الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

ولما كانت التوبة هي رجوع العبد إلى الله ، ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضالين ، وذلك لا يحصل إلا بهداية الله إلى الصراط المستقيم ، ولا تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده ، فقد انتظمتها سورة الفاتحة أحسن انتظام ، وتضمنتها أبلغ تضمن ، فمن أعطى الفاتحة حقها - علما وشهودا وحالا معرفة - علم أنه لا تصح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة النصوح ، فإن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب ، ولا مع الإصرار عليها ، فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى ، والثاني غي ينافي قصده وإرادته ، فلذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب ، والاعتراف به ، وطلب التخلص من سوء عواقبه أولا وآخرا .

قال في المنازل : وهي أن تنظر في الذنب إلى ثلاثة أشياء : إلى انخلاعك من العصمة حين إتيانه ، وفرحك عند الظفر به ، وقعودك على الإصرار عن تداركه ، مع تيقنك نظر الحق إليك .

[ ص: 198 ] يحتمل أن يريد بالانخلاع عن العصمة انخلاعه عن اعتصامه بالله ، فإنه لو اعتصم بالله لما خرج عن هداية الطاعة ، قال الله تعالى ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم فلو كملت عصمته بالله لم يخذله أبدا ، قال الله تعالى واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير أي متى اعتصمتم به تولاكم ، ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان ، وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد ، وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج ، فالنصر على هذا العدو أهم ، والعبد إليه أحوج ، وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله .

وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى بعد هذا في حقيقة الاعتصام وأن الإيمان لا يقوم إلا به .

ويحتمل أن يريد الانخلاع من عصمة الله له ، وأنك إنما ارتكبت الذنب بعد انخلاعك من توبة عصمته لك ، فمتى عرف هذا الانخلاع وعظم خطره عنده ، واشتدت عليه مفارقته ، وعلم أن الهلك كل الهلك بعده ، وهو حقيقة الخذلان ، فما خلى الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك ، وخلى بينك وبين نفسك ، ولو عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلا .

فقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان : أن يكلك الله إلى نفسك ، ويخلي بينك وبينها ، والتوفيق : أن لا يكلك الله إلى نفسك ، وله سبحانه في هذه التخلية - بينك وبين الذنب وخذلانك حتى واقعته - حكم وأسرار ، سنذكر بعضها .

وعلى الاحتمالين فترجع التوبة إلى اعتصامك به وعصمته لك .

قوله : وفرحك عند الظفر به .

الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها ، والجهل بقدر من عصاه ، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها ، ففرحه بها غطى عليه ذلك كله ، وفرحه بها أشد ضررا عليه من مواقعتها ، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدا ، ولا يكمل بها فرحه ، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه ، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به ، ومتى خلى قلبه من هذا الحزن ، واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه ، وليبك على موت قلبه ، فإنه لو كان حيا [ ص: 199 ] لأحزنه ارتكابه للذنب ، وغاظه وصعب عليه ، ولا يحس القلب بذلك ، فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام .

وهذه النكتة في الذنب قل من يهتدي إليها أو ينتبه لها ، وهي موضع مخوف جدا ، مترام إلى هلاك إن لم يتدارك بثلاثة أشياء : خوف من الموافاة عليه قبل التوبة ، وندم على ما فاته من الله بمخالفة أمره ، وتشمير للجد في استدراكه .

قوله : وقعودك على الإصرار عن تداركه .

الإصرار : هو الاستقرار على المخالفة ، والعزم على المعاودة ، وذلك ذنب آخر ، لعله أعظم من الذنب الأول بكثير ، وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبا أكبر منه ، ثم الثاني كذلك ، ثم الثالث كذلك ، حتى يستحكم الهلاك .

فالإصرار على المعصية معصية أخرى ، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها ، وطمأنينة إليها ، وذلك علامة الهلاك ، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه ، فإن آمن بنظره إليه وأقدم على المجاهرة فعظيم ، وإن لم يؤمن بنظره إليه واطلاعه عليه فكفر ، وانسلاخ من الإسلام بالكلية ، فهو دائر بين الأمرين : بين قلة الحياء ومجاهرة نظر الله إليه ، وبين الكفر والانسلاخ من الدين ، فلذلك يشترط في صحة التوبة تيقنه أن الله كان ناظرا - ولا يزال - إليه مطلعا عليه ، يراه جهرة عند مواقعة الذنب ، لأن التوبة لا تصح إلا من مسلم ، إلا أن يكون كافرا بنظر الله إليه جاحدا له ، فتوبته دخوله في الإسلام ، وإقراره بصفات الرب جل جلاله .

قال : وشرائط التوبة ثلاثة : الندم ، والإقلاع ، والاعتذار .

فحقيقة التوبة : هي الندم على ما سلف منه في الماضي ، والإقلاع عنه في الحال ، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل .

والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة ، فإنه في ذلك الوقت يندم ، ويقلع ، ويعزم .

[ ص: 200 ] فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لها ، وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة .

ولما كان متوقفا على تلك الثلاثة جعلت شرائط له .

فأما الندم : فإنه لا تتحقق التوبة إلا به ، إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه به ، وإصراره عليه ، وفي المسند " الندم توبة " .

وأما الإقلاع : فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب .

وأما الاعتذار : ففيه إشكال ، فإن من الناس من يقول : من تمام التوبة ترك الاعتذار ، فإن الاعتذار محاجة عن الجناية ، وترك الاعتذار اعتراف بها ، ولا تصح التوبة إلا بعد الاعتراف ، وفي ذلك يقول بعض الشعراء لرئيسه وقد عتب عليه في شيء :


وما قابلت عتبك باعتذار ولكني أقول كما تقول     وأطرق باب عفوك بانكسار
ويحكم بيننا الخلق الجميل

فلما سمع الرئيس مقالته قام وركب إليه من فوره ، وأزال عتبه عليه ، فتمام الاعتراف ترك الاعتذار ، بأن يكون في قلبه ولسانه : اللهم لا براءة لي من ذنب فأعتذر ، ولا قوة لي فأنتصر ، ولكني مذنب مستغفر ، اللهم لا عذر لي ، وإنما هو محض حقك ، ومحض جنايتي ، فإن عفوت وإلا فالحق لك .

والذي ظهر لي من كلام صاحب المنازل أنه أراد بالاعتذار إظهار الضعف والمسكنة ، وغلبة العدو ، وقوة سلطان النفس ، وأنه لم يكن مني ما كان عن استهانة بحقك ، ولا جهلا به ، ولا إنكارا لاطلاعك ، ولا استهانة بوعيدك ، وإنما كان من غلبة الهوى ، وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة ، وطمعا في مغفرتك واتكالا على عفوك ، وحسن ظن بك ، ورجاء لكرمك ، وطمعا في سعة حلمك ورحمتك ، وغرني بك الغرور ، والنفس الأمارة بالسوء ، وسترك المرخى علي ، وأعانني جهلي ، ولا سبيل إلى الاعتصام لي إلا بك ، ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك ، ونحو هذا من الكلام المتضمن للاستعطاف والتذلل والافتقار ، والاعتراف بالعجز ، والإقرار بالعبودية .

[ ص: 201 ] فهذا من تمام التوبة ، وإنما يسلكه الأكياس المتملقون لربهم عز وجل ، والله يحب من عبده أن يتملق له .

وفي الحديث " تملقوا لله " وفي الصحيح لا أحد أحب إليه العذر من الله وإن كان معنى ذلك الإعذار ، كما قال في آخر الحديث " من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين " وقال تعالى فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا فإنه من تمام عدله وإحسانه أن أعذر إلى عباده ، وأن لا يؤاخذ ظالمهم إلا بعد كمال الإعذار وإقامة الحجة عليه ، فهو أيضا يحب من عبده أن يعتذر إليه ، ويتنصل إليه من ذنبه ، وفي الحديث " من اعتذر إلى الله قبل الله عذره " فهذا هو الاعتذار المحمود النافع .

وأما الاعتذار بالقدر فهو مخاصمة لله ، واحتجاج من العبد على الرب ، وحمل لذنبه على الأقدار ، وهذا فعل خصماء الله ، كما قال بعض شيوخهم في قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة قال : أتدرون ما المراد بهذه الآية ؟ قالوا : ما المراد بها ؟ قال : إقامة أعذار الخليقة .

وكذب هذا الجاهل بالله وكلامه ، وإنما المراد بها التزهيد في هذا الفاني الذاهب ، والترغيب في الباقي الدائم ، والإزراء بمن آثر هذا المزين واتبعه ، بمنزلة الصبي الذي يزين له ما يلعب به ، فيهش إليه ويتحرك له ، مع أنه لم يذكر فاعل التزيين ، فلم يقل زينا للناس ، والله تعالى يضيف تزيين الدنيا والمعاصي إلى الشياطين ، كما قال تعالى وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون وقال وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم وفي الحديث بعثت هاديا وداعيا ، وليس إلي من الهداية شيء ، وبعث إبليس مغويا ومزينا ، وليس إليه من الضلالة شيء ولا يناقض هذا قوله تعالى [ ص: 202 ] كذلك زينا لكل أمة عملهم فإن إضافة التزيين إليه قضاء وقدرا ، وإلى الشيطان تسببا ، مع أنه تزيينه تعالى عقوبة لهم على ركونهم إلى ما زينه الشيطان لهم ، فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها ، ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها .

والمقصود أن الاحتجاج بالقدر مناف للتوبة ، وليس هو من الاعتذار في شيء ، وفي بعض الآثار " إن العبد إذا أذنب ، فقال : يا رب ، هذا قضاؤك ، وأنت قدرت علي ، وأنت حكمت علي ، وأنت كتبت علي ، يقول الله عز وجل : وأنت عملت ، وأنت كسبت ، وأنت أردت واجتهدت ، وأنا أعاقبك عليه ، وإذا قال : يا رب ، أنا ظلمت ، وأنا أخطأت ، وأنا اعتديت ، وأنا فعلت ، يقول الله عز وجل : وأنا قدرت عليك وقضيت وكتبت ، وأنا أغفر لك ، وإذا عمل حسنة ، فقال : يا رب أنا عملتها ، وأنا تصدقت ، وأنا صليت ، وأنا أطعمت ، يقول الله عز وجل : وأنا أعنتك ، وأنا وفقتك ، وإذا قال : يا رب أنت أعنتني ووفقتني ، وأنت مننت علي ، يقول الله : وأنت عملتها ، وأنت أردتها ، وأنت كسبتها " .

فالاعتذار اعتذاران : اعتذار ينافي الاعتراف ، فذلك مناف للتوبة ، واعتذار يقرر الاعتراف ، فذلك من تمام التوبة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث