلت شهادته عندهم ) وقول مالك وأصحابه مثل ذلك ، إلا أن مذهبهم في شهادته أنه لا تجوز شهادة اللاعب بالنرد ، ولا شهادة المدمن على لعب الشطرنج ( وقال بعضهم : النرد والشطرنج سواء ، لا يكره إلا الإدمان عليهما ، وقال بعضهم : الشطرنج شر من النرد فلا تجوز شهادة اللاعب بها ، وإن لم يكن مدمنا ، وممن قال ذلك الليث بن سعد ، ذكره ابن وهب عنه قال : اللعب بالشطرنج لا خير فيه ، وهي شر من النرد ، وقال ابن شهاب : هي من الباطل ، ولا أحبها ذكره ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن عقيل عنه ، وأما الشافعي فلا تسقط عند أصحابه في مذهبه شهادة اللاعب بالنرد ، ولا بالشطرنج إذا كان عدلا في جميع أحواله ، ولم [ ص: 180 ] يظهر منه سفه ، ولا ريبة ( ولا كبيرة ) إلا أن يلعب بها قمارا ، فإن لعب بها قمارا أو كان بذلك معروفا سقطت عدالته ، وسفه نفسه لأكله ، ولم يختلف العلماء أن القمار من الميسر المحرم ، وأكثرهم على كراهة اللعب بالنرد على كل حال قمارا أو غير قمار للخبر الوارد فيها ، وما أعلم أحدا أرخص في اللعب بها إلا ما جاء عن عبد الله بن مغفل ( وعكرمة ، والشعبي ، وسعيد بن المسيب ) فإن شعبة روى عن يزيد بن أبي خالد قال : دخلت على عبد الله بن المغفل ، وهو يلاعب امرأته الخضيراء بالقصاب يعني النردشير ، وروي عن عكرمة ، والشعبي أنهما كانا يلعبان بالنرد ، وذكر ابن قتيبة عن إسحاق ابن راهويه عن النضر بن شميل عن شعبة عن عبد ربه قال : سمعت سعيد بن المسيب ، وسئل عن اللعب بالنرد فقال : إذا لم يكن قمارا فلا بأس به . قال إسحاق : إذا لعبه على غير معنى القمار يريد به التعليم ، والمكايدة فهو مكروه ، ولا يبلغ ذلك إسقاط شهادته [ ص: 181 ] قال أبو عمر : ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن اللعب بالنرد ، فأخبر أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله ، فلا معنى لما خالف ذلك ، وكل من خالف السنة فمحجوج بها ، والحق في اتباعها ، والضلال فيما خالفها ، إلا أنه يحتمل اللعب بالنرد المنهي عنه على وجه القمار ، وحمل ذلك على العموم قمارا أو غير قمار أولى وأحوط إن شاء الله .

( أخبرنا عبد الوارث بن سفيان : حدثنا قاسم بن أصبغ : حدثنا ابن وضاح : حدثنا موسى بن معاوية حدثنا وكيع عن الفضل بن دلهم قال : كان الحسن يقول : النرد ميسر العجم ) وأما الشطرنج فاختلاف أهل العلم في اللعب بها على غير اختلافهم في اللعب بالنرد ; لأن كثيرا منهم أجاز اللعب بالشطرنج على غير قمار ، وممن رويت الرخصة عنه في اللعب بالشطرنج ما لم يكن قمارا سعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن سيرين ، ومحمد بن المنكدر ، وعروة بن الزبير ، وابنه هشام ، وسليمان بن يسار ، وأبو وائل ، والشعبي ، والحسن البصري ، وعلي بن الحسن بن علي ، وجعفر بن محمد ، وابن شهاب ، وربيعة ، وعطاء كل هؤلاء يجيز اللعب بها على غير قمار ، وقد روي عن سعيد بن المسيب في الشطرنج أنها ميسر ، وهذا محمول [ ص: 182 ] عندنا على القمار لئلا تتعارض الروايات عنه ، ولا يختلف العلماء في أن المقامرة عليها ، وأكل الخطر بها لا يحل ، وإنه من الميسر المحرم ، وفاعل ذلك المشهور به سفيه لا تجوز شهادته ، وروى الوليد بن مسلم قال : حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قال لصاحبه : تعال أقامرك ، فليتصدق قال الوليد : سمعت الأوزاعي يقول : إذا تقامرا بمالين فهو حرام عليهما فليتصدقا به ، فإن كان في قمارهما عتق مملوك نفذ ذلك . حدثنا خلف بن القاسم قال : حدثنا الحسن بن رشيق قال : حدثنا علي بن سعيد ( قال ) : حدثنا الصلت بن مسعود قال : حدثنا حماد بن زيد عن هشام عن محمد بن سيرين أنه لم يكن يرى بأسا بلعب الشطرنج إذا لم يكن قمارا . أخبرنا خلف بن القاسم قال : حدثنا محمد بن هارون الجوهري قال : حدثنا ابن رشدين قال : حدثنا ابن بكير قال : حدثنا ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب قال : لا بأس بلعب الشطرنج ما لم يكن فيه قمار ، وروى وكيع عن سفيان عن ليث عن مجاهد ، وطاوس ، وعطاء قالوا [ ص: 183 ] كل شيء من القمار فهو من الميسر حتى بالجوز ، ووكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم مثله .

( وتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج أن من لم يقامر بها ، ولعب مع أهله في بيته مستترا به مرة في الشهر أو العام لا عليه ، ولا يعلم ( به ) أنه معفو عنه ، غير محرم عليه ، ولا مكروه له ، وأنه إن تخلع به واستهتر فيه سقطت مروءته وعدالته وردت شهادته ، وهو يدلك على أنه ليس بمحرم لنفسه ، وعينه ; لأنه لو كان كذلك لاستوى قليله وكثيره ، وليس بمضطر إليه ، ولا مما لا ينفك عنه فيعفى عن اليسير منه ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث