الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

معنى الأحبار والرهبان

وإذا قد تقرر لك -من مجموع ما ذكرناه- وجوب الرد إلى كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بنص الكتاب العزيز، وإجماع المسلمين أجمعين، عرفت أن من زعم من الناس أنه يمكن معرفة المخطئ من العلماء من غير هذه الطريق، عند اختلافهم في مسألة من المسائل، فهو مخالف لما في كتاب الله، ومخالف لإجماع المسلمين أجمعين.

فانظر -أرشدك الله- إلى جناية من جنى على نفسه بهذا الزعم الباطل، وأي مصيبة وقع فيها بهذا الخطأ الفاحش، وأي بلية جذبها عليه القصور، وأي محنة شديدة ساقها إليه التكلم فيما ليس من شأنه!! انتهى كلامه رحمه الله.

وقال تعالى: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه قيل: يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن، ويتركون غيره.

وقيل: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن، [و] ينكف عن القبيح، وقيل غير ذلك، والأول أولى.

ويدخل في هذه الآية كل قول سوى القرآن والحديث، سواء كان من إمام، أو مقتد، أو مقلد، أو مجتهد، أو صوفي، أو متكلم، أو عالم.

فالسامع له يتبع أحسن هذه الأقوال، وهو القول الذي وافق الكتاب والسنة، ويذر ما ليس منه بأحسن.

وقد أثنى الله تعالى على هؤلاء المستمعين، فقال: أولئك الذين هداهم الله أي: المتبعون لأحسن القول مهديون، وهم الذين أوصلهم الله إلى الحق والصواب وأولئك هم أولو الألباب [الزمر: 17- 18] أي: أصحاب العقول [ ص: 132 ] الصحيحة; لأنهم انتفعوا بعقولهم، ولم ينتفع من عداهم بعقولهم.

قال في "فتح البيان": وفي هذه الآية إشارة إلى إيثار الاتباع، وترك التقليد; لأن الله قد أثنى على المتبعين بكونهم مهديين، وسماهم: أولي الألباب، ولم يثن على التقليد، ولا على أهله في موضع من القرآن الكريم، بل ذمه وذمهم في غير موضع كما تقدم مرارا. انتهى.

وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى أي: ينتفي عنهم الإيمان إلى أن يحكموك أي: يجعلوك حكما بينهم في جميع أمورهم، لا يحكمون أحدا غيرك، كائنا من كان فيما شجر أي: اختلف بينهم واختلط ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت الحرج: الضيق، وقيل: الشك، وقيل: الإثم; أي: إثما بإنكارهم ما قضيت به، ويسلموا تسليما أي: ينقادوا لأمرك وقضائك انقيادا لا يخالفونه في شيء بظاهرهم وباطنهم.

والظاهر أن هذا شامل لكل فرد، في كل حكم، كما يؤيد ذلك قوله: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله [النساء: 14] فلا يختص بالمقصودين بقوله: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت [النساء: 60] وهذا في حياته صلى الله عليه وسلم.

وأما بعد موته، فتحكيم الكتاب والسنة: تحكيم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة، إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد، والتقليد المحض، مع وجود الدليل في الكتاب والسنة، أو في أحدهما، وكان يعقل ما يرد عليه من حجج الكتاب والسنة، بأن يكون عالما باللغة العربية وما يتعلق بها; من نحو، وتصريف، ومعان، وبيان، عارفا بما يحتاج إليه من علم الأصول، بصيرا بالسنة المطهرة، مميزا بين الصحيح وما يلحق به، والضعيف وما يلحق به، منصفا غير متعصب لمذهب من المذاهب، ولا لنحلة من النحل، ولا لملة من الملل، ولا لمشرب من المشارب، ورعا لا يحيف ولا يميل في حكمه.

فمن كان هكذا، فهو قائم في مقام خلافة النبوة، مترجم عنها، حاكم بأحكامها.

[ ص: 133 ] وفي هذه الآية الشريفة من الوعيد الشديد ما تقشعر منه الجلود، وترجف له الأفئدة.

فإنه -أولا- أقسم سبحانه بنفسه مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي، بأنهم لا يؤمنون، نفى عنهم الإيمان، الذي هو رأس مال صالحي عباد الله، حتى تحصل لهم غاية، هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم لم يكتف بذلك، حتى قال: ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت فضم إلى التحكيم أمرا آخر، هو عدم وجود حرج، أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا، حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب، وطيب نفس.

ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم إليه قوله: ويسلموا أي: يذعنوا وينقادوا ظاهرا وباطنا.

ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال: تسليما .

فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ثم لا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه، ويسلم لحكمه وشرعه، تسليما لا يخالطه رد، ولا تشوبه مخالفة.

قال الرازي: ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس; لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق، وأنه لا يجوز العدول منه إلى غيره.

ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية، قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس.

وقوله: ثم لا يجدوا إلخ، مشعر بذلك; لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقض مدلول النص، فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد ألا يلتفت إلى ذلك الحرج، ويسلم النص تسليما كليا.

وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف. انتهى.

[ ص: 134 ] وبالجملة: الأمر بالتحكيم يرد الأمر بالتقليد، وينعى عليه أعظم نعي.

فيا خسران من تمسك وترك هذا التحكيم عند اختلاف العلماء في شيء ونزاعهم فيه!!

وقد وردت هذه الآية بعد الآية المتقدمة، التي فيها الأمر بالرد إلى الله ورسوله.

فإذا جمعت بين هاتين الآيتين، وتأملت في مبانيهما ومعانيهما، عرفت أن المطلوب للشارع منا: الاعتصام والتمسك بالقرآن والحديث، وترك ما سواهما رأسا، وأن الإيمان هو هذا، لا غير، وبالله التوفيق.

وقال تعالى: وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا المراد بهم: هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا، ويقلدونهم في الدين.

قال في "فتح البيان": وفي هذا زجر شديد عن التقليد، وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا، والتحذير منه، والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله تعالى، ويقتدي به، وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام، ونوع البهائم، وفصل الحشرات في سوء الفهم، وكثرة البلادة، وقلة الشعور، وشدة الغضب المشهود من الحيوانات الصائلة.

فأضلونا السبيلا [الأحزاب: 17] أي: عن السبيل، بما زينوا لنا من الكفر بالله وبرسوله، ومن التقليد لهم.

والسبيل: هو التوحيد والاتباع، وهذا حال جماعة من الفقهاء وأهل الرأي ومن نحا نحوهم، فإنهم دعوا الناس إلى ترك الاعتصام بالكتاب والسنة، وحثوهم على التقليد، وصرحوا بوجوبه على خاصة الخلق وعامتهم، ونصوا على ذلك في كتب الأصول والفروع، وتبعهم في هذا الآخر والأول، فضلوا وأضلوا، وكان وزر الجميع على أعناق هؤلاء الدعاة، مع أنه ليس في يد أحد من [ ص: 135 ] هذه المقلدين والمقلدين -بالكسر والفتح- دليل يدل على جواز التقليد، فضلا عن الاستحباب، فضلا عن الوجوب، ولكن هذا شأن المتأخرين من مقلدة الأئمة.

وأما المجتهدون الأربعة، فقد نهوا عن تقليدهم، وتقليد غيرهم، وصرحوا به على ما نقل ذلك مقلدوهم عنهم في كتبهم، وهكذا كان ينبغي لهم، فإنهم نقلة الدين إلينا، والمتفضلون بإبلاغ الكتاب والسنة علينا.

وقال تعالى: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله هذه الآية بعمومها تشمل كل شيء لم يأمر به الله سبحانه، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فيدخل فيه التقليد; لأنه مما لم يأذن به الله في موضع من مواضع كتابه، ولا على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث من أحاديثه، التي هي في حكم الوحي، بل ذمه سبحانه في كتابه في غير موضع، وحكاه عن المشركين والكفار، ومخالفي الرسل الأبرار، ولم يحكه عن أحد من الأنبياء، ولا من أتباعهم المحقين الأخيار، بل الذين حكى عنهم الجمود على ذلك، هم البهائم والحشرات في نظر الاعتبار.

وكذلك لم يأذن به رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا إمام من أئمة الدين، ولا مجتهد من المجتهدين، ولا أحد من سلف الأمة وسادتها وقادتها، بل نهى عنه المجتهدون الأربعة، ومن كان بعدهم من أهل العلم والحق برك الإيمان، وتبعة السنة المطهرة، وإنما أحدثه من أحدث من الكسالى والجهلاء، والعامة والسفهاء بعد القرون المشهود لها بالخير، حين فشا الكذب، وعمت البلوى، ورفع الفلاسفة رؤوسهم، وحدثت البدع والمحدثات في الدين، واغترب الإسلام.

فرحم الله امرأ سمع الحق فاتبعه وتمسك به، ووجد الباطل فتركه ومحقه وأدمغه وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء: 81].

ومن لم يسعه ما وسع الأولين من سلف هذه الأمة، فلا وسع الله عليه.

[ ص: 136 ] وقال تعالى: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم يعني: الكتاب العزيز، ومثله السنة المطهرة; لقوله: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ونحوها من الآيات.

قال الرازي: قوله: ما أنـزل إليكم يتناول الكتاب والسنة. بمعنى أنه خطاب للكل.

وقال الحسن: يا بن آدم! أمرت باتباع كتاب الله، وسنة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقيل: هو خطاب للكفار; أي: اتبعوا أيها المشركون ما أنزل إليكم من ربكم، واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والشرك، ويدل عليه قوله: ولا تتبعوا من دونه أولياء [الأعراف: 3] والأول أولى.

قال الزمخشري: لا تتولوا أحدا من شياطين الإنس والجن؛ ليحملوكم على الأهواء والبدع.

ويجوز أن يكون المعنى: لا تتبعوا من دون كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أولياء، تقلدونهم في دينكم، كما يفعله أهل الجاهلية; من طاعة الرؤساء فيما يحللونه لهم، ويحرمونه عليهم.

قال الرازي: هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز; لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى، والله تعالى أوجب متابعته، فوجب العمل بعموم القرآن.

ولما وجب العمل به، امتنع بالقياس، وإلا، لزم التناقض. انتهى.

قلت: وهذا المقال يجري أيضا في عموم السنة، فإنها أيضا منزلة من الله تعالى; بدليل قوله سبحانه: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فوجب العمل بعمومها.

ولما وجب بها العمل، امتنع بالأقيسة المعتلة، والآراء المختلة، وإلا، لزم النقض، وسقط العمل بهما.

[ ص: 137 ] وإذا سقط العمل بالقرآن والحديث، لم تبق الشريعة في يد أحد من الناس، وصاروا مشركين كافرين بلا ريب ولا شبهة، وصارت ديانتهم هي ديانة غير ملة الإسلام من الفرق الباطلة، المغضوب عليها، أو الضالة عن الهدى.

وقال تعالى: ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله .

قال في "فتح البيان": وإزراء على من قلد الرجال في دين الله، فحلل ما حللوه، وحرم ما حرموه عليه، فإن من فعل ذلك فقد اتخذ من قلده ربا.

ومنه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، ويقال: إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يصلوا لهم. وقال عكرمة: سجود بعضهم لبعض.

فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون موحدون متبعون لما لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا منقادون للتوحيد واتباع السنة دونكم.

دل إشارة النص على أن المشركين، ومقلدي الآباء، ليسوا بمسلمين، وكفى بذلك زجرا عن الشرك والتقليد.

وقال تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها أوقع السماع على الآيات، والمراد: سماع الكفر والاستهزاء، فلا تقعدوا معهم ما داموا كذلك حتى يخوضوا في حديث غيره [النساء: 140].

قال في "فتح البيان": وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، كما يقع كثيرا من أسراء التقليد، الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى: قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من أتباعه بكذا.

وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية، أو بحديث نبوي، [ ص: 138 ] سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما تلاه أو رواه رأسا، ولا بالوا به بالة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع.

بل بالغوا في ذلك، حتى جعلوا رأيه القائل، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدما على الله وعلى كتابه، وعلى رسوله وحديثه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها.

والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم براء من فعلهم; فإنهم قد صرحوا بالنهي عن تقليدهم، كما أوضح الشوكاني -رحمه الله- ذلك في "القول المفيد" و"أدب الطلب". اللهم انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من المقتدين بالكتاب والسنة، وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار يا مجيب السائلين.

قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيام.

إنكم إذا مثلهم في الكفر واستتباع العذاب.

قيل: وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام، شبه بحكم الظاهر، كما في قول القائل :


وكل قرين بالمقارن يقتدي



وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم.

قال المفسرون: هذا يدل على أن من رضي بالكفر، فهو كافر، ومن رضي [ ص: 139 ] بمنكر، أو خالط أهله، بمنزلتهم إذا رضي به، وإن لم يباشره.

فإن جلس إليهم، ولم يرض بفعلهم، بل كان ساخطا له، وإنما جلس على التقاة والخوف، فالأمر فيه أهون من المجالسة مع الرضا.

وإن جلس مع صاحب بدعة أو منكر، ولم يخض في بدعته أو منكره، فيجوز الجلوس معه مع الكراهة الشديدة، وقيل: لا يجوز بحال، والأول أولى.

فليحذر المتبعون للكتاب، والمقتدون للسنة، من أن يجلسوا مع المقلدين الجامدين على آراء الرجال، المتخذين لغير الله أربابا من دونه، فإنهم مبتدعون في دين الله، مخالفون لأمره سبحانه، وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن يبتلى بذلك، ولا يجد سبيلا إلى الخلاص، فالله عاف عنه، إن شاء الله تعالى.

وقال تعالى: قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا [الأعراف: 70] قال "في فتح البيان": هذا داخل في جملة ما استنكروه، وهكذا يقول المقلدة لأهل الاتباع، والمبتدعة لأهل السنة. انتهى.

أي: يقولون: أجئتم لنتبع القرآن والسنة، ونذر ونترك ما كان عليه أئمتنا، الذين نحن نقلدهم وقلدهم آباؤنا؟ فما أشبه الليلة بالبارحة!

وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفال: 24] قال في "فتح البيان": ويستدل بهذا الأمر بالاستجابة، على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله في حكم من الأحكام الشرعية، أن يبادر إلى العمل به، كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الآراء، وأقوال الرجال.

وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بخصوص الأدلة، وترك التقليد بالمذاهب، وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة، كائنا ما كان. انتهى.

[ ص: 140 ] وقال تعالى: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك [هود: 112] قال في "فتح البيان": هي تشمل العقائد، والأعمال، والأخلاق.

فإنها في العقائد: اجتناب التشبيه، والتأويل، والتعطيل، والصرف عن الظاهر.

وفي الأعمال: الاحتراز عن الزيادة والنقصان، والبدع والمحدثات، والتغيير لكتاب الله، والتبديل للسنن، والتقليد للرجال، وللآراء.

وفي الأخلاق: التباعد عن طريق الإفراط والتفريط.

وهذا في غاية العسر، وبالله التوفيق، وهو المستعان. انتهى.

وقال تعالى: وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم [إبراهيم: 22] قال في "فتح البيان": وقريب من هذا من يقتدي بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله، ولما في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ويؤثرها على ما فيهما:

فإنه قد استجاب للباطل الذي لم تقم عليه حجة، ولا دل عليه برهان، وترك الحجة والبرهان خلف ظهره، كما يفعله كثير من المقلدين بالرجال، المقتدين لهم، المتنكبين عن طريق الحق بسوء اختيارهم. اللهم غفرا.

وقال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون : [الأنبياء: 7] الذكر: اسم من أسماء القرآن; أي: اسألوا أهل القرآن، وهم التالون له، العاملون به.

قال في "فتح البيان": قد استدل مجوزو التقليد بهذه الآية، وقالوا: أمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من له علم.

والجواب: أن هذه الآية الشريفة واردة في جواب سؤال خاص، خارج عن محل النزاع، كما يفيده السياق المذكور قبل هذا اللفظ الذي استدلوا به، وبعده.

وبه قال ابن جرير، والنووي، وأكثر المفسرين، واستوفاه السيوطي في "الدر [ ص: 141 ] المنثور" وهذا هو المعنى الذي يفيده السياق والسباق.

وعلى فرض أن المراد السؤال العام، فالمأمور بسؤالهم هم أهل الذكر، والذكر هو كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لا غيرهما.

ولا أظن مخالفا يخالف في هذا; لأن الشريعة المطهرة هي إما من الله -عز وجل- وذلك هو الذكر الحكيم، والقرآن العظيم، أو من رسوله -صلى الله عليه وسلم- وذلك هو السنة المطهرة، ولا ثالث لذلك.

وإذا كان المأمور بسؤالهم هم أهل القرآن والحديث، فالآية الكريمة حجة على المقلدة في رد التقليد، لا لهم على إثباته; لأن المراد أنهم يسألون أهل الذكر، فيخبرونهم بما فيهما.

والجواب من المسؤولين أن يقولوا: قال الله كذا، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا، فيعمل السائلون بذلك، وهذا هو غير ما يريده المقلدة المستدلة بها; فإنهم إنما استدلوا بها على جواز ما هو فيه من الأخذ بأقوال الرجال من دون سؤال عن الدليل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث