الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب إنا فتحنا لك فتحا مبينا

4553 حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب ثكلت أم عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك قال عمر فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فقلت لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ إنا فتحنا لك فتحا مبينا

التالي السابق


قوله : ( سورة الفتح . بسم الله الرحمن الرحيم ) سقطت البسملة لغير أبي ذر .

قوله : ( وقال مجاهد : بورا : هالكين ) وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا ، وسقط لغير أبي ذر ، وقال : أبو عبيدة : ويقال بار الطعام أي هلك ، ومنه قول عبد الله بن الزبعرى :


يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور

أي هالك .

قوله : سيماهم في وجوههم : السحنة وفي رواية المستملي والكشميهني والقابسي " السجدة " والأول أولى ، فقد وصله ابن أبي حاتم من طريق الحاكم عن مجاهد كذلك ، والسحنة بالسين وسكون الحاء المهملتين وقيده ابن السكن والأصيلي بفتحهما قال : عياض وهو الصواب عند أهل اللغة ، وهو لين البشرة والنعمة ، وقيل الهيئة ، وقيل الحال انتهى . وجزم ابن قتيبة بفتح الحاء أيضا وأنكر السكون وقد أثبته الكسائي والفراء . وقال : العكبري : السحنة [ ص: 446 ] بفتح أوله وسكون ثانيه لون الوجه . ولرواية المستملي ومن وافقه توجيه لأنه يريد بالسجدة أثرها في الوجه يقال لأثر السجود في الوجه سجدة وسجادة ، ووقع في رواية النسفي " المسحة " .

قوله : ( وقال منصور عن مجاهد : التواضع ) وصله علي بن المديني عن جرير عن منصور ، ورويناه في " الزهد " لابن المبارك وفي " تفسير عبد بن حميد " وابن أبي حاتم عن سفيان وزائدة كلاهما عن منصور عن مجاهد قال : هو الخشوع ، زاد في رواية زائدة " قلت ما كنت أراه إلا هذا الأثر الذي في الوجه ، فقال : ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون " .

قوله : ( شطأه : فراخه ، فاستغلظ : غلظ ، سوقه : الساق حاملة الشجرة ) قال : أبو عبيدة في قوله : كزرع أخرج شطأه أخرج فراخه ، يقال قد أشطأه الزرع فآزره ساواه صار مثل الأم ، فاستغلظ : غلظ ، فاستوى على سوقه : الساق حاملة الشجر . وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : كزرع أخرج شطأه قال : ما يخرج بجنب الحقلة فيتم وينمى ، وبه في قوله : ( على سوقه ) قال : على أصوله .

قوله : ( شطأه شطء السنبل تنبت الحبة عشرا أو ثمانيا وسبعا فيقوى بعضه ببعض فذاك قوله تعالى فآزره : قواه ، ولو كانت واحدة لم تقم على ساق ، وهو مثل ضربه الله للنبي - صلى الله عليه وسلم - إذ خرج وحده ثم قواه بأصحابه كما قوى الحبة بما ينبت منها ) كذا بالنسخ ولم يذكر المؤلف هنا شيئا ، ولعله كان بيض له فترك النساخ .

قوله : ( دائرة السوء كقولك رجل السوء ، ودائرة السوء : العذاب ) هو قول أبي عبيدة قال : المعنى تدور عليهم .

( تنبيه ) : قرأ الجمهور السوء بفتح السين في الموضعين ، وضمها أبو عمرو وابن كثير .

قوله : ( يعزروه : ينصروه ) قال : عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله : ويعزروه قال : ينصروه ، وقد تقدم في الأعراف فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه وهذه ينبغي تفسيرها بالتوقير فرارا من التكرار ، والتعزير يأتي بمعنى التعظيم والإعانة والمنع من الأعداء ، ومن هنا يجيء التعزير بمعنى التأديب لأنه يمنع الجاني من الوقوع في الجناية ، وهذا التفسير على قراءة الجمهور ، وجاء في الشواذ عن ابن عباس " يعززوه " بزاءين من العزة . ثم ذكر في الباب خمسة أحاديث ، الحديث الأول :

[ ص: 447 ] قوله : ( عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر ) هذا السياق صورته الإرسال ، لأن أسلم لم يدرك زمان هذه القصة لكنه محمول على أنه سمعه من عمر بدليل قوله في أثنائه " قال عمر : فحركت بعيري إلخ " وإلى ذلك أشار القابسي ، وقد جاء من طريق أخرى سمعت عمر " أخرجه البزار من طريق محمد بن خالد بن عثمة عن مالك ثم قال : " لا نعلم رواه عن مالك هكذا إلا ابن عثمة وابن غزوان " انتهى . ورواية ابن غزوان - وهو عبد الرحمن أبو نوح المعروف بقراد - قد أخرجها أحمد عنه ، واستدركها مغلطاي على البزار ظانا أنه غير ابن غزوان ، وأورده الدارقطني في " غرائب مالك " من طريق هذين ومن طريق يزيد بن أبي حكيم ومحمد بن حرب وإسحاق الحنيني أيضا ، فهؤلاء خمسة رووه عن مالك بصريح الاتصال ، وقد تقدم في المغازي أن الإسماعيلي أيضا أخرج طريق ابن عثمة ، وكذا أخرجها الترمذي ، وجاء في رواية الطبراني من طريق عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود أن السفر المذكور هو عمرة الحديبية ، وكذا في رواية معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس قال : " لما رجعنا من الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة فنزلت " وسيأتي حديث سهل بن حنيف في ذلك قريبا . واختلف في المكان الذي نزلت فيه فوقع عند محمد بن سعد بضجنان وهي بفتح المعجمة وسكون الجيم ونون خفيفة ، وعند الحاكم في " الإكليل " بكراع الغميم ، وعن أبي معشر بالجحفة ، والأماكن الثلاثة متقاربة .

قوله : ( فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه ) يستفاد منه أنه ليس لكل كلام جواب ، بل السكوت قد يكون جوابا لبعض الكلام . وتكرير عمر السؤال إما لكونه خشي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسمعه أو لأن الأمر الذي كان يسأل عنه كان مهما عنده ، ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أجابه بعد ذلك ، وإنما ترك إجابته أولا لشغله بما كان فيه من نزول الوحي .

قوله : ( ثكلت ) بكسر الكاف ( أم عمر ) في رواية الكشميهني " ثكلتك أم عمر " والثكل فقدان المرأة ولدها ، دعا عمر على نفسه بسبب ما وقع منه من الإلحاح ، ويحتمل أن يكون لم يرد الدعاء على نفسه حقيقة وإنما هي من الألفاظ التي تقال عند الغضب من غير قصد معناها .

قوله : ( نزرت ) بزاي ثم راء بالتخفيف والتثقيل والتخفيف أشهر ، أي ألححت عليه قاله ابن فارس والخطابي ، وقال الداودي : معنى المثقل أقللت كلامه إذا سألته ما لا يجب أن يجيب عنه ، وأبعد من فسر نزرت براجعت .

قوله : ( فما نشبت ) بكسر المعجمة بعدها موحدة ساكنة ، أي لم أتعلق بشيء غير ما ذكرت .

قوله : ( أن سمعت صارخا يصرخ بي ) لم أقف على اسمه .

[ ص: 448 ] قوله : ( لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ) أي لما فيها من البشارة بالمغفرة والفتح ، قال ابن العربي : أطلق المفاضلة بين المنزلة التي أعطيها وبين ما طلعت عليه الشمس ، ومن شرط المفاضلة استواء الشيئين في أصل المعنى ثم يزيد أحدهما على الآخر ، ولا استواء بين تلك المنزلة والدنيا بأسرها . وأجاب ابن بطال بأن معناه أنها أحب إليه من كل شيء لأنه لا شيء إلا الدنيا والآخرة فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر الدنيا إذ لا شيء سواها إلا الآخرة . وأجاب ابن العربي بما حاصله : أن أفعل قد لا يراد بها المفاضلة كقوله : خير مستقرا وأحسن مقيلا ولا مفاضلة بين الجنة والنار ، أو الخطاب وقع على ما استقر في أنفس أكثر الناس فإنهم يعتقدون أن الدنيا لا شيء مثلها أو أنها المقصودة فأخبر بأنها عنده خير مما يظنون أن لا شيء أفضل منه انتهى . ويحتمل أن يراد المفاضلة بين ما دلت عليه وبين ما دل عليه غيرها من الآيات المتعلقة به فرجحها ، وجميع الآيات وإن لم تكن من أمور الدنيا لكنها أنزلت لأهل الدنيا فدخلت كلها فيما طلعت عليه الشمس ، الحديث الثاني :



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث