الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب نوم المرأة في المسجد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

428 [ ص: 509 ] 57 - باب: نوم المرأة في المسجد

439 - حدثنا عبيد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب، فأعتقوها، فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور قالت: فوضعته -أو وقع منها- فمرت به حدياة وهو ملقى، فحسبته لحما فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها، قالت: والله إني لقائمة معهم؛ إذ مرت الحدياة فألقته، قالت: فوقع بينهم قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به -زعمتم- وأنا منه بريئة، وهو ذا هو. قالت: فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت. قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد -أو حفش- قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي -قالت- فلا تجلس عندي مجلسا إلا قالت:

ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا... ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني،

قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعدا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث
[3835 - فتح: 1 \ 533] .

التالي السابق


ذكر فيه حديث عائشة أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب، فأعتقوها.. الحديث.

وفي آخره:


ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا...     ألا إنه من بلدة الكفر نجاني

وقد أخرجه في أيام الجاهلية أيضا.

[ ص: 510 ] والكلام عليه من أوجه:

أحدها:

الوليدة: الطفلة، وقد يطلق على الجارية والأمة، وإن كانت كبيرة، قال في "المخصص": إذا ولد المولود فهو وليد ساعة ولده، والأنثى وليدة. وفي "المحكم": والجمع ولدان. هذه كانت امرأة كبيرة مسلمة كما ذكره في الحديث.

ثانيها:

(فخرجت صبية) وفي رواية: (جويرية عليها وشاح أحمر من سيور) هو بكسر الواو يقال بالهمز على البدل؛ ينسج من أديم (عريض)، ويرصع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقها، وكشحها، قاله الجوهري، وعبارة "المحكم": هو كرسان من لؤلؤ وجوهر منظومان مخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر.

وقال في "المخصص" عن الفارسي: الوشاح من وسط إلى أسفل، قال: ولا يكون وشاحا حتى يكون منظوما بلؤلؤ، وودع.

[ ص: 511 ] وفي موضع من "المنتهى": وقالت امرأة من العرب:


ويوم السخاب من تعاجيب ربنا...     ألا إنه من بلدة السوء نجاني

قال: وهي امرأة دخلت العراق فاتهمها قوم بعقد ذهب وأنكرت هي، فبينا هم كذلك إذ مر طائر فألقاه.

وقولها: (من سيور) هو جمع سير وهو الشراك يعد من الجلد.

ثالثها:

قولها: (فمرت حدياة) هو تصغير حدأة كعنبة، والجماعة حدأ كعنب، وهو هذا الطائر المعروف، وجمعها: حدائى، بالقصر، وقال الداودي: الحديا: الحدأة، قال ابن التين: والصحيح أنه تصغير حدأة، ولعل الكاتب صور الهمزة ألفا، وإن كان من حقها أن لا تصور ألفا؛ لأنها همزة مفتوحة، قبلها ساكن، مثل: واسأل القرية [يوسف: 82] وإن كان سهل الهمز فحقه أن تكون حدية بغير ألف، قال: ورويناه بتشديد الياء، وإثبات الألف.

رابعها:

قوله: (فخطفته) هو بكسر الطاء، وفي أخرى فتحها.

و(الخباء) بكسر الخاء والمد: من بيوت العرب يكون من وبر وصوف، قال أبو عبيد: ولا يكون من شعر فيما حكاه في "المخصص" عنه.

[ ص: 512 ] و(الحفش) بالحاء المهملة؛ قال أبو عبيد: هو البيت الصغير الرديء، وقيل: الخرب، وعن الشافعي: القريب السمك، يسمى به؛ لضيقه، والحفش الانضمام والاجتماع، وهو بفتح الحاء وكسرها، وإسكان الفاء وفتحها.

قال في "المخصص": وهو من الشعر لا من الآجر.

و(التعاجيب) لا واحد لها، وهي الشيء العجيب.

خامسها: في فوائده:

فيه: أن من ليس له مسكن ولا مكان مبيت مباح؛ له المبيت في المسجد، واصطناع الخيمة وشبهها للمسكن، امرأة كانت أو رجلا.

وفيه: أن السنة الخروج عن بلد جرت على الخارج منه فتنة أو ذلة إلى ما اتسع من أرض الله، فإن له في ذلك خيرة كما جرى لهذه السوداء، أخرجتها فتنة الوشاح إلى بلاد الإسلام، ورؤية محمد سيد الأنام، قال تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها وقد تمثلت بهذا المعنى في البيت الشعر الذي أنشدته، فجعلت المحنة والذلة في يوم الوشاح هما اللذين أنجياها من الكفر؛ إذ كانا سبب ذلك.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث