الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر وقعة الجنيد بالشعب

في هذه السنة خرج الجنيد غازيا يريد طخارستان ، فوجه عمارة بن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا ، ووجه إبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف إلى وجه آخر ، وجاشت الترك فأتوا سمرقند وعليها سورة بن الحر ، فكتب سورة إلى الجنيد : إن خاقان جاش الترك ، فخرجت إليهم فلم أطق [ أن ] أمنع حائط سمرقند ، فالغوث الغوث !

فأمر الجنيد الناس بعبور النهر ، فقام إليه المجشر بن مزاحم السلمي وابن بسطام الأزدي وغيرهما وقالوا : إن الترك ليسوا كغيرهم لا يلقونك صفا ولا زحفا وقد فرقت جندك ، فمسلم بن عبد الرحمن بالبيروذ ، والبختري بهراة ، وعمارة بن حريم غائب بطخارستان ، وصاحب خراسان لا يعبر النهر في أقل من خمسين ألفا ، فاكتب إلى عمارة [ ص: 201 ] فليأتك وأمهل ولا تعجل .

قال : فكيف بسورة ومن معه من المسلمين ؟ لو لم أكن إلا في بني مرة أو من طلع معي من الشام لعبرت ، وقال شعرا :

أليس أحق الناس أن يشهد الوغى وأن يقتل الأبطال ضخما على ضخم

وقال :

ما علتي ما علتي ما علتي     إن لم أقتلهم فجزوا لمتي


وعبر الجنيد فنزل كش وتأهب للمسير ، وبلغ الترك فعوروا الآبار التي في طريق كش ، فقال الجنيد : أي طريق إلى سمرقند أصلح ؟ فقالوا : طريق المحترقة . فقال المجشر : القتل بالسيف أصلح من القتل بالنار ، طريق المحترقة كثير الشجر والحشيش ولم يزرع منذ سنين ، فإن لقينا خاقان أحرق ذلك كله فقتلنا بالنار والدخان ، ولكن خذ طريق العقبة فهو بيننا وبينهم سواء . فأخذ الجنيد طريق العقبة فارتقى في الجبل ، فأخذ المجشر بعنان دابته وقال : إنه كان يقال إن رجلا مترفا من قيس يهلك على يديه جند من جنود خراسان وقد خفنا أن تكونه . قال : ليفرخ روعك . قال : أما ما كان بيننا مثلك فلا . فبات في أصل العقبة ، ثم سار بالناس حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ ودخل الشعب ، فصبحه خاقان في جمع عظيم ، وزحف إليه أهل الصغد وفرغانة والشاش وطائفة من الترك ، فحمل خاقان على المقدمة ، وعليها عثمان بن عبد الله بن الشخير ، فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم وجاءوهم من كل وجه ، فجعل الجنيد تميما والأزد في الميمنة ، وربيعة في الميسرة مما يلي الجبل ، وعلى مجففة خيل بني تميم عبيد الله بن زهير بن حيان ، وعلى المجردة عمرو بن جرقاش المنقري ، وعلى جماعة بني تميم عامر بن مالك الحماني ، وعلى الأزد عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو ، وعلى المجففة والمجردة فضيل بن هناد وعبد الله بن حوذان .

فالتقوا ، وقصد العدو الميمنة لضيق الميسرة ، فترجل حسان بن عبيد الله بن زهير بين يدي أبيه ، فأمره أبوه بالركوب ، فركب ، وأحاط العدو بالميمنة ، فأمدهم الجنيد بنصر بن سيار ، فشد هو ومن معه على العدو فكشفوهم ، ثم كروا عليهم وقتلوا عبيد الله بن زهير وابن جرقاش والفضيل بن هناد ، وجالت الميمنة والجنيد واقف في القلب ، فأقبل إلى الميمنة ووقف تحت راية الأزد ، وكان قد جفاهم ، فقال له صاحب [ ص: 202 ] الراية : ما هلكنا لتكرمنا ، ولكنك علمت أنه لا يوصل إليك ومنا رجل حي ، فإن ظفرنا كان لك ، وإن هلكنا لم تبك علينا . وتقدم فقتل ، وأخذ الراية ابن مجاعة فقتل ، وتداولها ثمانية عشر رجلا فقتلوا ، وقتل يومئذ من الأزد ثمانون رجلا .

وصبر الناس يقاتلون حتى أعيوا ، فكانت السيوف لا تقطع شيئا ، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به حتى مل الفريقان ، فكانت المعانقة ثم تحاجزوا .

وقتل من الأزد عبد الله بن بسطام ، ومحمد بن عبد الله بن حوذان ، والحسن بن شيخ ، والفضيل صاحب الخيل ، ويزيد بن الفضل الحداني ، وكان قد حج فأنفق في حجته ثمانين ومائة ألف ، وقال لأمه : ادعي الله أن يرزقني الشهادة ، فدعت له وغشي عليها ، فاستشهد بعد مقدمه من الحج بثلاثة عشر يوما ، وقتل النضر بن راشد العبدي ، وكان قد دخل على امرأته والناس يقتتلون فقال لها : كيف أنت إذا أتيت بأبي ضمرة في لبد مضرجا بالدم ؟ فشقت جيبها ودعت بالويل ، فقال لها : حسبك ، لو أعولت علي كل أنثى لعصيتها شوقا إلى ( الحور العين ! فرجع وقاتل حتى استشهد ، رحمه الله .

فبينا الناس كذلك إذ أقبل ) رهج وطلعت فرسان ، فنادى منادي الجنيد : الأرض الأرض ! فترجل وترجل الناس ، ثم نادى : ليخندق كل قائد على حياله ، فخندقوا وتحاجزوا ، وقد أصيب من الأزد مائة وتسعون رجلا .

وكان قتالهم يوم الجمعة ، فلما كان يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر فلم ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر بن وائل ، وعليهم زياد بن الحارث ، فقصدهم ، فلما قربوا حملت بكر عليهم فأفرجوا لهم ، فسجد الجنيد واشتد القتال بينهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث