الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إفشاء السلام من الإسلام

جزء التالي صفحة
السابق

28 [ ص: 651 ] 20 - باب : إفشاء السلام من الإسلام

وقال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان:

الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.

28 - حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الإسلام خير؟ قال: " تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". [انظر 12 - مسلم: 39 - فتح: 1 \ 82]

التالي السابق


نا قتيبة نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

هذا الحديث تقدم الكلام على من خرجه قريبا حيث ذكره، ونبهنا عليه هناك.

ثانيها:

تقدم أيضا التعريف برواته إلا قتيبة، وهو أبو رجاء قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي، مولاهم البغلاني، منسوب إلى بغلان -بفتح الموحدة وإسكان الغين المعجمة- قرية من قرى بلخ.

[ ص: 652 ] قيل: إن جده جميلا كان مولى للحجاج بن يوسف، وقال ابن عدي: اسمه يحيى، وقتيبة لقب، وقال ابن منده: اسمه علي، سمع مالكا وغيره من الأئمة، وعنه أحمد وغيره من الأعلام الحفاظ، وهو ثقة، صاحب سنة.

روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وروى هو وابن ماجه عن رجل عنه، ولد سنة خمسين ومائة، ومات في (شعبان) سنة أربعين ومائتين، وقال الحاكم في "تاريخ نيسابور": مات في ثاني رمضان.

ثالثها:

عمار: هو أبو اليقظان بن ياسر بن (عامر بن) مالك بن الحصين بن قيس بن ثعلبة بن عوف بن يام بن عنس -بالنون- بن زيد بن مالك بن أدد العنسي.

وقال ابن سعد: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام الأكبر بن عنس -بالنون- وهو زيد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

[ ص: 653 ] أمه سمية أسلمت، وكذا ياسر مع عمار قديما، وقتل أبو جهل سمية وكانت أول شهيدة في الإسلام، وكانت مع ياسر وعمار يعذبون بمكة في الله تعالى فيمر بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم يعذبون فيقول: "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"، وكانوا من المستضعفين.

قال الواقدي: وهم قوم لا عشائر لهم بمكة، ولا منعة ولا قوة، كانت قريش تعذبهم في الرمضاء، فكان عمار يعذب حتى لا يدري [ ص: 654 ] ما يقول، وصهيب كذلك، و [أبو] فكيهة كذلك، وبلال، وعامر بن فهيرة، وفيهم نزل قوله تعالى: ثم إن ربك للذين هاجروا من [ ص: 655 ] بعد ما فتنوا [النحل: 110]، ومن قرأ "فتنوا" بالفتح وهو ابن عامر، فالمعنى: فتنوا أنفسهم. وعن عمرو بن ميمون قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار فكان - صلى الله عليه وسلم - يمر به، ويمر بيده على رأسه فيقول: "يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية".

وعن ابن ابنه قال: أخذ المشركون عمارا فلم يتركوه حتى نال من رسول الله وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما وراءك؟ " قال: شر يا رسول الله، والله ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، فقال: "فكيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان، قال: "فإن عادوا فعد".

[ ص: 656 ] شهد عمار بدرا، والمشاهد كلها، وهاجر إلى أرض الحبشة ثم المدينة، وفيه نزل قوله تعالى: إلا من أكره .. الآية. وكان إسلامه بعد بضعة وثلاثين رجلا هو وصهيب.

روى عن علي وغيره من الصحابة، ومناقبه جمة، روي له اثنان وستون حديثا اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث، وآخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين حذيفة، وكان رجلا آدم طوالا، أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، لا يغير شيبه، قتل بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين مع علي عن ثلاث، وقيل: أربع وتسعين (سنة)، ودفن هناك بصفين، وقتل وهو مجتمع العقل، وسأل عمر عمارا فقال له: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن قلت ذلك لقد ساءني حين استعملتني، وساءني حين عزلتني.

رابعها: هذا الحديث سلف شرحه في الباب السالف المشار إليه.

خامسها: قول عمار - رضي الله عنه - رواه أبو القاسم اللالكائي عن علي بن أحمد بن جعفر، (نا) أبو العباس أحمد بن علي المرهبي، (نا) أبو محمد الحسن بن علي بن جعفر الصيرفي، (نا) أبو نعيم، [ ص: 657 ] (نا) فطر عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عنه. ورواه رسته أيضا عن سفيان، (نا) أبو إسحاق، فذكره، ورواه البغوي في "شرح السنة" عن عمار مرفوعا، قال جماعات منهم أبو الزناد: هذه الثلاث عليها مدار الإسلام، وهي جامعة للخير كله; لأن من أنصف من نفسه فيما بينه وبين الله وبين الخلق، ولم يضيع شيئا مما لله تعالى عليه، وللناس عليه، ولنفسه بلغ الغاية في الطاعة.

وأما بذل السلام للعالم فمعناه: للناس كلهم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". وهذا من أعظم مكارم الأخلاق، ويتضمن التواضع وهو أن لا ترتفع على أحد، ولا تحتقر أحدا، وإصلاح ما بينه وبين الناس بحيث لا يكون بينه وبين أحد شحناء، ولا أمر يمتنع من السلام عليه بسببه.

كما يقع لكثير من الناس، ففيه الحث على إفشاء السلام وإشاعته، وأما الإنفاق من الإقتار فهو الغاية في الكرم، وقد مدح الله تعالى [ ص: 658 ] (فاعله) بقوله: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9] وهذا عام في نفقة الرجل على عياله وضيفه والسائل منه، وفي كل نفقة في الطاعات، وهو متضمن للوثوق بالله تعالى، والزهادة في الدنيا، (وقصر الأمل) وهذا كله من مهمات طرق الآخرة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث