الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن كان الخارج نادرا كالدم والمذي والودي أو دودا أو حصاة - وقلنا : يجب الاستنجاء منه - فهل يجزئ فيه الحجر [ أم لا ] ؟ فيه قولان ( أحدهما ) أنه كالبول والغائط ، وقد بيناهما ( والثاني ) لا يجزئ إلا بالماء ; لأنه نادر فهو كسائر النجاسات ) .

التالي السابق


( الشرح ) إذا كان الخارج نادرا كالدم والقيح والودي والمذي وشبهها فهل يجزئه الحجر ؟ فيه طريقان : الصحيح منهما - وبه قطع العراقيون أنه على قولين ، ( أصحهما ) يجزئه الحجر ، نص عليه في المختصر وحرملة ; لأن الحاجة تدعو إليه والاستنجاء رخصة والرخص تأتي لمعنى ثم لا يلزم وجود ذلك المعنى في جميع صورها كالقصر وأشباهه ( والقول الثاني ) يتعين الماء ، قاله في الأم ، ويحتج له مع ما ذكره المصنف بالحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم " { أمر بغسل الذكر من المذي } " وسنذكره واضحا في باب الغسل إن شاء الله تعالى . والجواب الصحيح عن هذا الحديث : أنه محمول على الندب ، والطريق الثاني : ذكره الخراسانيون أنه يجزئه الحجر قولا واحدا ، وتأولوا قوله في الأم ما إذا كان الخارج لا من داخل الفرج بل من قرح أو باسور وشبهه خارج الدبر ، وهو تأويل بعيد ، والله أعلم .

ثم المذهب الصحيح أن القولين جاريان ، سواء خرج النادر وحده أو مع المعتاد ، وحكى الفوراني وغيره عن القفال أن القولين فيما إذا خرج النادر مع المعتاد ، فإن تمحض النادر تعين الماء قطعا . والصحيح طرد القولين في [ ص: 145 ] الحالين . كذا صرح به المتولي وغيره ، وهو مقتضى إطلاق الجمهور . قال الماوردي : ودم الاستحاضة نادر فيكون على القولين ، قال هو وغيره : ودم الباسور الذي في داخل الدبر نادر . واتفقوا على أن المذي من النادر كما ذكره المصنف . وفي كلام الغزالي ما يوهم خلافا في كونه نادرا ، ولا خلاف فيه ، فليحمل كلامه على موافقة الأصحاب . قال الماوردي : ودم الحيض معتاد فيكفي فيه الحجر قولا واحدا ، وهذا الذي قاله قد يستشكل من حيث إن الأصحاب في الطريقتين قالوا : لا يمكن الاستنجاء بالحجر من دم الحيض في حق المغتسلة ، لأنه يلزمها غسل محل الاستنجاء في غسل الحيض ، فيقال : صورته فيما إذا انقطع دم الحائض ولم تجد ما تغتسل به .

أو كان بها مرض ونحوه مما يبيح لها التيمم ; فإنها تستنجي بالحجر عن الدم ، ثم تتيمم للصلاة بدلا عن غسل الحيض وتصلي ، ولا إعادة بخلاف المستحاضة . ومن خرج منه مذي أو دم أو غير ذلك من النادر فإنه إذا استنجى بالحجر وتيمم لعدم الماء وصلى تلزمه الإعادة على أحد القولين ، وهو قولنا : لا يصح استنجاؤه ، وأما قول إمام الحرمين والغزالي : قال العراقيون : لا يكفي الحجر في دم الحيض الموجب للغسل ; فمحمول على ما إذا وجدت الماء واستنجت بالحجر وغسلت باقي البدن ولم تغسل موضع الاستنجاء ، فهنا لا يصح استنجاؤها بلا خلاف ; لأنه يجب غسل ذلك الموضع عن غسل الحيض ، ولم يريدا بقولهما : قال العراقيون أن غيرهم يخالفهم بل أرادا أنهم هم الذين ابتدءوا بذكر ذلك وشهروه في كتبهم ، فقد ذكره الخراسانيون أيضا ولكنهم أخذوه من كتب العراقي والله أعلم . وأما قول المصنف في الدود أو الحصى إذا أوجبنا الاستنجاء منه فهل [ ص: 146 ] يجزئ الحجر ؟ فيه القولان كالنادر ، فكذا قاله الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمحاملي وابن الصباغ والبغوي والجمهور ، قال القاضي أبو الطيب : وهذا غلط لأن الاستنجاء هنا إنما يجب لتلك البلة ، وهي معتادة ، فيكفي الحجر قولا واحدا ، وحكى الروياني عن القفال مثله ، وهذا هو الصحيح المعتمد . قال ابن الصباغ وغيره : والمني طاهر لا يجب الاستنجاء منه وهو محمول على من خرج منه مني ، ولم يخرج غيره وصلى بالتيمم لمرض ، أو فقد الماء ، فإنه تصح صلاته ولا إعادة ، كما ذكرنا في دم الحيض ، أما إذا اغتسل من الجنابة فلا بد من غسل رأس الذكر والله أعلم .



