الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا

جزء التالي صفحة
السابق

4292 حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس وما لكم ولهذه إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ثم قرأ ابن عباس وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب كذلك حتى قوله يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا تابعه عبد الرزاق عن ابن جريج ح حدثنا ابن مقاتل أخبرنا الحجاج عن ابن جريج أخبرني ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره أن مروان بهذا

التالي السابق


قوله : ( أخبرنا هشام ) هو ابن يوسف الصنعاني .

قوله : ( عن ابن أبي مليكة ) في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج " أخبرني ابن أبي مليكة " وسيأتي ، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج .

قوله : ( أن علقمة بن وقاص ) هو الليثي من كبار التابعين وقد قيل إن له صحبة . وهو راوي حديث الأعمال عن عمر . قوله : ( إن مروان ) هو ابن الحكم بن أبي العاص الذي ولي الخلافة ، وكان يومئذ أمير المدينة من قبل معاوية .

قوله : ( قال لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل ) رافع هذا لم أر له ذكرا في كتب الرواة إلا بما جاء في هذا الحديث ، والذي يظهر من سياق الحديث أنه توجه إلى ابن عباس فبلغه الرسالة ورجع إلى مروان بالجواب فلولا أنه معتمد عند مروان ما قنع برسالته ، لكن قد ألزم الإسماعيلي البخاري أن يصحح حديث بسرة بن صفوان في نقض الوضوء من مس الذكر فإن عروة ومروان اختلفا في ذلك فبعث مروان حرسيه إلى بسرة فعاد إليه بالجواب عنها فصار الحديث من رواية عروة عن رسول مروان عن بسرة " ورسول مروان مجهول الحال فتوقف عن القول بصحة الحديث جماعة من الأئمة لذلك ، فقال الإسماعيلي إن القصة التي في حديث الباب شبيهة بحديث بسرة ، فإن كان رسول مروان معتمدا في هذه فليعتمد في الأخرى فإنه لا فرق بينهما . إلا أنه في هذه القصة سمى رافعا ولم يسم الحرسي ، قال ومع هذا فاختلف على ابن جريج في شيخ شيخه فقال عبد الرزاق وهشام عنه عن ابن أبي مليكة عن علقمة ، وقال حجاج بن محمد عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن ، ثم ساقه من رواية محمد بن عبد الملك بن جريج عن أبيه عن ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن ، فصار لهشام متابع وهو عبد الرزاق ولحجاج بن محمد متابع وهو محمد ، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج كما قال عبد الرزاق . والذي يتحصل لي من الجواب عن هذا الاحتمال أن يكون علقمة بن وقاص كان حاضرا عند ابن عباس لما أجاب ، فالحديث من رواية علقمة عن ابن عباس ، وإنما قص علقمة سبب تحديث ابن عباس بذلك فقط ، وكذا أقول في حميد بن عبد الرحمن فكأن ابن أبي مليكة حمله عن كل منهما ، وحدث به ابن جريج عن كل منهما ، فحدث به ابن جريج تارة عن هذا وتارة عن هذا . وقد روى ابن مردويه في حديث أبي سعيد ما يدل على سبب إرساله لابن عباس فأخرج من طريق الليث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال : كان أبو سعيد وزيد بن ثابت ورافع بن خديج عند مروان فقال : يا أبا سعيد أرأيت قول الله - فذكر [ ص: 83 ] الآية - فقال : إن هذا ليس من ذاك ، إنما ذاك أن ناسا من المنافقين - فذكر نحو حديث الباب وفيه - فإن كان لهم نصر وفتح حلفوا لهم على سرورهم بذلك ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم ، فكأن مروان توقف في ذلك ، فقال أبو سعيد : هذا يعلم بهذا ، فقال : أكذلك يا زيد ؟ قال : نعم صدق . ومن طريق مالك عن زيد بن أسلم عن رافع بن خديج أن مروان سأله عن ذلك فأجابه بنحو ما قال أبو سعيد فكأن مروان أراد زيادة الاستظهار ، فأرسل بوابه رافعا إلى ابن عباس يسأله عن ذلك ، والله أعلم . وأما قول البخاري عقب الحديث : تابعه عبد الرزاق عن ابن جريج ، فيريد أنه تابع هشام بن يوسف على روايته إياه عن ابن جريج . عن ابن أبي مليكة عن علقمة ، ورواية عبد الرزاق وصلها في التفسير وأخرجها الإسماعيلي والطبري وأبو نعيم وغيرهم من طريقه ، وقد ساق البخاري إسناد حجاج عقب هذا ولم يسق المتن بل قال : عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره أن مروان بهذا ، وساقه مسلم والإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ " إن مروان قال لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقال له " فذكر نحو حديث هشام .

قوله : ( لنعذبن أجمعون ) في رواية حجاج بن محمد " لنعذبن أجمعين " .

قوله : ( إنما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - يهودا فسألهم عن شيء ) في رواية حجاج بن محمد إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب .

قوله : ( فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم ) في رواية حجاج بن محمد فخرجوا قد أروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وهذا أوضح .

قوله : ( بما أتوا ) كذا للأكثر بالقصر بمعنى جاءوا أي بالذي فعلوه ، وللحموي " بما أوتوا " بضم الهمزة بعدها واو أي أعطوا ، أي من العلم الذي كتموه ، كما قال تعالى فرحوا بما عندهم من العلم والأول أولى لموافقته التلاوة المشهورة ، على أن الأخرى قراءة السلمي وسعيد بن جبير ، وموافقة المشهورة أولى مع موافقته لتفسير ابن عباس .

قوله : ثم قرأ ابن عباس وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب فيه إشارة إلى أن الذين أخبر الله عنهم في الآية المسئول عنها هم المذكورون في الآية التي قبلها . وأن الله ذمهم بكتمان العلم الذي أمرهم أن لا يكتموه ، وتوعدهم بالعذاب على ذلك ووقع في رواية محمد بن ثور المذكورة " فقال ابن عباس : قال الله جل ثناؤه في التوراة : إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده وإن محمدا رسول الله " .

( تنبيه )

الشيء الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه اليهود لم أره مفسرا ، وقد قيل إنه سألهم عن صفته عندهم بأمر واضح ، فأخبروه عنه بأمر مجمل . وروى عبد الرزاق من طريق سعيد بن جبير في قوله : لتبيننه للناس ولا تكتمونه قال : محمد . وفي قوله : يفرحون بما أتوا قال : بكتمانهم محمدا . وفي قوله : أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال : قولهم : نحن على دين إبراهيم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث