الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                قال البخاري - رحمه الله - :

                                590 615 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) .

                                التالي السابق


                                فقوله : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ) . يعني : لو يعلمون ما [ ص: 480 ] فيهما من الفضل والثواب ، ثم لم يجدوا الوصول إليهما إلا بالاستهام عليهما - ومعناه : الإقراع - لاستهموا عليهما تنافسا فيهما ومشاحة في تحصيل فضلهما وأجرهما .

                                وهذا مما استدل به من يرى الترجيح عند التنافس في الأذان بالقرعة ، كما سبق .

                                وقد قيل : إن الضمير في قوله : ( لاستهموا عليه ) يعود إلى الصف الأول ؛ لأنه أقرب المذكورين ، ولم يقل : ( عليهما ) .

                                والأظهر : أنه يعود إلى النداء والصف الأول ، كقوله تعالى : والله ورسوله أحق أن يرضوه

                                وقد دل الحديث على القرعة في التنافس في الصف الأول إذا استبق إليه اثنان وضاق عنهما وتشاحا فيه ، فإنه يقرع بينهما .

                                وهذا مع تساويهما في الصفات ، فإن كان أحدهما أفضل من الآخر توجه أن يقدم الأفضل بغير قرعة ، عملا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ) .

                                خرجه مسلم من حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي مسعود الأنصاري ، كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم .

                                وقد ذكر أصحابنا : أنه لو قدم بميتين إلى مكان مسبل من مقبرة مسبلة في آن واحد ، فإن كان لأحدهما هناك ميزة من أهل مدفونين عنده أو نحو ذلك قدم ، وإن استويا أقرع بينهما ، ولو دفن اثنان في قبر ، واستويا في الصفات أقرع بينهما ، فقدم إلى القبلة من خرجت له القرعة .

                                [ ص: 481 ] وفعله معاذ بن جبل - رضي الله عنه - بامرأتين له ، دفنهما في قبر .

                                وأما إن كان ثبت لأحدهما حق التقدم في الصف ، فليس لأحد أن يدفعه عنه ، ولو كان أفضل منه ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقيم الرجل [ الرجل ] من مجلسه فيجلس فيه ، ولكن تفسحوا وتوسعوا ) .

                                فإن كان السابق إلى الصف غلاما لم يبلغ الحلم جاز تأخيره .

                                فعله أبي بن كعب بقيس بن عبادة ، وصرح به أصحابنا ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ، وقول سفيان .

                                وكذلك إن قدم رجل عبدا له إلى الصف ثم جاء ، فله أن يؤخره ويجلس مكانه .

                                وإما إن تأخر السابق باختياره ، فهل يكره ، أم لا ؟ فيه قولان ، مبنيان على جواز الإيثار بالقرب .

                                وظاهر كلام الإمام أحمد كراهته ، حتى في حق الابن مع أبيه ، وحكي عنه جوازه - أيضا .

                                وعلى القول بالجواز ، فلو قام من مكانه إيثارا لرجل ، فسبق إليه غير المؤثر ، فهل يستحقه ؟ فيه وجهان :

                                أحدهما : يستحقه ؛ لأن المؤثر سقط حقه بزواله عنه .

                                والثاني : لا ، وهو أصح ؛ لأن من كان أحق بمكانه ، فله أن يجلس به بنفسه ، ويؤثر به غيره .

                                وبهذا فسره الإمام أحمد ، واستحسن أبو عبيد ذلك منه .

                                وإنما يسقط حقه إذا قام معرضا عنه ؛ ولهذا لو قام لحاجة ثم عاد فهو أحق بمجلسه ، فكذا إذا قام لإيثار غيره .

                                [ ص: 482 ] وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو يعلمون ما في النداء والصف الأول ، ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ) - دليل على أن الأذان لا يشرع إعادته مرة بعد مرة ، إلا في أذان الفجر ، كما جاءت السنة به ، وإلا فلو شرعت إعادته لما استهموا ، ولأذن واحد بعد واحد .

                                وقد صرح بمثل ذلك بعض أصحابنا ، وقال : مع التزاحم يؤذن واحد بعد واحد . وهو مخالف للسنة .

                                وروي عن عمر : أنه اختصم إليه ثلاثة في الأذان ، فقضى لأحدهم بالفجر ، وللثاني بالظهر والعصر ، وللثالث بالمغرب والعشاء .

                                وقد قيل : إن أبا بكر الخلال خرجه بإسناده ، ولم أقف إلى الآن عليه .

                                ولو قيل : إنه يؤذن المتشاحون جملة - لم يبعد .

                                وقد نص أحمد على أنه لو أذن على المنارة عدة فلا بأس .

                                وقال القاضي أبو يعلى وأصحابه - متابعة للشافعي وأصحابه - : يستحب أن يقتصر على مؤذنين ، ولا يستحب أن يزيد على أربعة .

                                ثم قالوا : إن كان المسجد صغيرا أذن واحد منهم بعد واحد ، وإن كان كبيرا أذنوا جملة ؛ لأنه أبلغ في التبليغ والإعلام .

                                وقال أصحاب الشافعي : إذا ضاق الوقت والمسجد كبير أذنوا في أقطاره ، وإن كان صغيرا أذنوا معا ، إلا أن تختلف أصواتهم فيؤذن واحد .

                                واستدلوا بأذان بلال وابن أم مكتوم ، وذاك إنما كان في الفجر خاصة ، ولا يعرف في غير الفجر ، إلا في الجمعة من حين زاد عثمان النداء الثالث على الزوراء .

                                [ ص: 483 ] وحمل ابن حبيب المالكي الاستهام على الأذان على الوقت المضيق كالجمعة والمغرب .

                                يشير إلى أنه في الأوقات المتسعة أن يؤذن واحد بعد واحد .

                                وقال حرب : قلت لأحمد : فالأذان يوم الجمعة ؟ [ قال ] : إذا أذن على المنارة عدة فلا بأس بذلك ؛ قد كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلال وابن أم مكتوم ، وجاء أبو محذورة وقد أذن رجل قبله فأذن أبو محذورة - أيضا .

                                وهذا النص يشعر بأنه يجوز أن يؤذن واحد بعد واحد في غير الفجر ، وهذا محمول على جوازه إذا وقع أحيانا ، لا أنه يستحب المداومة عليه ، وأما أذان بلال وابن [ أم ] مكتوم فكان في الفجر ، ولم يؤذنا جملة ، فلا يدل على الاجتماع على الأذان بحال .

                                وقد علل النبي - صلى الله عليه وسلم - أذان بلال ، فقال : ( ليرجع قائمكم ، ويوقظ نائمكم ) .

                                وهذا المعنى لا يوجد في غير صلاة الصبح ، ولا روي في غير الصبح أنه أذن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين .

                                وفي ( الصحيحين ) عن ابن عمر : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد واحد مؤذنان : بلال وابن أم مكتوم .

                                وهذا يستدل به على أنه يستحب نصب مؤذنين للمسجد خشية أن يغيب أحدهما فيؤذن الآخر ؛ لئلا يتعطل الأذان مع غيبته .

                                [ ص: 484 ] والذي ذكر الإمام أحمد ، خرجه ابن أبي شيبة : ثنا حفص ، عن الشيباني ، عن عبد العزيز بن رفيع ، قال : رأيت أبا محذورة جاء وقد أذن إنسان ، فأذن هو وأقام .

                                وهذا فعله أبو محذورة مرة ؛ لافتئات غيره عليه بأذانه قبله ، ولم يكن مع أبي محذورة مؤذن راتب غيره بمكة .

                                قال ابن أبي شيبة : ثنا يزيد بن هارون ، عن حجاج ، عن شيخ من المدينة ، عن بعض بني مؤذني النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كان ابن أم مكتوم يؤذن ، ويقيم بلال ، وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم .

                                إسناد ضعيف .

                                ولو صح لكان دليلا على أنهما لم يكونا يجتمعان في أذان واحد في غير صلاة الفجر .

                                وروى وكيع في ( كتابه ) ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر : كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين : بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم ، فإذا غاب واحد أذن الآخر . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد هممت أن أجعل المؤذنين ستة ) . قال : فإذا أقيمت الصلاة اشتدوا في الطرق ، فآذنوا الناس بالصلاة .

                                هذا مرسل ضعيف ؛ فإن جابرا هو الجعفي .

                                وأبو محذورة لم يكن يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة .

                                وقد خرجه البيهقي ، عن الحاكم ، عن أبي بكر بن إسحاق ، عن العباس بن الفضل الأسفاطي ، عن أبي بكر بن أبي شيبة : ثنا يحيى ، عن إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين : بلال ، وأبو محذورة ، وابن أم مكتوم .

                                [ ص: 485 ] وقال : قال أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - : هو صحيح .

                                وليس كما قال ابن إسحاق .

                                هذا في كتاب ابن أبي شيبة ( المصنف ) .

                                والصحيح : حديث وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي - مرسلا .

                                وروى الإمام أحمد ، ثنا إسماعيل ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤذنان : بلال وعمرو بن أم مكتوم .

                                وهذه الرواية أصح .

                                وخرج الدارقطني من رواية أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن جدهم سعد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( يا سعد ، إذا لم تر بلالا معي فأذن ) .

                                وفي إسناده ضعف .

                                وفي الحديث دليل على شرف الأذان وفضله ، واستحباب المنافسة فيه لأكابر الناس وأعيانهم ، وأنه لا يوكل إلى أسقاط الناس وسفلتهم ، وقد كان الأكابر ينافسون فيه .

                                قال قيس بن أبي حازم : قال عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت .

                                وقال عبد الله بن الحسن : قال ابن أبي طالب : ما آسى على شيء ، إلا أني كنت وددت أني كنت سألت للحسن والحسين الأذان .

                                [ ص: 486 ] وعن سعد بن أبي وقاص ، قال : لأن أقوى على الأذان أحب إلي من أن أحج وأعتمر وأجاهد .

                                وعن عمر وابن مسعود - معناه .

                                وعن ابن الزبير ، قال : وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطانا النداء .

                                وقال النخعي : كانوا يستحبون أن يكون مؤذنيهم فقهاؤهم ؛ لأنهم ولوا أمر دينهم .

                                وقال الحسن : قال عمر : لا يستحي رجل أن يكون مؤذنا .

                                وقال زاذان : لو يعلم الناس ما في فضل الأذان لاضطربوا عليه بالسيوف .

                                وقال شبيل بن عوف ، قال عمر : من مؤذنوكم ؟ قلنا : عبيدنا وموالينا . قال : إن ذلك لنقص بكم كبير .

                                وروى قيس بن أبي حازم ، عن عمر - مثله - قال : وقال : لو أطقت الأذان مع الخليفى لأذنت .

                                وقال يحيى بن أبي كثير : حدثت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو علم الناس ما في الأذان لتحاروه ) . قال : وكان يقال : ابتدروا الأذان ، ولا تبدروا الإمامة .

                                وقال حماد بن سلمة : أبنا أبو غالب ، قال : سمعت أبا أمامة يقول : [ ص: 487 ] المؤذنون أمناء للمسلمين ، والأئمة ضمناء . قال : والأذان أحب إلي من الإمامة .

                                خرجه البيهقي .

                                وممن رأى الأذان أفضل من الإمامة - الشافعي ، في أصح قوليه ، نص عليه في ( الأم ) ، وعلى كراهة الإمامة ؛ لما فيها من الضمان .

                                وهو - أيضا - أصح الروايتين عن أحمد .

                                وروى أبو حمزة السكري ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين ) . قالوا : يا رسول الله ، تركتنا نتنافس في الأذان ، فقال : ( إن من بعدكم زمانا سفلتهم مؤذنوهم ) .

                                خرجه البزار .

                                وقال : لم يتابع عليه أبو حمزة .

                                يعني : على الزيادة التي آخره ؛ فإن أول الحديث معروف بهذا الإسناد ، خرجه أبو داود والترمذي وغيرهما .

                                وقال الدارقطني : هذه الألفاظ ليست محفوظة .

                                قلت : وقد رويت بإسناد ضعيف ، عن يحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش - أيضا .

                                ذكره ابن عدي .

                                وفي إسناد الحديث اختلاف كثير ، وقد روي موقوفا على أبي هريرة .

                                [ ص: 488 ] قال الشافعي في ( الأم ) : أحب الأذان ؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اغفر للمؤذنين ) ، وأكره الإمامة للضمان ، وما على الإمام فيها .

                                واستدل من رجح الإمامة - وهو أحد قولي الشافعي ، وحكي رواية عن أحمد - : بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده كانوا يتولون الإمامة دون الأذان .

                                وأجيب عن ذلك بأنهم كانوا مشتغلين عن الأذان بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم ، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته ؛ ولهذا قال عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت .

                                والخليفى : الخلافة .

                                وأما الإمامة ، فلم يكن لهم بد من صلاة وهم أئمة الناس في أمور دينهم ودنياهم ، فلذلك تقلدوا الإمامة ، ومن قدر على الجمع بين المرتبتين لم يكره له ذلك ، بل هو أفضل ، وكلام عمر يدل عليه ، وكان ابن عمر يفعل ذلك .

                                وقال مصعب بن سعد : هو من السنة .

                                وللشافعية وجه بكراهة الجمع .

                                وفي النهي عن الجمع حديث مرفوع : خرجه البيهقي وغيره ، وهو غير صحيح .

                                وقال الماوردي منهم : للإنسان في الأذان والإمامة أربعة أحوال : حال يمكنه القيام بهما والفراغ لهما ، فالأصل أن يجمع بينهما . وحال يعجز عن الإمامة لقلة علمه وضعف قراءته ، ويقدر على الأذان لعلو صوته ومعرفته بالأوقات ، فالانفراد له بالأذان أفضل . وحال يعجز فيه عن الأذان لضعف صوته [ ص: 489 ] وقلة إبلاغه ، ويكون قيما بالإمامة لمعرفته بأحكام الصلاة وحسن قراءته ، فالإمامة له أفضل . وحال يقدر على كل واحد منهما ويصلح له ، ولا يمكنه الجمع بينهما ، فأيهما أفضل ؟ فيه وجهان .



                                الخدمات العلمية