( فرع ) في مسائل تتعلق بالباب ( إحداها ) قال أصحابنا : شرط جواز الاستنجاء بالحجر من الغائط أن لا يقوم من موضع قضاء الحاجة حتى يستنجي فإن قام تعين الماء ; لأن بالقيام تنطبق الأليان فتنتقل النجاسة من محلها إلى محل أجنبي ، فإن لم يكن معه أحجار وكانت بقربه ، ولم يجد من يناوله إياها فطريقه أن يزحف على رجليه من غير أن تنطبق ألياه حتى يصل إلى الحجر قال الشيخ أبو محمد : ولو قام متفاحجا بحيث لا تنطبق الأليان ، أو استيقن النجاسة لم يجاوز محلها أجزأه الحجر قال أصحابنا : ولو وقع الخارج منه على الأرض ثم ترشش منه بشيء فارتفع وعلق بالمحل أو تعلقت بالمحل نجاسة أجنبية تعين الماء ، فإن تميز المرتفع وأمكن غسله وحده غسله وكفاه الأحجار في نجاسة المحل .



( الثانية ) لا يجب الاستنجاء على الفور ، بل يجوز تأخيره حتى يريد الطهارة أو الصلاة .



( الثالثة ) الاستنجاء طهارة مستقلة ، ليست من الوضوء ، هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله الجمهور ، وحكى المتولي - وجها - أنه من [ ص: 147 ] واجبات الوضوء ، واستنبطه من القول الشاذ الذي قدمناه أن الوضوء لا يصح قبل الاستنجاء ، قال المتولي : وهذا ليس بصحيح .



( الرابعة ) إذا استنجى بالأحجار فعرق محله وسال العرق منه وجاوزه وجب غسل ما سال إليه ، وإن لم يجاوزه فوجهان ( أحدهما ) غسله ( والصحيح ) لا يلزمه شيء لعموم البلوى بذلك ، ولو انغمس هذا المستجمر في مائع أو فيما دون قلتين نجسه بلا خلاف .



( الخامسة ) قال الشافعي رحمه الله في الأم والأصحاب : إنما يجزئ الاستجمار - المتوضئ والمتيمم - أما المغتسل من جنابة وغيرهما فلا يجزئه ، بل لا بد من تطهير محله بالماء ، وهذا متفق عليه وهو - كما قلنا - لا يكفي مسح الخف في حق المغتسل بخلاف المتوضئ ، والفرق أن الاستجمار ومسح الخف رخصتان دعت الحاجة إليهما لتكرار الوضوء ، وأما الغسل فنادر فلا تدعو الحاجة إليهما فيه ، والله أعلم .



( فرع ) له تعلق بالباب ، روى أبو داود بإسناد فيه ضعف عن امرأة من بني غفار " { أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفها على حقيبة فحاضت ، فأمرها أن تغسل الدم بماء وملح } " الحديث . قال الخطابي : الملح مطعوم ; فقياسه جواز غسل الثوب بالعسل ، كثوب الإبريسم الذي يفسده الصابون ، وبالخل إذا أصابه حبر ونحوه ، قال : ويجوز على هذا التدلك بالنخالة ، وغسل الأيدي بدقيق الباقلا والبطيخ ونحوه ، مما له قوة الجلاء . قال : وحدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال : دخلت الحمام بمصر فرأيت الشافعي يتدلك بالنخالة ، هذا كلام الخطابي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث