الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقدار الواجب في صدقة الفطر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

والواجب في الفطرة صاع من البر أو الشعير ، أو دقيقهما وسويقهما ، والتمر والزبيب ، ومن الأقط في إحدى الروايتين ، ولا يجزئ غير ذلك إلا أن يعدمه فيخرج مما يقتات عند ابن حامد ، وعند أبي بكر يخرج ما يقوم مقام المنصوص ، ولا يخرج حبا معيبا ولا خبزا ، ويجزئ إخراج صاع من أجناس ، وأفضل المخرج التمر ، ثم ما هو أنفع للفقراء بعده ، ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد ، والواحد ما يلزم الجماعة .

التالي السابق


فصل

( والواجب في الفطرة صاع ) بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدل القامة ، وحكمته كفاية الصاع للفقير في أيام العيد ( من البر أو الشعير ) إجماعا ( أو دقيقهما وسويقهما والتمر والزبيب ) إجماعا ( ومن الأقط ) وهي شيء يعمل من اللبن المخيض ، وقيل : من الإبل فقط ( في إحدى الروايتين ) هذا المذهب جزم به أكثر الأصحاب لما روى أبو سعيد الخدري قال : " كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من زبيب ، أو صاعا من أقط " متفق عليه . وصريحه [ ص: 395 ] إجزاء الدقيق ؛ وهو الطحين ، والسويق ؛ وهو قمح أو شعير يقلى ثم يطحن ، نص عليه ، واحتج بزيادة انفرد بها ابن عيينة من حديث أبي سعيد : " أو صاعا من دقيق " قيل لابن عيينة : إن أحدا لا يذكره فيه ، قال : بل هو فيه ، رواه الدارقطني . قال المجد : بل أولى بالإجزاء ، لأنه كفي مؤنته ، كتمر نزع حبه ، ويعتبر صاعه بوزن حبه ، نص عليه ، ليفرق الأجزاء بالطحن ، وظاهره يجزئ بلا محل ، وفيه وجه ، كما لا يكمل تمر بنواه المنزوع ، وعنه : لا يجزئ فيهما ، اختاره صاحب " الإرشاد " ، و " المحرر " في السويق ؛ لأن الزيادة أنكرت على سفيان فتركها ، وفي كلام المؤلف نظر ؛ لأنه لو قد ذكر التمر والزبيب والأقط لرجع الخلاف إلى ذلك ، والثانية : لا يجزئ الأقط ، اختاره أبو بكر ؛ لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة ، فلا يجزئ ، وإن وجد غيره ، وخصصه الخرقي بأهل البادية نظرا إلى الغالب ، فعلى الأول هو أصل بنفسه ؛ وهو طريق الأكثر ، وفي اللبن غير المخيض والجبن أوجه ثالثها : يجزئ اللبن فقط ، ورابعها : يجزئان مع عدم الأقط ، ويحتمل أنه يجزئ الجبن لا اللبن وحده ؛ لأنه بلغ حالة الادخار ، وظاهره أنه لا يجزئ نصف صاع من بر ، نص عليه ، لحديث أبي هريرة : " أو صاع من قمح " وهو من رواية سفيان بن حسين عن الزهري ، وليس بالقوي ، واختار الشيخ تقي الدين الإجزاء ، وأنه قياس المذهب في الكفارة ، ويقتضيها ، نقله الأثرم ، وفيه شيء ؛ لأن في رواية الأثرم : " صاع من كل شيء " ولأحمد وغيره من حديث الحسن عن ابن عباس : " نصف صاع من بر " وفيه مقال ، لأن الحسن لم يسمع منه ، قاله ابن المديني وابن معين ( ولا يجزئ غير ذلك ) [ ص: 396 ] أي الأصناف المذكورة مع قدرته على تحصيلها كالدبس ، والمصل ، وقيل : يجزئ كل مكيل مطعوم ، واختار الشيخ تقي الدين : يجزئ قوت بلده مثل الأرز ، ونحوه ، وأنه قول أكثر العلماء ؛ لقوله تعالى : من أوسط ما تطعمون أهليكم [ المائدة : 89 ] وجزم به ابن رزين ، ( إلا أن يعدمه فيخرج مما يقتات عند ابن حامد ) كلحم ولبن ، وقيل : لا يعدل عنهما ؛ لأن المقصود من المنصوص عليها الاقتيات ، وحصول الغنى عن الطلب ؛ وهو حاصل بذلك ، ( وعند أبي بكر ) وهو أشبه بكلام أحمد ، وظاهر الخرقي ، وقدمه الشيخان في " الكافي " ، و " المحرر " ، وجزم به في الوجيز ، ( يخرج ) صاعا ( مما يقوم مقام المنصوص ) من كل حبة كذرة ودخن أو ثمر يقتات كتين يابس ونحوه ، ولأنها أشبه بالمنصوص عليها ، فكانت أولى ، زاد بعضهم : بالبلد غالبا ، وقيل : يجزئ ما يقوم مقامها ، وإن لم يكن مكيلا ، ولا يخرج حبا معيبا كمسوس ومبلول ؛ لقوله تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون [ البقرة : 267 ] ولأن السوس يأكل جوفه ، والبلل ينفخه ، والمخرج بصاع منه ليس هو الواجب شرعا ، وإن خالط الجيد ما يجزئ ، فإن كثر لم يجزئه ، وإن قل زاد بقدر ما يكون المصفى صاعا ؛ لأنه ليس عيبا لقلة مشقة تنقيته ، قال : أحب تنقية الطعام ، وحكاه عن ابن سيرين ليكون أكمل ( ولا خبزا ) ؛ لأنه خرج عن الكيل والادخار ، وفيه شبه بإخراج القيمة ، وقال ابن عقيل : يجزئ ، ( ويجزئ إخراج صاع من أجناس ) نص عليه ؛ لأن كلا منها يجوز منفردا ، وكذا مع غيره لتفاوت مقصودها أو اتحاده ، وقاسه في " المغني " ، و " الشرح " على فطرة عبد مشترك إذا أخرج كل واحد من جنس ، وفي " الفروع " يتوجه [ ص: 397 ] تخريج في الكفارة ، لا تجزئ لظاهر الأخبار إلا أن يقول بالقيمة ( وأفضل المخرج التمر ) مطلقا ، نص عليه ؛ لفعل ابن عمر . رواه البخاري ، وقال له أبو مجلز : إن الله قد أوسع ، والبر أفضل ، فقال : إن أصحابي سلكوا طريقا ، فأنا أحب أن أسلكه . رواه أحمد ، واحتج به ، ولأنه قوت وحلاوة ، وأقرب تناولا ، وأقل كلفة ، ولا عبرة بموزونه ، بل يحتاط في الثقيل ليسقط الفرض ( ثم ما هو أنفع للفقراء بعده ) إذ القصد الاقتيات ، وحصول الإغناء به عن الطلب ، لكن جزم في " المغني " ، و " الشرح " ، و " الوجيز " أن الأفضل بعد التمر البر ، فيحتمل أن يكون مرادا هنا ؛ لأن الاعتماد في تفضيل التمر اتباع الصحابة وسلوك طريقتهم ، ولهذا قال أبو مجلز : والبر أفضل ، وأقره عليه ؛ لأنه أنفع في الاقتيات ، وأبلغ في دفع حاجة الفقير ، وقيل : الزبيب جزم به أبو الخطاب ، وعزاه ابن المنجا للأصحاب ؛ لمشاركته له في القوت والحلاوة ، وفي " المحرر " : أفضلها التمر ثم الزبيب ثم البر ثم الشعير ثم الأقط ، وعنه : الأقط أفضل لأهل البادية إن كان قوتهم ، وقيل : ما كان أغلى قيمة ، وأكثر نفعا ، ( ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد ) لا نعلم فيه خلافا ، إذا أعطى من كل صنف ثلاثة ؛ لأنه دفع الصدقة إلى مستحقها ، ( والواحد ما يلزم الجماعة ) نص عليه ، لأنها صدقة لغير معين ، فجاز صرفها إلى واحد كالزكاة ، والأفضل أن لا ينقص الواحد عن مد بر أو نصف صاع من غيره ، وعنه : الأفضل تفرقة الصاع ، جزم به جماعة للخروج من الخلاف ، وعنه : الأفضل أن لا ينقص الواحد عن صاع للمشقة ، ويصرف في أصناف الزكاة لا في غيرهم ، وفي " الفنون " [ ص: 398 ] عن بعض أصحابنا : تدفع إلى من لا يجد ما يلزمه ، وقال الشيخ تقي الدين : لا تدفع إلا لمن يستحق الكفارة ؛ وهو من يأخذ لحاجته ، لا في المؤلفة والرقاب ، وغير ذلك .

فرع : إذا دفعها إلى مستحقها ، فردها إليه عن نفسه ، أو جمعت عند الإمام فقسمها على أهل السهمان ، فعاد إلى إنسان ذلك ، جاز أشبه ما لو عادت إليه بميراث ، وقال أبو بكر : مذهب أحمد أنه لا يحل له أخذها ؛ لأنها طهرة ، فلم يجز له أخذها لسواها ، لحديث عمر - رضي الله عنه - .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث