الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقده فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان

التالي السابق


426 427 - ( مالك ، عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يعقد الشيطان ) كأن المراد به الجنس وفاعل ذلك القرين وغيره ، ويحتمل إبليس ، ويجوز أن نسبة ذلك إليه ؛ لأنه الآمر به الداعي إليه ، وكذا أورده البخاري في صفة إبليس من بدء الخلق ( على قافية رأس أحدكم ) أي : مؤخر عنقه ، وقافية كل شيء مؤخره ومنه قافية القصيدة ، وفي النهاية : القفا ، وقيل : مؤخر الرأس ، وقيل : وسطه ، وظاهر قوله : " أحدكم " التعميم في المخاطبين ومن في معناهم ، ويمكن أن يخص منه من صلى العشاء ولا سيما في الجماعة لما ثبت مرفوعا : " من صلى العشاء في جماعة كان كمن قام نصف ليلة " لأن مسمى قيام الليل يحصل للمؤمن قيام بعضه ، فيصدق على من صلى العشاء جماعة أنه قام الليل ، وبمن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان كالأنبياء ، ومن تناوله قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ( سورة الحجر : الآية 42 ) وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه فقد ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح ( إذا هو نام ) ولبعض رواة البخاري : نائم بوزن فاعل ، والأول أصوب وهو الذي في الموطأ ، قاله كله الحافظ ( ثلاث ) بالنصب مفعول ( عقد ) بضم العين وفتح القاف جمع عقدة ( يضرب ) بيده ( مكان كل عقدة ) أي : عليها تأكيدا وإحكاما لها قائلا ( عليك ) بالرفع ، ولأبي مصعب بالنصب ، وهي رواية ابن عيينة ، عن أبي الزناد عند مسلم .

قال عياض : رواية الأكثر على الإغراء ، ومن رفع فعلى الابتداء ؛ أي : باق عليك ، أو بإضمار فعل ؛ أي : بقي عليك .

وقال القرطبي : الرفع أولى من جهة المعنى ؛ لأنه الأمكن في الغرور من حيث إنه يخبره ، عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله : ( فارقد ) وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد وحينئذ يضيع قوله : فارقد ، ومقصود الشيطان تسويفه بالقيام والإلباس عليه ، [ ص: 609 ] وظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل ، ولا يبعد مثل ذلك في نوم النهار كالنوم حالة الإبراد مثلا ، لا سيما على تفسير البخاري أن المراد بالحديث الصلاة المفروضة ، وقيل معنى " يضرب " : يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ ومنه : فضربنا على آذانهم ( سورة الكهف : الآية 11 ) أي : حجبنا الحس أن يلج في آذانهم فينتبهوا ، وفي حديث أبي سعيد : " ما أحد ينام إلا ضرب على صماخه بجرير معقود " أخرجه المخلص في فوائده ، وسماخ : بكسر المهملة ويقال بالصاد وآخره معجمة ، ولسعيد بن منصور بسند جيد ، عن ابن عمر : " ما أصبح رجل على غير وتر إلا أصبح على رأسه جرير قدر سبعين ذراعا " واختلف في أن هذا العقد على الحقيقة كما يعقد الساحر من يسحره ، وأكثر من يفعله النساء تأخذ إحداهن الخيط فتعقد منه عقدة وتتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور عند ذلك ، ومنه قوله : ومن شر النفاثات في العقد ( سورة الفلق : الآية 4 ) وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها ، وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره ؟ الأقرب الثاني إذ ليس لكل أحد شعر ، ويؤيده رواية ابن ماجه ومحمد بن نصر من طريق أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا : " على قافية أحدكم حبل فيه ثلاث عقد " ، ولأحمد عن الحسن ، عن أبي هريرة بلفظ : " إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير " ، ولابن خزيمة وابن حبان ، عن جابر مرفوعا : " ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد " الحديث ، وجرير - بفتح الجيم - هو الحبل ، وفهم بعضهم منه أن العقد لازم له ، ويرده التصريح بأنها تحل بالصلاة فيلزم إعادة عقدها فأبهم فاعله في حديث جابر ، وفسره في حديث غيره ، أو هو مجاز شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور ، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك فصرف من يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان النائم ، أو المراد به عقد القلب وتصميمه على الشيء كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليل قطعة طويلة فيتأخر عن القيام ، وانحلال العقد كناية عن علمه بكذبه فيما وسوس به ، أو العقد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم المذكور ، ومنه : عقدت فلانا عن امرأته ؛ أي : منعته عنها ، أو عن تثقيله عليه النوم كأنه قد شد عليه شدا ، وقيل المراد بالعقد الثلاث : الأكل والشرب ؛ لأن من أكثرهما كثر نومه ، واستبعده المحب الطبري ؛ لأن الحديث يقتضي أن العقد يقع عند النوم فهي غيره ، قال القرطبي : حكمة الاقتصار على الثلاث أن أغلب ما يكون الانتباه في السحر ، فإن رجع إلى النوم ثلاث مرات لم ينقض الثالثة إلا وقد ذهب الليل .

وقال البيضاوي : التقييد بالثلاث إما للتأكيد أو لأنه يريد قطعه عن ثلاث : الذكر والوضوء والصلاة ، وكأنه منعه عن كل واحد منها بعقدة عقدها على رأسه : وكان تخصيص القفا بذلك ؛ لأنه محل الوهم ومجال تصرفه ، وهو أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته .

( فإن استيقظ ) من نومه ( فذكر الله ) بكل ما صدق عليه الذكر ، ويدخل فيه [ ص: 610 ] تلاوة القرآن وقراءة الحديث والاشتغال بالعلم الشرعي ( انحلت عقدة ) واحدة من الثلاث ( فإن توضأ انحلت عقدة ) ثانية ( فإن صلى ) فريضة أو نافلة ( انحلت عقده ) الثلاث كلها بالجمع ، رواه ابن وضاح ، وكذا في البخاري ، وبالإفراد لبعض الرواة ، وكلاهما صحيح ، والجمع أوجه لا سيما ورواية مسلم في الأولى عقدة ، وفي الثانية عقدتان ، وفي الثالثة العقد ، والخلاف في الأخيرة فقط ، قاله في المشارق ، وفي الفتح بلفظ الجمع بغير خلاف في البخاري ، ويؤيده رواية البخاري في بدء الخلق : انحلت عقده كلها . ورواية مسلم : انحلت العقد . ولبعض رواة الموطأ بالإفراد ، ويؤيده رواية أحمد : فإن ذكر الله انحلت عقدة واحدة ، وإن قام فتوضأ أطلقت الثانية ، فإن صلى أطلقت الثالثة ، وكأنه محمول على الغالب وهو من يحتاج إلى الوضوء إذا انتبه ، فيكون لكل عقدة شيء يحلها ، وظاهر رواية الجمع أن العقد تنحل كلها بالصلاة ، وهو كذلك في حق من لم يحتج إلى طهارة ، كمن نام متمكنا ثم انتبه فصلى من قبل أن يذكر ويتطهر ، فإن الصلاة تجزئه في حل العقد كلها ؛ لأنها تستلزم الطهارة وتتضمن الذكر .

وعلى هذا فمعنى قوله : " عقده كلها " إن كان المراد به من لا يحتاج إلى وضوء فظاهر ، وإن كان من يحتاج إليه فالمعنى انحلت تكملة عقده كلها بانحلال الأخيرة التي بها يتم انحلال العقد ، وقد زاد ابن خزيمة : فحلوا عقد الشيطان ولو بركعتين .

( فأصبح نشيطا ) لسروره بما وفقه الله له من الطاعة وما وعد به من الثواب وما زال عنه من عقد الشيطان ، ( طيب النفس ) لما بارك الله له في نفسه من هذا التصرف الحسن كذا قيل ، والظاهر أن في صلاة الليل سرا في طيب النفس وإن لم يستحضر المصلي شيئا مما ذكر وكذا عكسه ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ( سورة المزمل : الآية 6 ) واستنبط بعضهم منه أن من فعل ذلك - من قام وعاد إلى النوم - لا يعود إليه الشيطان بالعقد المذكور ثانيا ، واستثنى بعضهم ممن يقوم ويذكر ويتوضأ ويصلي من لم ينهه ذلك عن الفحشاء بل يفعل من غير أن يقلع ، والذي يظهر فيه التفصيل بين من يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم على الإقلاع وبين المصر ( وإلا ) بأن ترك الذكر والوضوء والصلاة ( أصبح خبيث النفس ) بتركه ما كان اعتاده أو أراده من فعل الخير ، كذا قيل وتقدم ما فيه ( كسلان ) بمنع الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون ، لبقاء تثبيط الشيطان وشؤم تفريطه وظفر الشيطان به بتفويته الحظ الأوفر من قيام الليل ، فلا يكاد يخف عليه صلاة ولا غيرها من القربات ، وخص الوضوء بالذكر لأنه الغالب ، وإلا فالجنب لا يحل عقده إلا الغسل ، وفي قيام التيمم مقام الوضوء والغسل لمن ساغ له بحث ، والأظهر إجزاؤه ، ولا شك أن في الوضوء عونا كبيرا على طرد النوم لا يظهر مثله في التيمم ، ومقتضى قوله : وإلا [ ص: 611 ] أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيثا كسلان وإن أتى ببعضها وهو كذلك ، لكن يختلف ذلك بالقوة والخفة ، فمن ذكر الله مثلا أخف ممن لم يذكر أصلا ، وفي حديث أبي سعيد عن المخلص : " فإن قام فصلى حلت العقد كلهن وإن استيقظ ولم يتوضأ ولم يصل أصبحت العقد كلها كهيئتها " .

قال ابن عبد البر : هذا الذم يختص بمن لم يقم إلى صلاته وضيعها ، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة أو النافلة بالليل فغلبته عينه فقد ثبت أن الله يكتب له أجر صلاته ، ونومه عليه صدقة كما مر ، قال : وزعم قوم أن هذا الحديث يعارض قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يقولن أحدكم خبثت نفسي " وليس كذلك ؛ لأن النهي إنما ورد ، عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهة هذه الكلمة ، وهذا الحديث وقع ذما لفعله ، ولكل من الحديثين وجه .

وقال الباجي : ليس بين الحديثين اختلاف ؛ لأنه نهي عن إضافة ذلك إلى النفس ؛ لأن الخبث بمعنى فساد الدين ، ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيرا منه وتنفيرا ، قال الحافظ : وتقدير الإشكال أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن إضافة ذلك إلى النفس ، وكلما نهى المؤمن أن يضيفه إلى نفسه نهى أن يضيفه إلى أخيه المؤمن ، وقد وصف - صلى الله عليه وسلم - هذا المؤمن بهذه الصفة فيلزم جواز وصفنا له بذلك المحل التأسي .

والجواب أن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك كالتنفير والتحذير ، ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة في الصحيح أن قارئ آية الكرسي لا يقربه شيطان ؛ لأن الحل إن حمل على الأمر المعنوي والقرب على الأمر الحسي أو عكسه فلا إشكال ، إذ لا يلزم من سحره إياه مثلا أن يماسه ، كما لا يلزم من مماسته أن يقربه بسرقة أو أذى في جسده ونحو ذلك ، وإن حملا على المعنويين أو الحسيين فيجاب بادعاء الخصوص في عموم أحدهما ، والأقرب أن المخصوص حديث الباب كما خصه ابن عبد البر بمن لم ينو القيام ، فيخص أيضا بمن لم يقرأ آية الكرسي لطرد الشيطان ، والحديث رواه البخاري ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك به ، وتابعه ابن عيينة ، عن أبي الزناد عند مسلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث