الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " الم الله لا إله إلا هو "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 147 ] [ ص: 148 ] [ ص: 149 ] بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر

أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد : القول في تأويل قوله ( الم الله لا إله إلا هو ( 1 ) )

قال أبو جعفر : قد أتينا على البيان عن معنى قوله : " الم " فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وكذلك البيان عن قوله : " الله " .

وأما معنى قوله : " لا إله إلا هو " فإنه خبر من الله - جل وعز - أخبر عباده أن الألوهية خاصة به دون ما سواه من الآلهة والأنداد ، وأن العبادة لا تصلح ولا تجوز إلا له لانفراده بالربوبية ، وتوحده بالألوهية ، وأن كل ما دونه فملكه ، وأن كل ما سواه فخلقه ، لا شريك له في سلطانه وملكه احتجاجا منه - تعالى ذكره - عليهم بأن ذلك إذ كان كذلك ، فغير جائزة لهم عبادة غيره ، ولا إشراك أحد معه في سلطانه ، إذ كان كل معبود سواه فملكه ، وكل معظم غيره فخلقه ، وعلى المملوك إفراد الطاعة لمالكه ، وصرف خدمته إلى مولاه ورازقه [ ص: 150 ] ومعرفا من كان من خلقه - يوم أنزل ذلك إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بتنزيله ذلك إليه ، وإرساله به إليهم على لسانه صلوات الله عليه وسلامه - مقيما على عبادة وثن أو صنم أو شمس أو قمر أو إنسي أو ملك أو غير ذلك من الأشياء التي كانت بنو آدم مقيمة على عبادته وإلاهته ، ومتخذه دون مالكه وخالقه إلها وربا أنه مقيم على ضلالة ، ومنعدل عن المحجة ، وراكب غير السبيل المستقيمة ، بصرفه العبادة إلى غيره ، ولا أحد له الألوهية غيره .

قال أبو جعفر : وقد ذكر أن هذه السورة ابتدأ الله بتنزيله فاتحتها بالذي ابتدأ به : من نفي " الألوهية " أن تكون لغيره ، ووصفه نفسه بالذي وصفها به في ابتدائها ؛ احتجاجا منه بذلك على طائفة من النصارى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نجران فحاجوه في عيسى - صلوات الله عليه - وألحدوا في الله . فأنزل الله - عز وجل - في أمرهم وأمر عيسى من هذه السورة نيفا وثمانين آية من أولها ، احتجاجا عليهم وعلى من كان على مثل مقالتهم لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فأبوا إلا المقام على [ ص: 151 ] ضلالتهم وكفرهم ، فدعاهم إلى المباهلة ، فأبوا ذلك ، وسألوا قبول الجزية منهم ، فقبلها - صلى الله عليه وسلم - منهم ، وانصرفوا إلى بلادهم .

غير أن الأمر - وإن كان كذلك وإياهم قصد بالحجاج - فإن من كان معناه من سائر الخلق معناهم في الكفر بالله ، واتخاذ ما سوى الله ربا وإلها ومعبودا معمومون بالحجة التي حج الله تبارك وتعالى بها من نزلت هذه الآيات فيه ، ومحجوجون في الفرقان الذي فرق به لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبينهم .

ذكر الرواية عمن ذكرنا قوله في نزول افتتاح هذه السورة أنه نزل في الذين وصفنا صفتهم من النصارى : -

6543 - حدثنا محمد بن حميد قال : حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر قال : قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد نجران : ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم : " العاقب " أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم ، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، واسمه " عبد المسيح " و " السيد " ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم ، واسمه " الأيهم " وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم . وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم ، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه ، وبنوا له الكنائس ، وبسطوا عليه الكرامات ؛ لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم . [ ص: 152 ] قال ابن إسحاق قال محمد بن جعفر بن الزبير : قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فدخلوا عليه في مسجده حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية ، في [ جمال رجال ] بلحارث بن كعب قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم ! وقد حانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " دعوهم ، فصلوا إلى المشرق .

قال : وكانت تسمية الأربعة عشر منهم الذين يئول إليهم أمرهم : " العاقب " وهو " عبد المسيح " والسيد ، وهو " الأيهم " " وأبو حارثة بن علقمة " أخو بكر بن وائل ، وأوس ، والحارث ، وزيد ، وقيس ، ويزيد ، ونبيه ، وخويلد ، وعمرو ، وخالد ، وعبد الله . ويحنس : في ستين راكبا . فكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم : " أبو حارثة بن علقمة " ، و " العاقب " عبد المسيح ، و " الأيهم " السيد ، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم . يقولون : " هو الله " ويقولون : " هو ولد الله " ويقولون : " هو ثالث ثلاثة " وكذلك قول النصرانية .

فهم يحتجون في قولهم : " هو الله " بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا ، وذلك كله بإذن الله ؛ ليجعله آية للناس . [ ص: 153 ]

ويحتجون في قولهم : " إنه ولد الله " أنهم يقولون : " لم يكن له أب يعلم ، وقد تكلم في المهد ، شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله " .

ويحتجون في قولهم : " إنه ثالث ثلاثة " بقول الله - عز وجل - : " فعلنا ، وأمرنا ، وخلقنا ، وقضينا " . فيقولون : " لو كان واحدا ما قال : إلا " فعلت ، وأمرت وقضيت ، وخلقت " ولكنه هو وعيسى ومريم " .

ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن ، وذكر الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فيه قولهم .

فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أسلما . قالا : قد أسلمنا . قال : إنكما لم تسلما ، فأسلما . قالا : بلى قد أسلمنا قبلك . قال : كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله - عز وجل - ولدا ، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير . قالا : فمن أبوه يا محمد ؟ فصمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهما فلم يجبهما ، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر " سورة آل عمران " إلى بضع وثمانين آية منها . فقال : " الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم "
، فافتتح السورة بتبرئته نفسه تبارك وتعالى مما قالوا ، وتوحيده إياها بالخلق والأمر ، لا شريك له فيه ردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر ، وجعلوا معه من الأنداد واحتجاجا عليهم بقولهم في صاحبهم ؛ ليعرفهم بذلك ضلالتهم ، فقال : " الله لا إله إلا هو " أي : ليس معه شريك في أمره . [ ص: 154 ]

6544 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم " قال : إن النصارى أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له : من أبوه ؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان - لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولدا - فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ؟ قالوا : بلى . قال : فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا : لا . قال : أفلستم تعلمون أن الله - عز وجل - لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ؟ قالوا : بلى . قال : فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم ؟ قالوا : لا . قال : فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون ذلك ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غذي كما يغذى الصبي ، ثم كان يطعم الطعام ، ويشرب الشراب ويحدث الحدث ؟ قالوا بلى . قال : فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ قال : فعرفوا ، ثم أبوا إلا جحودا ، فأنزل الله - عز وجل - : " الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم "

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث