الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثمان وتسعين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر فتح جرجان وطبرستان

في هذه السنة غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان لما قدم خراسان .

وسبب غزوهما واهتمامه بهما أنه لما كان عند سليمان بن عبد الملك بالشام كان سليمان كلما فتح قتيبة فتحا يقول ليزيد : ألا ترى إلى ما يفتح الله على قتيبة ؟ فيقول يزيد : ما فعلت جرجان ( التي قطعت الطريق ، وأفسدت قومس ونيسابور ويقول : هذه الفتوح ليست بشيء ، الشان هي جرجان .

فلما ولاه سليمان خراسان لم يكن له همة غير جرجان ) ، فسار إليها في مائة ألف [ ص: 88 ] من أهل الشام والعراق وخراسان ، سوى الموالي والمتطوعة ، ولم تكن جرجان يومئذ مدينة ، إنما هي جبال ومخارم وأبواب ، يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد . فابتدأ بقهستان فحاصرها ، وكان أهلها طائفة من الترك ، وأقام عليها . وكان أهلها يخرجون ويقاتلون ، فيهزمهم المسلمون في كل ذلك ، فإذا هزموا دخلوا الحصن . فخرجوا ذات يوم وخرج إليهم الناس ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فحمل محمد بن أبي سبرة على تركي قد صد الناس عنه ، فاختلفا ضربتين ، فثبت سيف التركي في بيضة ابن أبي سبرة ، وضربه ابن أبي سبرة فقتله ، ورجع وسيفه يقطر دما ، وسيف التركي في بيضته ، فنظر الناس إلى أحسن منظر رأوه .

وخرج يزيد بعد ذلك يوما ينظر مكانا يدخل منه عليهم ، وكان في أربعمائة من وجوه الناس وفرسانهم ، فلم يشعروا حتى هجم عليهم الترك في نحو أربعة آلاف ، فقاتلوهم ساعة ، وقاتل يزيد قتالا شديدا ، فسلموا وانصرفوا ، وكانوا قد عطشوا ، فانتهوا إلى الماء فشربوا ، ورجع عنهم العدو .

ثم إن يزيد ألح عليهم في القتال ، وقطع عنهم المواد حتى ضعفوا وعجزوا . فأرسل صول ، دهقان قهستان ، إلى يزيد يطلب منه أن يصالحه ويؤمنه على نفسه وأهله وماله ، ليدفع إليه المدينة بما فيها ، فصالحه ووفى له ، ودخل المدينة ، فأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز والسبي ما لا يحصى ، وقتل أربعة عشر ألف تركي صبرا ، وكتب إلى سليمان بن عبد الملك بذلك . ثم خرج حتى أتى جرجان .

وكان أهل جرجان قد صالحهم سعيد بن العاص ، وكانوا يجبون أحيانا مائة ألف ، وأحيانا مائتي ألف ، وأحيانا ثلاثمائة ألف ، وربما أعطوا ذلك وربما منعوه ، ثم امتنعوا وكفروا ، فلم يعطوا خراجا ، ولم يأت جرجان بعد سعيد أحد ، ومنعوا ذلك الطريق ، فلم يكن يسلك طريق خراسان أحد إلا على فارس وكرمان . وأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان . وبقي أمر جرجان كذلك حتى ولي يزيد وأتاهم ، فاستقبلوه بالصلح ، وزادوه وهابوه ، فأجابهم إلى ذلك وصالحهم .

فلما فتح قهستان وجرجان طمع في طبرستان أن يفتحها ، فعزم على أن يسير إليها ، فاستعمل عبد الله بن المعمر اليشكري على الساسان وقهستان ، وخلف معه أربعة آلاف ، ثم أقبل إلى أداني جرجان مما يلي طبرستان ، فاستعمل على أيذوسا راشد بن عمرو ، وجعله في أربعة آلاف ، ودخل بلاد طبرستان ، فأرسل إليه الإصبهبذ صاحبها يسأله الصلح وأن يخرج من طبرستان ، فأبى يزيد ، ورجا أن يفتتحها ، ووجه أخاه أبا عيينة من [ ص: 89 ] وجه ، وابنه خالد بن يزيد من وجه ، وأبا الجهم الكلبي من وجه ، وقال : إذا اجتمعتم فأبوا عيينة على الناس . فسار أبو عيينة وأقام يزيد معسكرا .

واستجاش الإصبهبذ أهل جيلان والديلم ، فأتوه فالتقوا في سفح جبل ، فانهزم المشركون في الجبل ، فاتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى فم الشعب ، فدخله المسلمون وصعد المشركون في الجبل واتبعهم المسلمون يرومون الصعود ، فرماهم العدو بالنشاب والحجارة ، فانهزم أبو عيينة والمسلمون يركب بعضهم بعضا ، يتساقطون في الجبل حتى انتهوا إلى عسكر يزيد ، وكف عدوهم عن اتباعهم ، وخافهم الإصبهبذ ، فكان أهل جرجان ومقدمهم المرزبان يسألهم أن يبيتوا من عندهم من المسلمين ، وأن يقطعوا عن يزيد المادة والطريق فيما بينه وبين بلاد الإسلام ، ويعدهم أن يكافئهم على ذلك ، فثاروا بالمسلمين ، فقتلوهم أجمعين وهم غارون في ليلة ، وقتل عبد الله بن المعمر وجميع من معه فلم ينج منهم أحد ، وكتبوا إلى الإصبهبذ بأخذ المضايق والطرق .

وبلغ ذلك يزيد وأصحابه فعظم عليهم وهالهم ، وفزع يزيد إلى حيان النبطي وقال له : لا يمنعك ما كان مني إليك من نصيحة المسلمين ، وقد جاءنا عن جرجان ما جاءنا فاعمل في الصلح . فقال : نعم . فأتى حيان الإصبهبذ فقال : أنا رجل منكم ، وإن كان الدين فرق بيني وبينكم ، فأنا لكم ناصح ، فأنت أحب إلي من يزيد ، وقد بعث يستمد وأمداده منه قريبة ، وإنما أصابوا منه طرفا ، ولست آمن أن يأتيك من لا تقوم له ، فأرح نفسك وصالحه ، فإن صالحته صير حده على أهل جرجان بغدرهم وقتلهم أصحابه . فصالحه على سبعمائة ألف ، وقيل خمسمائة ألف وأربعمائة وقر زعفران ، أو قيمته من العين ، وأربعمائة رجل ، على كل رجل منهم ترس وطيلسان ، ومع كل رجل جام من فضة وخرقة حرير وكسوة .

ثم رجع حيان إلى يزيد ، فقال : ابعث من ( يحمل صلحهم ) ، فقال : من عندهم أو من عندنا ؟ قال : من عندهم ، وكان يزيد قد طابت نفسه أن يعطيهم ما سألوا ويرجع إلى جرجان ، فأرسل إلى يزيد من يقبض ما صالحهم عليه حيان ، فانصرف إلى جرجان . وكان يزيد قد أغرم حيان مائتي ألف درهم ، وسبب ذلك أن حيان كتب إلى مخلد بن يزيد ، فبدأ بنفسه ، فقال له ابنه مقاتل بن حيان : تكتب إلى مخلد وتبدأ بنفسك . قال : نعم ، [ ص: 90 ] وإن لم يرض لقي ما لقي قتيبة . فبعث مخلد الكتاب إلى أبيه يزيد ، فأغرمه مائتي ألف درهم .

وقيل : إن سبب مسير يزيد إلى جرجان أن صولا التركي كان ينزل قهستان والبحيرة ، وهي جزيرة في البحر بينها وبين قهستان خمسة فراسخ ، وهما من جرجان مما يلي خوارزم ، وكان يغير على فيروز [ بن ] قول مرزبان جرجان ، فيصيب من بلاده . فخافه فيروز ، فسار إلى يزيد بخراسان وقدم عليه ، فسأله عن سبب قدومه ، فقال : خفت صولا فهربت منه ، وأخذ صول جرجان . فقال يزيد لفيروز : هل من حيلة لقتاله ؟ قال : نعم ، شيء واحد إن ظفرت به قتلته وأعطى بيده . قال : ما هو ؟ قال : تكتب إلى الإصبهبذ كتابا تسأله فيه أن يحتال لصول حتى يقيم بجرجان ، واجعل له على ذلك جعلا ، فإنه يبعث بكتابك إلى صول يتقرب [ به ] إليه فيتحول عن جرجان فينزل البحيرة ، وإن تحول عن جرجان وحاصرته ظفرت به . ففعل يزيد ذلك ، وضمن للإصبهبذ خمسين ألف دينار إن هو حبس صولا عن البحيرة ليحاصره بجرجان ، فأرسل الإصبهبذ الكتاب إلى صول ، فلما أتاه الكتاب رحل إلى البحيرة ليتحصن بها ، وبلغ يزيد مسيره فخرج إلى جرجان ومعه فيروز ، واستعمل على خراسان ابنه مخلدا ، وعلى سمرقند وكش ونسف وبخارى ابنه معاوية ، وعلى طخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلب ، وأقبل حتى أتى جرجان ، فدخلها ولم يمنعه منها أحد ، وسار منها إلى البحيرة فحصر صولا بها ، فكان يخرج إليه صول فيقاتله ثم يرجع ، فمكثوا بذلك ستة أشهر ، فأصابهم مرض وموت ، فأرسل صول يطلب الصلح على نفسه وماله وثلاثمائة من أهله وخاصته ، ويسلم إليه البحيرة ، فأجابه يزيد ، فخرج بماله وثلاثمائة ممن أحب .

وقتل يزيد من الأتراك أربعة عشر ألفا صبرا ، وأطلق الباقين . وطلب الجند أرزاقهم ، فقال لإدريس بن حنظلة العمي : أحص لنا ما في البحيرة حتى نعطي الجند . فدخلها إدريس فلم يقدر على إحصاء ما فيها ، فقال ليزيد : لا أستطيع ذلك وهو في ظروف ، فتحصى الجواليق ويعلم ما فيها ويعطى الجند فمن أخذ شيئا عرفنا ما أخذ من الحنطة والشعير والأرز والسمسم والعسل ، ففعلوا ذلك وأخذوا شيئا كثيرا ، وكان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب ، فرفعوا عليه أنه أخذ خريطة ، فسأله يزيد عنها ، فأتاه بها فأعطاها شهرا ، فقال بعضهم :

[ ص: 91 ]

لقد باع شهر دينه بخريطة فمن يأمن القراء بعدك يا شهر

وقال مرة الحنفي :


يا ابن المهلب ما أردت إلى امرئ     لولاك كان كصالح القراء

وأصاب يزيد بجرجان تاجا فيه جوهر فقال : أترون أحدا يزهد في هذا ؟ قالوا : لا . فدعا محمد بن واسع الأزدي فقال : خذ هذا التاج . قال : لا حاجة لي فيه . قال : عزمت عليك . فأخذه ، فأمر يزيد رجلا ينظر ما يصنع به ، فلقي سائلا فدفعه إليه ، فأخذ الرجل السائل وأتى به يزيد وأخبره ، فأخذ يزيد التاج وعوض السائل مالا كثيرا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث