الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 180 ] ( واقعة في التشديد في ذبائح أهل الكتاب ) قد علم القراء أن بعض أهل الأهواء هبوا منذ عشر سنين لمعارضة فتوى الأستاذ الإمام في حل ذبائح أهل الكتاب . وقد أطلعنا بعض تلاميذنا القوقاسيين في هذه الأيام على كتاب لبعض أدعياء العلم في القوقاس ، يشنع فيه على الأستاذ الإمام وعلى المنار ، وينكر عليهما بعض المسائل التي لا يعقلها مثله ، ومنها مسألة حل طعام الذين أوتوا الكتاب وحل نسائهم ، فذكرنا ذلك في واقعة وقعت من زهاء قرن في هذه البلاد تلافاها علماء الأزهر ، وقد نشرناها ( في ص 786 من مجلد المنار السادس نقلا عن الجزء الرابع من تاريخ الجبرتي في حوادث سنة 1236 ) قال : " وفيه من الحوادث أن الشيخ إبراهيم الشهير بباشا المالكي بالإسكندرية قرر في درس الفقه أن ذبيحة أهل الكتاب في حكم الميتة ، لا يجوز أكلها ، وما ورد من إطلاق الآية ، فإنه قبل أن يغيروا ويبدلوا في كتبهم ، فلما سمع فقهاء الثغر ذلك أنكروه واستغربوه ، ثم تكلموا مع الشيخ إبراهيم المذكور وعارضوه ، فقال : أنا لم أذكر ذلك بفهمي وعلمي ، وإنما تلقيت ذلك عن الشيخ علي المليلي المغربي ، وهو رجل عالم متورع وموثوق بعلمه ، ثم إنه أرسل إلى شيخه المذكور بمصر يعلمه بالواقع ، فألف رسالة في خصوص ذلك وأطنب فيها ، فذكر أقوال المشايخ والخلافات في المذاهب ، واعتمد قول الإمام الطرطوشي في المنع وعدم الحل ، وحشا الرسالة بالحط على علماء الوقت وحكامه ، وهي نحو الثلاث عشرة كراسة - كذا - وأرسلها إلى الشيخ إبراهيم فقرأها على أهل الثغر ، فكثر اللغط والإنكار ، خصوصا وأهل الوقت أكثرهم مخالفون للملة ، وانتهى الأمر إلى الباشا ، فكتب مرسوما إلى كتخدا بيك بمصر ، وتقدم إليه بأن يجمع مشايخ الوقت لتحقيق المسألة ، وأرسل إليه أيضا بالرسالة المصنفة ، فأحضر كتخدا بيك المشايخ وعرض عليهم الأمر ، فلطف الشيخ محمد العروسي العبارة ، وقال : " الشيخ علي المليلي رجل من العلماء تلقى عن مشايخنا ومشايخهم ، لا ينكر علمه وفضله ، وهو منعزل عن خلطة الناس ، إلا إنه حاد المزاج ، وبعقله بعض خلل ، والأولى أن نجتمع به ونتذاكر في غير مجلسكم ، وننهي بعد ذلك الأمر إليكم " .

فاجتمعوا في ثاني يوم وأرسلوا إلى الشيخ علي يدعونه للمناظرة ، فأبى عن الحضور وأرسل الجواب مع شخصين من مجاوري المغاربة ، يقولان : إنه لا يحضر مع الغوغاء ، بل يكون في مجلس خاص يتناظر فيه مع الشيخ محمد بن الأمير بحضرة الشيخ حسن القويسني والشيخ حسن العطار فقط ; لأن ابن الأمير يناقشه ويشن عليه الغارة ، فلما قالا ذلك القول تغير ابن الأمير وأرعد وأبرق ، وتشاتم بعض من بالمجلس مع الرسل ، وعند ذلك أمروا بحبسهما في بيت الأغا ، وأمروا الأغا بالذهاب إلى بيت الشيخ علي وإحضاره بالمجلس ولو قهرا عنه ، فركب [ ص: 181 ] الأغا وذهب إلى بيت المذكور فوجده قد تغيب ، فأخرج زوجته ومن معها من البيت وسمر البيت ، فذهبت إلى بيت بعض الجيران .

ثم كتبوا عرضا محضرا وذكروا فيه بأن الشيخ عليا على خلاف الحق ، وأبى عن حضور مجلس العلماء والمناظرة معهم في تحقيق المسألة وهرب واختفى ; لكونه على خلاف الحق ، ولو كان على الحق ما اختفى ولا هرب ، والرأي لحضرة الباشا فيه إذا ظهر ، وكذلك في الشيخ إبراهيم باشا السكندري - كذا - وتمموا العرض وأمضوه بالختوم الكثيرة وأرسلوه إلى الباشا ، وبعد أيام أطلقوا الشخصين من حبس الأغا ورفعوا الختم عن بيت الشيخ علي ، ورجع أهله إليه ، وحضر الباشا إلى مصر في أوائل الشهر ورسم بنفي الشيخ إبراهيم باشا إلى بني غازي ، ولم يظهر الشيخ من اختفائه " انتهى .

( استدراك في حكمة الذبح وتحريم الدم ) قال لنا أحد الأطباء بعد قراءة ما كتبناه في حكمة تحريم الدم في المنار : إن تجربة حقن الإنسان بدم الحيوان لم تنجح ، فهو ضار ، وإن ذبح الحيوان الكبير أو نحره أنفع ; لأنه ينهر الدم الضار ، وإن المواد الميتة في الدم ليست عفنة ، بل سامة . انتهى . قلت : مرادي بعفنة : المعنى اللغوي ، لا الطبي أي فاسدة ضارة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث