الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر أمر بني إسرائيل بعد سليمان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر محاربة أسا بن أبيا ورزح الهندي

قيل : كان أسا بن أبيا رجلا صالحا ، وكان أبوه قد عبد الأصنام ودعا الناس إلى عبادتها ، فلما ملك ابنه أسا أمر مناديا فنادى : ألا إن الكفر قد مات وأهله ، وعاش الإيمان وأهله ، فليس كافر في بني إسرائيل يطلع رأسه بكفر إلا قتلته ، فإن الطوفان لم يغرق الدنيا وأهلها ولم يخسف بالقرى ولم تمطر الحجارة والنار من السماء إلى الأرض إلا بترك طاعة الله والعمل بمعصيته ! وشدد في ذلك .

فأتى بعضهم ممن كان يعبد الأصنام ويعمل بالمعاصي إلى أم أسا الملك ، وكانت تعبد الأصنام ، فشكوا إليها ، فجاءت إليه ونهته عما كان يفعله وبالغت في زجره ، فلم يصغ إلى قولها بل تهددها على عبادة الأصنام وأظهر البراءة منها ، فحينئذ أيس الناس منه وانتزح من كان يخافه وساروا إلى الهند .

وكان بالهند ملك يقال له رزح ، وكان جبارا عاتيا عظيم السلطان قد أطاعه أكثر البلاد ، وكان يدعو الناس إلى عبادته ، فوصل إليه أولئك النفر من بني إسرائيل وشكوا إليه ملكهم ووصفوا له البلاد وكثرتها وقلة عسكرها ، وضعف ملكها ، وأطمعوه فيها .

فأرسل الجواسيس فأتوه بأخبارها ، فلما تيقن الخير جمع العساكر وسار إلى الشام في البحر ، وقال له بنو إسرائيل : إن لأسا صديقا ينصره ويعينه ، قال : فأين أسا وصديقه من كثرة عساكري وجنودي !

[ ص: 219 ] وبلغ خبره إلى أسا ، فتضرع إلى الله وأظهر الضعف والعجز عن الهندي وسأل الله النصرة عليه ، فاستجاب الله له وأراه في المنام : إني سأظهر من قدرتي في رزح الهندي وعساكره ما أكفيك شرهم وأغنمكم أموالهم حتى يعلم أعداؤك أن صديقك لا يطاق وليه ولا ينهزم جنده .

ثم سار رزح حتى أرسى بالساحل ، وسار إلى بيت المقدس ، فلما صار على مرحلتين منه فرق عساكره ، فامتلأت منهم تلك الأرض وملئت قلوب بني إسرائيل رعبا ، وبعث أسا العيون فعادوا وأخبروه من كثرتهم بما لم يسمع بمثله ، وسمع الخبر بنو إسرائيل فصاحوا ، وبكوا ، وودع بعضهم بعضا وعزموا على أن يخرجوا إلى رزح ويستسلموا إليه وينقادوا له . فقال لهم ملكهم : إن ربي وعدني بالظفر ولا خلف لوعده ، فعاودوا الدعاء والتضرع . ففعلوا ودعوا جميعهم وتضرعوا ، فزعموا أن الله أوحى إليه : يا أسا ، إن الحبيب لا يسلم حبيبه ، وأنا الذي أكفيك عدوك فإنه لا يهون من توكل علي ، ولا يضعف من تقوى بي وقد كنت تذكرني في الرخاء فلا أسلمك في الشدة ، وسأرسل بعض الزبانية يقتلون أعدائي . فاستبشر وأخبر بني إسرائيل فأما المؤمنون فاستبشروا وأما المنافقون فكذبوه .

وأمره الله بالخروج إلى رزح في عساكره ، فخرج في نفر يسير ، فوقفوا على رابية من الأرض ينظرون إلى عساكره ، فلما رآهم رزح احتقرهم واستصغرهم وقال : إنما خرجت من بلادي وجمعت عساكري وأنفقت أموالي لهذه الطائفة ! ودعا النفر من بني إسرائيل الذين قصدوه ، والجواسيس الذين أرسلهم ليختبروا له وقال : كذبتموني ، وأخبرتموني بكثرة بني إسرائيل حتى جمعت العساكر ، وفرقت أموالي ! ثم أمر بهم فقتلوا ، وأرسل إلى أسا يقول له : أين صديقك الذي ينصرك ويخلصك من سطوتي ؟ فأجابه أسا : يا شقي ، إنك لا تعلم ما تقول ! أتريد أن تغالب الله بقوتك أم تكاثره بقلتك ؟ وهو معي في موقفي هذا ، ولن يغلب أحد كان الله معه ، وستعلم ما يحل بك !

فغضب رزح من قوله وصف عساكره وخرج إلى قتال أسا وأمر الرماة فرموهم بالسهام ، وبعث الله من الملائكة مددا لبني إسرائيل ، فأخذوا السهام ورموا بها الهنود ، فقتلت كل إنسان منهم نشابته ، فقتل جميع الرماة ، فضج بنو إسرائيل بالتسبيح والدعاء ، وتراءت الملائكة للهنود ، فلما رآهم رزح ألقى الله الرعب في قلبه وسقط في يده ونادى [ ص: 220 ] في عساكره يأمرهم بالحملة عليهم ، ففعلوا فقتلتهم الملائكة ولم يبق منهم غير رزح وعبيده ونسائه ، فلما رأى ذلك ولى هاربا وهو يقول : قتلني صديق أسا .

فلما رآه أسا مدبرا قال : اللهم إنك لم تهلكه استنفر علينا نائبه . وبلغ رزح ومن معه إلى البحر فركبوا السفن ، فلما سارت بهم أرسل الله عليهم الرياح فأغرقتهم أجمعين .

ثم ملك بعد أسا ابنه سافاط إلى أن هلك خمسا وعشرين سنة ، ثم ملكت عزليا بنت عمرم أم أخزيا ، وكانت قتلت أولاد ملوك بني إسرائيل ولم يبق منهم إلا يواش بن أخزيا ، وهو ابن ابنها ، فإنه ستر عنها ، ثم قتلها يواش وأصحابه ، وكان ملكها سبع سنين ، ثم ملك يواش أربعين سنة . ثم قتله أصحابه وهو الذي قتل جدته ، ثم ملك عوزيا بن أمصيا بن يواش . ويقال له غوزيا ، إلى أن توفي اثنتين وخمسين سنة .

[ ص: 221 ] ثم ملك يوثام بن عوزيا إلى أن توفي . ست عشرة سنة ، ثم ملك حزقيا بن أحاز إلى أن توفي . فيقال : إنه صاحب شعيا الذي أعلمه شعيا انقضاء عمره ، فتضرع إلى ربه فزاده ، وأمر شعيا بإعلامه ذلك ، وقيل إن صاحب شعيا في هذه القصة اسمه صدقيا ، على ما يرد ذكره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث