الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن أجنب حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله ، لأنا دللنا على أن ذلك يحرم على المحدث ، فلأن يحرم على الجنب أولى ، ويحرم عليه قراءة القرآن ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن } " [ ويحرم عليه اللبث [ ص: 177 ] في المسجد ] ولا يحرم عليه العبور لقوله تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنبا إلا عابري سبيل } وأراد موضع الصلاة . وقال في البويطي : ويكره له أن ينام حتى يتوضأ ، لما روي أن عمر رضي الله عنه قال : " { يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد } " قال أبو علي الطبري : وإذا أراد أن يطأ أو يأكل أو يشرب توضأ ، ولا يستحب ذلك للحائض لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة ، لأنه يخففه ويزيله من أعضاء الوضوء ) .

                                      [ ص: 207 ]

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) هذا الفصل مشتمل على جمل ويتعلق به فروع كثيرة منتشرة ، فالوجه أن نشرح كلام المصنف مختصرا ثم نعطف عليه مذاهب العلماء ثم الفروع والمتعلقات ، أما الآية الكريمة فسيأتي تفسيرها والمراد بها في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما حديث ابن عمر : { لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن } " فرواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم وهو حديث ضعيف ضعفه البخاري والبيهقي وغيرهما ، والضعف فيه بين ، وسنذكر في فرع مذاهب العلماء غيره مما يغني عنه وأما حديث عمر رضي الله عنه فصحيح رواه البخاري ومسلم .

                                      وقوله : فلأن يحرم على الجنب هو بفتح اللام ، وقد سبق إيضاحه في باب الآنية ثم في مواضع . وقوله : لا يقرأ الجنب ، بكسر الهمزة ، وروي بضمها على الخبر ، الذي يراد به النهي وهما صحيحان ، وممن ذكرها القاضي أبو الطيب في هذا الموضع من تعليقه ونظائرهما كثيرة مشهورة ، واللبث هو الإقامة . قال أهل اللغة : يقال لبث بالمكان وتلبث أي أقام قال الأزهري وصاحب المحكم وغيرهما : يقال لبث يلبث لبثا ولبثا بإسكان الباء وفتحها زاد في المحكم ولباثة ولبيثة ، يعني بفتح اللام فيهما . وأما الجنابة فأصلها في اللغة البعد وتطلق في الشرع على من أنزل المني ، وعلى من جامع وسمي جنبا ، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد والقراءة ويتباعد عنها ، ويقال : أجنب الرجل ، يجنب وجنب بضم الجيم وكسر النون ، يجنب بضم الياء وفتح النون لغتان مشهورتان ، الأولى أفصح وأشهر ، يقال رجل [ ص: 178 ] جنب ورجلان ورجال وامرأة وامرأتان ونسوة جنب بلفظ واحد ، قال الله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } قال أهل اللغة : ويقال : جنبان وأجناب فيثنى ويجمع والأول أفصح وأشهر .

                                      ( وأما حكم المسألة ) فيحرم على الجنب ستة أشياء الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله واللبث في المسجد وقراءة القرآن ، فأما الأربعة الأولى فتقدم شرحها وما يتعلق بها في باب ما ينقض الوضوء ، وأما قراءة القرآن فيحرم كثيرها وقليلها حتى بعض آية ، وكذا يحرم اللبث في جزء من المسجد ولو لحظة . وأما العبور فلا يحرم ، وقد ذكر المصنف دليل الجميع ، قال أصحابنا : ويكره للجنب أن ينام حتى يتوضأ ، ويستحب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يطأ من وطئها أولا أو غيرها أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه في كل هذه الأحوال ولا يستحب هذا الوضوء للحائض والنفساء ، نص عليه الشافعي في البويطي واتفق عليه الأصحاب ، ودليله ما ذكره المصنف أن الوضوء لا يؤثر في حدثها لأنه مستمر ، فلا تصح الطهارة مع استمراره ، وهذا ما دامت حائضا ، فأما إذا انقطع حيضها فتصير كالجنب يستحب لها الوضوء في هذه المواضع ، لأنه يؤثر في حدثها كالجنب .

                                      وهذا الذي قلناه وقاله المصنف والأصحاب إن الوضوء يؤثر في حدث الجنب ويزيله عن أعضاء الوضوء هو الصحيح الذي قطع به الجمهور وخالف فيه إمام الحرمين ، فقال : لا يرتفع شيء من الحدث حتى تكمل الطهارة . وقد سبق بيان هذه المسائل في المسائل الزوائد في آخر صفة الوضوء ودليل استحباب الوضوء وغسل الفرج في هذه الأحوال أحاديث صحيحة منها حديث عمر رضي الله عنه قال : { يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب ؟ فقال : نعم إذا توضأ } " رواه البخاري ومسلم . وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : { ذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ [ ص: 179 ] واغسل ذكرك ثم نم } " وعن عائشة " { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام ، وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة } " رواه البخاري ومسلم هذا لفظ البخاري . وفي رواية مسلم : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام } " وفي رواية له " { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه } " .

                                      وعن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم " { رخص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ } " رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، ومعناه إذا أراد أن يأكل . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " { إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود ، فليتوضأ بينهما وضوءا } " رواه مسلم . زاد البيهقي في رواية " فإنه أنشط للعود " . وأما حديث ابن عباس في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم { قام من الليل فقضى حاجته ثم غسل وجهه ويديه ثم نام } " فالمراد بحاجته الحدث الأصغر . وأما حديث أبي إسحاق السبيعي - بفتح السين المهملة - عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم " { كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء } " رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم ، فقال أبو داود عن يزيد بن هارون : وهم السبيعي في هذا . يعني قوله : ولا يمس ماء . وقال الترمذي : يرون أن هذا غلط من السبيعي .

                                      وقال البيهقي : طعن الحفاظ في هذه اللفظة وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود وأن السبيعي دلس ، قال البيهقي : وحديث السبيعي بهذه الزيادة صحيح من جهة الرواية لأنه بين سماعه من الأسود والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لرده .

                                      ( قلت ) قالت طائفة من أهل الحديث والأصول : إن المدلس لا يحتج بروايته وإن بين السماع ، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه إذا بين السماع احتج به ، فعلى الأول لا يكون الحديث صحيحا ، ولا يحتاج إلى جواب ، وعلى الثاني جوابه من وجهين .

                                      ( أحدهما ) ما رواه البيهقي عن ابن سريج [ ص: 180 ] رحمه الله واستحسنه البيهقي أن معناه : لا يمس ماء للغسل ، لنجمع بينه وبين حديث الآخر ، وحديث عمر الثابتين في الصحيحين .

                                      ( والثاني ) أن المراد أنه كان يترك الوضوء في بعض الأحوال ليبين الجواز إذ لو واظب عليه لاعتقدوا وجوبه ، وهذا عندي حسن أو أحسن ، وثبت في الصحيحين عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه بغسل واحد ، وهن تسع نسوة } . فيحتمل أنه كان يتوضأ بينها ، ويحتمل ترك الوضوء لبيان الجواز ، وفي رواية لأبي داود { أنه طاف على نسائه ذات ليلة يغتسل عند هذه وعند هذه فقيل يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا فقال : هذا أزكى وأطيب وأطهر } " قال أبو داود : والحديث الأول أصح . ( قلت ) وإن صح هذا الثاني حمل على أنه كان في وقت وذاك في وقت ، والحديثان محمولان على أنه كان برضاهن إن قلنا بالأصح ، وقول الأكثرين أن القسم كان واجبا عليه صلى الله عليه وسلم في الدوام ، فإن القسم لا يجوز أقل من ليلة ليلة برضاهن والله أعلم .

                                      ( فرع ) روى أبو داود والنسائي بإسناد جيد عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة [ ص: 181 ] ولا جنب ولا كلب } " قال الخطابي المراد الملائكة الذين ينزلون بالرحمة والبركة لا الحفظة لأنهم لا يفارقون الجنب ولا غيره قال : وقيل لم يرد بالجنب من أصابته جنابة فأخر الاغتسال إلى حضور الصلاة ولكنه الجنب الذي يتهاون بالغسل ويتخذ تركه عادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم " { كان ينام وهو جنب ويطوف على نسائه بغسل واحد } . " قال : وأما الكلب فهو أن يقتني كلبا لغير الصيد والزرع والماشية وحراسة الدار ، قال : وأما الصورة [ ص: 182 ] فهي كل مصور من ذوات الأرواح ، سواء كان على جدار أو سقف أو ثوب . هذا كلام الخطابي وفي تخصيصه الجنب بالمتهاون والكلب بالذي يحرم اقتناؤه نظر وهو محتمل .

                                      ( فرع ) هذا الذي ذكرناه من كراهة النوم قبل الوضوء للجنب هو مذهبنا وبه قال أكثر السلف أو كثير منهم ، حكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي سعيد الخدري وشداد بن أوس وعائشة والحسن البصري وعطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق واختاره ابن المنذر قال : وقال سعيد بن المسيب وأصحاب الرأي : هو بالخيار ، دليلنا الأحاديث السابقة والله أعلم



                                      ( فرع ) في مذاهب العلماء في قراءة الجنب والحائض ، مذهبنا أنه يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن قليلها وكثيرها حتى بعض آية ; وبهذا قال أكثر العلماء كذا حكاه الخطابي وغيره عن الأكثرين ، وحكاه أصحابنا عن عمر بن الخطاب وعلي وجابر رضي الله عنهم والحسن والزهري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق . وقال داود : يجوز للجنب والحائض قراءة كل القرآن ، وروي هذا عن ابن عباس وابن المسيب ، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما : واختاره ابن المنذر ، وقال مالك : يقرأ الجنب الآيات اليسيرة للتعوذ ، وفي الحائض روايتان عنه ( إحداهما ) تقرأ ( والثانية ) لا تقرأ ، وقال أبو حنيفة : يقرأ الجنب بعض آية ولا يقرأ آية وله رواية كمذهبنا .

                                      واحتج من جوز مطلقا بحديث عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه } " رواه مسلم ; قالوا : والقرآن ذكر ولأن الأصل عدم التحريم . واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر المذكور في الكتاب لكنه ضعيف كما سبق وعن عبد الله بن سلمة ، بكسر اللام . عن علي رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فيقرأ القرآن ولم يكن يحجبه ، [ ص: 183 ] وربما قال : يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة } " رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم . قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال غيره من الحفاظ المحققين : هو حديث ضعيف ورواه الشافعي في سنن حرملة ثم قال : إن كان ثابتا ففيه دلالة على تحريم القراءة على الجنب .

                                      قال البيهقي : ورواه الشافعي في كتاب جماع الطهور ، وقال : وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه . قال البيهقي : وإنما توقف الشافعي في ثبوته لأن مداره على عبد الله بن سلمة وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة وإنما روى هذا الحديث بعدما كبر ، قاله شعبة ، ثم روى البيهقي عن الأئمة تحقيق ما قال ، ثم قال البيهقي : وصح عن عمر رضي الله عنه أنه كره القراءة للجنب ، ثم رواه بإسناده عنه . وروي عن علي لا يقرأ الجنب القرآن ولا حرفا واحدا ، وروى البيهقي عن عبد الله بن مالك الغافقي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل } " وإسناده أيضا ضعيف . واحتج أصحابنا أيضا بقصة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه المشهورة : " أن امرأته رأته يواقع جارية له ، فذهبت فأخذت سكينا وجاءت تريد قتله ، فأنكر أنه واقع الجارية وقال " { أليس قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنب أن يقرأ القرآن ؟ قالت : بلى فأنشدها الأبيات المشهورة فتوهمتها قرآنا فكفت عنه ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فضحك ولم ينكر عليه } " . والدلالة فيه من وجهين ( أحدهما ) أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه قوله : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ( والثاني ) أن هذا كان مشهورا عندهم يعرفه رجالهم ونساؤهم ، ولكن إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع . وأجاب أصحابنا عن احتجاج داود بحديث عائشة بأن المراد بالذكر غير القرآن ، فإنه المفهوم عند الإطلاق . وأما المذاهب الباقية فقد سلموا تحريم القراءة في الجملة ، ثم ادعوا تخصيصا لا مستند له . فإن قالوا : جوزنا للحائض خوف النسيان ، قلنا : يحصل المقصود بتفكرها بقلبها . والله أعلم



                                      [ ص: 184 ] فرع ) في مذاهب العلماء في مكث الجنب في المسجد وعبوره فيه بلا مكث ، مذهبنا أنه يحرم عليه المكث في المسجد جالسا أو قائما أو مترددا أو على أي حال كان ، متوضئا كان أو غيره ، ويجوز له العبور من غير لبث ، سواء كان له حاجة أم لا ، وحكى ابن المنذر مثل هذا عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير وعمرو بن دينار ومالك . وحكي عن سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه أنه لا يجوز له العبور إلا أن لا يجد بدا منه فيتوضأ ثم يمر . وقال أحمد : يحرم المكث ويباح العبور لحاجة ولا يباح لغير حاجة . قال : ولو توضأ استباح المكث . وجمهور العلماء على أن الوضوء لا أثر له في هذا . وقال المزني وداود وابن المنذر : يجوز للجنب المكث في المسجد مطلقا . وحكاه الشيخ أبو حامد عن زيد بن أسلم .

                                      واحتج من أباح المكث مطلقا ، بما ذكره ابن المنذر في الأشراف ، وذكره غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { المسلم لا ينجس } " رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة ، وبما احتج به المزني في المختصر واحتج به غيره أن المشرك يمكث في المسجد ، فالمسلم الجنب أولى ، وأحسن ما يوجه به هذا المذهب أن الأصل عدم التحريم ، وليس لمن حرم دليل صحيح صريح . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال الشافعي رحمه الله في الأم : قال بعض العلماء بالقرآن : معناها لا تقربوا مواضع الصلاة . قال الشافعي : وما أشبه ما قال بما قال : لأنه ليس في الصلاة عبور سبيل ، إنما عبور السبيل في موضعها وهو المسجد ، قال الخطابي وعلى ما تأولها الشافعي تأولها أبو عبيدة معمر بن المثنى . قال البيهقي في معرفة السنن والآثار : وروينا هذا التفسير عن ابن عباس قال وروينا عن جابر قال : " كان أحدنا يمر في المسجد مجتازا وهو جنب "

                                      وعن أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة [ ص: 185 ] عن عائشة رضي الله عنها قالت { جاء النبي صلى الله عليه وسلم وبيوت أصحابه شارعة في المسجد ، فقال وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب } " رواه أبو داود وغيره . قال البيهقي : " ليس هو بقوي " قال : قال البخاري " عند جسرة عجائب " وقد خالفها غيرها في سد الأبواب . وقال الخطابي " ضعف هذا الحديث " وقالوا : أفلت مجهول ، وقال الحافظ عبد الحق : " هذا الحديث لا يثبت " .

                                      ( قلت ) وخالفهم غيرهم ، فقال أحمد بن حنبل " لا أرى بأفلت بأسا " وقال الدارقطني " هو كوفي صالح " وقال أحمد بن عبد الله العجلي " جسرة تابعية ثقة " وقد روى أبو داود هذا الحديث ولم يضعفه ، وقد قدمنا أن مذهبه أن ما رواه ولم يضعفه ولم يجد لغيره فيه تضعيفا فهو عنده صالح ، ولكن هذا الحديث ضعفه من ذكرنا ، وجسرة بفتح الجيم وإسكان السين المهملة ، وأفلت بالفاء . قال الخطابي : وجوه البيوت أبوابها ، وقال ومعنى وجهوها عن المسجد : اصرفوا وجوهها عن المسجد . وأجاب أصحابنا عن احتجاجهم بحديث { المسلم لا ينجس } " بأنه لا يلزم من عدم نجاسته جواز لبثه في المسجد .

                                      وأما القياس على المشرك فجوابه من وجهين : ( أحدهما ) أن الشرع فرق بينهما ، فقام دليل تحريم مكث الجنب . وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس بعض المشركين في المسجد ، فإذا فرق الشرع لم يجز التسوية .

                                      ( والثاني ) أن الكافر لا يعتقد حرمة المسجد فلا يكلف بها ، بخلاف المسلم وهذا كما أن الحربي لو أتلف على المسلم شيئا لم يلزمه ضمانه لأنه لم يلتزم الضمان بخلاف المسلم والذمي إذا أتلفا . واحتج من حرم المكث والعبور بحديث : " { لا أحل المسجد لحائض ولا جنب } " وبحديث سالم بن أبي حفصة عن عطية بن سعد العوفي المفسر عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : { يا علي لا يحل [ ص: 186 ] لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك } رواه الترمذي في جامعه في مناقب علي وقال : حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . قال أبو نعيم ضرار بن صرد : معناه لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك . قال الترمذي : سمع البخاري مني هذا الحديث واستغربه ، قالوا : ولأنه موضع لا يجوز المكث فيه ، فكذا العبور ، كالدار المغصوبة وقياسا على الحائض ومن في رجله نجاسة .

                                      واحتج أصحابنا بما احتج به الشافعي وغيره وهو قول الله تعالى { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل } وتقدم ذكر الدلالة منها . قال أصحاب أبي حنيفة : المراد بالآية أن المسافر إذا أجنب وعدم الماء جاز له التيمم والصلاة وإن كانت الجنابة باقية ، لأن هذه حقيقة الصلاة . والجواب أن هذا الذي ذكروه ليس مختصا بالمسافر بل يجوز للحاضر فلا تحمل الآية عليه ، وأما ما ذكرناه فهو الظاهر ، وقد جاء الحديث وأقوال الصحابة وتفسيرهم على وفقه فكان أولى . واحتجوا بحديث جابر : { كنا نمشي في المسجد جنبا لا نرى به بأسا } " رواه الدارمي بإسناد ضعيف ، ولأنه مكلف أمن تلويث المسجد فجاز عبوره كالمحدث . وأما الجواب عن حديثهم الأول فهو أنه إن صح حمل على المكث جمعا بين الأدلة .

                                      وأما الثاني فضعيف لأن مداره على سالم بن أبي حفصة وعطية وهما ضعيفان جدا شيعيان متهمان في رواية هذا الحديث ، وقد أجمع العلماء على تضعيف سالم وغلوه في التشيع ، ويكفي في رده بعض ما ذكرنا ، لا سيما وقد استغربه البخاري إمام الفن ، على أنه لو صح لم يكن معناه ما ذكره أبو نعيم لأنه خلاف ظاهره ، بل معناه إباحة المكث في المسجد مع الجنابة ، وقد ذكر أبو العباس بن القاص هذا في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم . وأما قياسهم على الدار المغصوبة ، فمنتقض بمواضع الخمور والملاهي والطرق الضيقة .

                                      وأما قياسهم على من على رجله نجاسة فإنما يمنع عبوره إذا كانت النجاسة جارية أو متعرضة للجريان ، وهذا يمنع صيانة للمسجد من [ ص: 187 ] تلويثه ، والجنب بخلافه فنظير الجنب من على رجله نجاسة يابسة فله العبور . وبهذا يجاب عن قياسهم على الحائض إن حرمنا عبورها ، وإلا فالأصح جواز عبورها إذا أمنت التلويث . والله أعلم



                                      فصل ( يتعلق بقراءة الجنب والحائض والمحدث وأذكارهم ومواضع القراءة وأحوالها ونحو ذلك ) وهذا الفصل من المهمات التي يتأكد لطالب الآخرة معرفتها ، وقد جمعت في هذا كتابا لطيفا ، وهو ( التبيان في آداب حملة القرآن ) وأنا أشير هنا إلى جمل من مقاصده إن شاء الله تعالى ، وفيه مسائل : ( إحداها ) قد ذكرنا أنه يحرم على الجنب والحائض والنفساء قراءة شيء من القرآن وإن قل حتى بعض آية ، ولو كان يكرر في كتاب فقه أو غيره فيه احتجاج بآية حرم عليه قراءتها . ذكره القاضي حسين في الفتاوى ، لأنه يقصد القرآن للاحتجاج . قال أصحابنا : ولو قال لإنسان : خذ الكتاب بقوة ، ولم يقصد به القرآن جاز ، وكذا ما أشبهه ، ويجوز للجنب والحائض والنفساء في معناه أن تقول عند المصيبة : { إنا لله وإنا إليه راجعون } إذا لم تقصد القرآن . قال أصحابنا الخراسانيون : ويجوز عند ركوب الدابة أن يقول : { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } لا بقصد القرآن . وممن صرح به الفوراني والبغوي والرافعي وآخرون . وأشار العراقيون إلى منعه ، والمختار الصحيح الأول . قال القاضي حسين وغيره : ويجوز أن يقول في الدعاء { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } قال إمام الحرمين ووالده [ ص: 188 ] الشيخ أبو محمد والغزالي في البسيط : إذا قال الجنب باسم الله أو الحمد لله ، فإن قصد القرآن عصى وإن قصد الذكر لم يعص وإن لم يقصد واحدا منهما لم يعص أيضا قطعا ، لأن القصد مرعي في الأبواب .



                                      ( المسألة الثانية ) تجوز للجنب قراءة ما نسخت تلاوته ك " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما " وما أشبه ، صرح به القاضي حسين والبغوي وآخرون .



                                      ( الثالثة ) يجوز للجنب والحائض النظر في المصحف وقراءته بالقلب دون حركة اللسان . وهذا لا خلاف فيه .



                                      ( الرابعة ) قال أصحابنا : إذا لم يجد الجنب ماء ولا ترابا يصلي الفريضة وحدها لحرمة الوقت ولا يقرأ زيادة على الفاتحة ، وفي الفاتحة وجهان حكاهما الخراسانيون ( أحدهما ) ورجحه القاضي حسين والرافعي : لا تجوز قراءة الفاتحة أيضا لأنه عاجز عنها شرعا فيأتي بالأذكار التي يأتي بها من لا يحسن الفاتحة .

                                      ( والثاني ) وهو الصحيح وبه قطع الشيخ أبو حامد وسائر العراقيين والروياني في الحلية وآخرون من الخراسانيين : أنه تجب قراءة الفاتحة ، لأنه قادر وقراءته كركوعه وسجوده ، وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى مبسوطة في باب التيمم .



                                      ( الخامسة ) غير الجنب والحائض لو كان فمه نجسا كره له قراءة القرآن . قال الروياني : وفي تحريمه وجهان خرجهما والدي ( أحدهما ) يحرم كمس المصحف بيده النجسة ( والثاني ) لا يحرم كقراءة المحدث ، كذا أطلق الوجهين ، والصحيح أنه لا يحرم ، وهو مقتضى كلام الجمهور وإطلاقهم أن غير الجنب والحائض والنفساء لا يحرم عليه القراءة .



                                      ( السادسة ) أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر والأفضل أن يتوضأ لها . قال إمام الحرمين وغيره : ولا يقال قراءة [ ص: 189 ] المحدث مكروهة ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم " { أنه كان يقرأ مع الحدث } " والمستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر كالمحدث .



                                      ( السابعة ) لا يكره للمحدث قراءة القرآن في الحمام ، نقله صاحبا العدة والبيان وغيرهما من أصحابنا ، وبه قال محمد بن الحسن ونقله ابن المنذر عن إبراهيم النخعي ومالك . ونقل عن أبي وائل شقيق بن سلمة التابعي الجليل والشعبي ومكحول ، والحسن وقبيصة بن ذؤيب كراهته ، وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة ، ورويناه في مسند الدارمي عن إبراهيم النخعي ، فيكون عنه خلاف . دليلنا أنه لم يرد الشرع بكراهته فلم يكره كسائر المواضع .



                                      ( الثامنة ) لا تكره القراءة في الطريق مارا إذا لم يلته ، وروي نحو هذا عن أبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز . وعن مالك كراهتها . قال الشعبي : تكره القراءة في الحش وبيت الرحا وهي تدور ، وهذا الذي ذكره مقتضى مذهبنا .



                                      ( التاسعة ) إذا كان يقرأ فعرضت له ريح أمسك عن القراءة حال خروجها .



                                      ( العاشرة ) أجمع المسلمون على جواز التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأذكار وما سوى القرآن للجنب والحائض ، ودلائله مع الإجماع في الأحاديث الصحيحة مشهورة .



                                      ( الحادية عشرة ) قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار إلا في المواضع التي ورد الشرع بهذه الأذكار فيها ، وستأتي دلائله إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف في أذكار الطواف . [ ص: 190 ] الثانية عشرة ) يستحب أن ينظف فمه قبل الشروع في القراءة بسواك ونحوه ويستقبل القبلة ويجلس متخشعا بسكينة ووقار ، ولو قرأ قائما أو مضطجعا أو ماشيا أو على فراشه جاز ، ودلائله في الكتاب والسنة مشهورة ، وإذا أراد القراءة تعوذ وجهر به . والتعوذ سنة ليس بواجب ويحافظ على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في أوائل السور غير براءة ، فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر والخضوع فهو المطلوب والمقصود ، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب . قال الله تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته } وقال تعالى { أفلا يتدبرون القرآن } والأحاديث فيه كثيرة ، وقد بات جماعة من السلف يردد أحدهم الآية جميع ليلته أو معظمها ، وصعق جماعات من السلف عند القراءة ، ومات جماعات منهم بسبب القراءة ، وقد ذكرت في التبيان جملة من أخبار هؤلاء رضي الله عنهم .

                                      ويسن تحسين الصوت بالقرآن للأحاديث الصحيحة المشهورة فيه . وقد أوضحتها في التبيان وسأبسطها إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب حيث ذكر المصنف المسألة في كتاب الشهادات . قالوا : فإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع ، ولا يخرج بتحسينه عن حد القراءة إلى التمطيط المخرج له عن حدوده ، ويستحب البكاء عند القراءة ، وهي صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين ، قال الله تعالى { ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } والأحاديث والآثار فيه كثيرة . وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه { قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قال حسبك قال فرأيت عينيه تذرفان } ، وطريقه في تحصيل البكاء أن يتأمل ما يقرؤه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود ، ثم يفكر في تقصيره فيها ، فإن لم يحضره عند ذلك حزن وبكاء ، فليبك على فقد ذلك ، فإنه من المصائب . ويسن ترتيل القراءة . قال الله تعالى : { ورتل القرآن ترتيلا } وثبت في الأحاديث الصحيحة أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مرتلة ، [ ص: 191 ] واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع ويسمى الهذ .

                                      قالوا : وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين - في قدر ذلك الزمن - بلا ترتيل . قال العلماء : والترتيل مستحب للتدبر ، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير ، وأشد تأثيرا في القلب ، ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه ، ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله ، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ من العذاب أو من الشر ونحو ذلك ، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه ، فقال : تبارك الله أو جلت عظمة ربنا ونحو ذلك . وهذا مستحب لكل قارئ ، سواء في الصلاة وخارجها ، وسواء الإمام والمأموم والمنفرد . وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنبسط ذلك بدلائله إن شاء الله تعالى ، حيث ذكره المصنف في آخر باب سجود التلاوة .



                                      ولا تجوز القراءة بالأعجمية سواء أحسن العربية أم لا ، وسواء كان في الصلاة أم خارجها ، وتجوز بالقراءات السبع ولا تجوز بالشواذ ، وسنوضح ذلك بدلائله في صفة الصلاة حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى ، والأولى أن يقرأ على ترتيب المصحف ، سواء قرأ في الصلاة أم خارجها ، وإذا قرأ سورة قرأ بعدها التي تليها ، لأن ترتيب المصحف لحكمة فلا يتركها إلا فيما ورد الشرع فيه بالتفريق كصلاة الصبح يوم الجمعة ب ( الم ) و ( هل أتى ) وصلاة العيد ب ( ق ) ( واقتربت ) ونظائر ذلك ، فلو فرق أو عكس جاز وترك الأفضل . وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها ; فمتفق على منعه وذمه ; لأنه يذهب بعض أنواع الإعجاز ويزيل حكمة الترتيب ، وأما تعليم الصبيان من آخر الختمة إلى أولها فلا بأس به لأنه يقع في أيام



                                      ( فرع ) القراءة في المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب ، لأنها تجمع القراءة والنظر في المصحف وهو عبادة أخرى ، كذا قاله القاضي حسين وغيره من أصحابنا . ونص عليه جماعات من السلف ولم أر فيه خلافا ، ولعلهم أرادوا بذلك في حق من يستوي خشوعه وحضور قلبه في الحالين ، فأما من يزيد خشوعه وحضور قلبه وتدبره في القراءة عن ظهر القلب فهي أفضل في حقه



                                      [ ص: 192 ] فرع ) لا كراهة في قراءة الجماعة مجتمعين بل هي مستحبة ، وكذا الإدارة وهي أن يقرأ بعضهم جزءا أو سورة مثلا ويسكت بعضهم ، ثم يقرأ الساكتون ويسكت القارئون ، وقد ذكرت دلائله في التبيان ، وللقارئين مجتمعين آداب كثيرة منها ما سبق في آداب القارئ وحده . ومنها أشياء يتساهل فيها في العادة ، فمن ذلك أنهم مأمورون باجتناب الضحك واللغط والحديث في حال القراءة إلا كلاما يسيرا للضرورة ، وباجتناب العبث باليد وغيرها ، والنظر إلى ما يلهي أو يبدد الذهن . وأقبح من ذلك النظر إلى من يحرم النظر إليه كالأمرد وغيره ، سواء كان بشهوة أم بغيرها ويجب على الحاضر في ذلك المجلس أن ينكر ما يراه من هذه المنكرات وغيرها ، فينكر بيده ثم لسانه على حسب الإمكان ، فإن لم يستطع فليكرهه بقلبه .



                                      ( فرع ) جاءت في الصحيح أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة وأحاديث تقتضي أن الإسرار والإخفاء أفضل . قال العلماء : وطريق الجمع بينها أن الإخفاء أبعد من الرياء ، فهو أفضل في حق من يخاف الرياء ، وكذا من يتأذى المصلون وغيرهم بجهره فالإخفاء أفضل في حقه ، فإن لم يخف الرياء ولم يتأذ أحد بجهره فالجهر أفضل ; لأن العمل فيه أكثر ; ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين ، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ويطرد النوم ويزيد في النشاط ، وقد أوضحت جملة من الأحاديث والآثار الواردة من ذلك في التبيان .



                                      ( فرع ) يسن تحسين الصوت بالقراءة ، للأحاديث الصحيحة المشهورة فيه ، وسنبسطه إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف في كتاب الشهادات ويسن طلب القراءة من حسن الصوت والإصغاء إليها ; وهذا متفق على استحبابه ، وهو عادة الأخيار والمتعبدين وعباد الله الصالحين . وفي الصحيحين { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود ، اقرأ علي القرآن فإني أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأ عليه من سورة النساء حتى بلغ { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } } والآثار فيه كثيرة مشهورة ، وقد مات جماعة من الصالحين بقراءة من سألوه [ ص: 193 ] القراءة ، واستحب العلماء افتتاح مجلس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة قارئ حسن الصوت ما تيسر من القرآن



                                      ( فرع ) ينبغي للقارئ أن يبتدئ من أول السورة أو من أول الكلام المرتبط ويقف على آخرها ، أو آخر الكلام المرتبط بعضه ببعض ، ولا يتقيد بالأجزاء والأعشار . فإنها قد تكون في وسط كلام مرتبط كالجزء في قوله تعالى : ( { والمحصنات } ) ، ( { وما أبرئ نفسي } ) ، ( { قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا } ) ، ( { ومن يقنت منكن } ) ، ( { وما أنزلنا على قومه } ) ، ( { إليه يرد علم الساعة } ) ، ( { قال فما خطبكم } ) فكل هذا وشبهه لا يبتدأ به ، ولا يوقف عليه ، ولا يغتر بكثرة الفاعلين له ، ولهذا قال العلماء : قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قدرها من طويلة لأنه قد يخفى الارتباط



                                      ( فرع ) تكره القراءة في أحوال ، منها حال الركوع والسجود والتشهد وغيرها من أحوال الصلاة سوى القيام . وتكره في حال القعود على الخلاء ، وفي حال النعاس وحال الخطبة لمن يسمعها . ويكره للمأموم قراءة ما زاد على الفاتحة في صلاة جهرية إذا سمع قراءة الإمام ولا يكره في الطواف ، وتقدم بيان القراءة في الحمام والطريق وقراءة من فمه نجس



                                      ( فرع ) إذا مر القارئ على قوم سلم عليهم وعاد إلى القراءة ، فإن أعاد التعوذ كان حسنا ، ويستحب لمن مر على القارئ أن يسلم عليه ، ويلزم القارئ رد السلام باللفظ . وقال الواحدي من أصحابنا : لا يسلم المار ; فإن سلم رد عليه القارئ بالإشارة ، وهذا ضعيف ، ولو عطس القارئ في الصلاة أو خارجها فليحمد الله تعالى ، ولو عطس غيره شمته القارئ ، ولو سمع المؤذن أو المقيم قطع القراءة وتابعه ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب الأذان ، ولو طلبت منه حاجة وأمكنه الجواب بإشارة مفهمة وعلم أنه لا يشق ذلك على الطالب أجابه إشارة



                                      [ ص: 194 ] فرع ) إذا قرأ : ( { أليس الله بأحكم الحاكمين } ) ; ( { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } ) استحب أن يقول : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين . وإذا قرأ ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال : سبحان ربي الأعلى ، وإذا قرأ : ( { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } ) قال : الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا . وقد بسطت ذلك في التبيان وسأذكره في صفة الصلاة من هذا الكتاب مبسوطا إن شاء الله تعالى .

                                      ( فرع ) جاء عن إبراهيم النخعي أنه إذا قرأ : ( { وقالت اليهود يد الله مغلولة } ) ، ( { وقالت اليهود عزير ابن الله } ) ونحوهما خفض صوته قليلا . وقال غيره : إذا قرأ ( { إن الله وملائكته يصلون على النبي } ) الآية ، استحب أن يقول : صلى الله عليه وسلم تسليما



                                      ( فرع ) في الأوقات المختارة للقراءة أفضلها ما كان في الصلاة ، ومذهبنا أن تطويل القيام في الصلاة أفضل من تطويل السجود وغيره ، وسنبسط المسألة بأدلتها ومذاهب العلماء فيها في صفة الصلاة إن شاء الله تعالى . وقد ذكرها المصنف في باب صلاة الخوف . وأفضل الأوقات الليل ونصفه الآخر أفضل ، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة ، وأفضل النهار بعد الصبح ، ولا كراهة في شيء من الأوقات . ونقل عن بعض السلف كراهة القراءة بعد العصر ، وليس بشيء ولا أصل له ، ويختار من الأيام يوم عرفة ، ثم يوم الجمعة ، ثم الاثنين والخميس ، ومن الأعشار العشر الأواخر من شهر رمضان ، والأول من ذي الحجة ، ومن الشهور رمضان .



                                      ( فرع ) ( في آداب ختم القرآن ) يستحب كونه في أول الليل أو أول النهار وإن قرأ وحده فالختم في الصلاة أفضل واستحب السلف صيام يوم الختم وحضور مجلسه . وقالوا : يستجاب الدعاء عند الختم وتنزل الرحمة ، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا أراد الختم جمع أهله وختم ودعا ، واستحبوا الدعاء بعد الختم استحبابا متأكدا وجاء فيه آثار كثيرة ، ويلح في الدعاء ويدعو بالمهمات ويكثر من ذلك في صلاح المسلمين وصلاح [ ص: 195 ] ولاة أمورهم ; ويختار الدعوات الجامعة ، وقد جمعت في التبيان منها جملة ، واستحبوا إذا ختم أن يشرع في ختمة أخرى



                                      ( فرع ) ( في آداب حامل القرآن ) ليكن على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل ، ويرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه ، ويتصون عن دنيء الاكتساب ، وليكن شريف النفس عفيفا ، متواضعا للصالحين وضعفة المسلمين ، متخشعا ذا سكينة ووقار . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون ، وبنهاره إذ الناس مفطرون ، وبحزنه إذ الناس يفرحون ، وببكائه إذ الناس يضحكون ، وبصمته إذ الناس يخوضون ، وبخشوعه إذ الناس يختالون . وقال الحسن البصري رحمه الله : إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم ، فكانوا يتدبرونها بالليل ، وينفذونها بالنهار ، وقال الفضيل رحمه الله : حامل القرآن حامل راية الإسلام ، ينبغي أن لا يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ، ولا يلغو مع من يلغو ، تعظيما لحق القرآن ، وليحذر أن يتخذ القرآن معيشة يكتسب بها . ولا بأس بالاستئجار لقراءة القرآن عندنا ، وسنبسط المسألة بأدلتها إن شاء الله تعالى في كتاب الإجارة . وليحافظ على تلاوته ، ويكثر منها بحسب حاله ، وقد بسطت الكلام في بيان هذا ، وعادات السلف فيه في التبيان ، ويكون اعتناؤه بتلاوته في الليل أكثر ، لأنه أجمع للقلب ، وأبعد من الشاغلات ، والملهيات ، والتصرف في الحاجات ، وأصون في تطرق الرياء ، وغيره من المحبطات ، مع ما جاء في الشرع من بيان ما فيه الخيرات ، كالإسراء ، وحديث النزول ، وحديث : { في الليل ساعة يستجاب فيها الدعاء وذلك كل ليلة } " وسنبسط الكلام ، والأحاديث في هذه المسألة حيث ذكرها المصنف في باب صلاة التطوع ، إن شاء الله تعالى ، وليحذر كل الحذر من نسيانه ، أو نسيان شيء منه ، أو تعريضه للنسيان ، ففي الصحيحين عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { تعاهدوا القرآن ، فوالذي نفس محمد بيده [ ص: 196 ] لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها } " وفي سنن أبي داود ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ، ثم نسيها } " وفيه ، عن سعد بن عبادة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : { من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل يوم القيامة أجذم } " والله أعلم



                                      ( فرع ) في آداب الناس كلهم مع القرآن ، قال الله تعالى : { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } وفي صحيح مسلم عن تميم الداري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم } وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام ، وقد أوضحت شرحه في أول شرح صحيح مسلم ، وبينت الدلائل في أن مدار الإسلام عليه ، وأقوال العلماء في شرحه . ومختصر ما يحتاج إليه هنا أن العلماء قالوا : نصيحة كتاب الله تعالى هي الإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق ولا يقدر الخلق على مثل سورة منه ، وتلاوته حق تلاوته ، وتحسينها وتدبرها والخشوع عندها ، وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين ، وتعرض الملحدين ، والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله ، والاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه ، ومجمله ومبينه وغير ذلك من أقسامه ، ونشر علومه والدعاء إليه وإلى جميع ما ذكرنا من نصيحته . وأجمعت الأمة على وجوب تعظيم القرآن على الإطلاق وتنزيهه وصيانته . وأجمعوا على أن من جحد منه حرفا مجمعا عليه ، أو زاد حرفا لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك فهو كافر . وأجمعوا على أن من استخف بالقرآن أو بشيء منه أو بالمصحف أو ألقاه في قاذورة أو كذب بشيء مما جاء به من حكم أو خبر ، أو نفى ما أثبته أو أثبت ما نفاه أو شك في شيء من ذلك وهو عالم به كفر . [ ص: 197 ] ويحرم تفسيره بغير علم ، والكلام في معانيه لمن ليس من أهله . وهذا مجمع عليه وأما تفسير العلماء فحسن بالإجماع ويحرم المراء فيه والجدال بغير حق ، ويكره أن يقول نسيت آية كذا . بل يقول : أنسيتها أو أسقطتها . ويجوز أن يقول : سورة البقرة وسورة النساء وسورة العنكبوت وغيرها ، ولا كراهة في شيء من هذا ، والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة ، وكره بعض السلف هذا وقال : إنما يقال السورة التي يذكر فيها البقرة ونحوها ، والصواب أنه لا كراهة فقد تظاهرت فيه الأحاديث الصحيحة وأقاويل الصحابة فمن بعدهم ، ولا يكره أن يقال : قراءة أبي عمرو وابن كثير وغيرهما وكرهه بعض السلف ، والصواب أن لا كراهة وعليه عمل السلف والخلف ، ولا يكره أن يقول : الله تعالى يقول ، وكرهه مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعي . وقال : إنما يقال قال الله تعالى بصيغة الماضي ، والصواب الأول ، قال الله تعالى : { والله يقول الحق } والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة وقد جمعت منها جملة في أول شرح صحيح مسلم وفي أواخر كتاب الأذكار ،



                                      ولا يكره النفث مع القراءة للرقية ، وهو نفخ لطيف بلا ريق ، وكرهه أبو جحيفة الصحابي والحسن البصري والنخعي رضي الله عنهم والصحيح أنه لا كراهة ، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله . وقد أوضحت ذلك في التبيان ولو كتب القرآن في إناء ثم غسله وسقاه المريض ، فقال الحسن البصري ومجاهد وأبو قلابة والأوزاعي : لا بأس به ، وكرهه النخعي ، ومقتضى مذهبنا أنه لا بأس به ، فقد قدمنا في مسائل مس المصحف أنه لو كتب القرآن على حلوى أو غيرها من الطعام فلا بأس بأكله .



                                      ( فرع ) في الآيات والسور المستحبة في أوقات وأحوال مخصوصة . هذا الباب غير منحصر لكثرة ما جاء فيه ، ومعظمه يأتي إن شاء الله تعالى في هذا الشرح في مواطنه كالسور المستحبة في الصلوات الخاصة ، كالجمعة والمنافقون في صلاة الجمعة ، و ( قاف ) و ( اقتربت ) في العيد و ( سبح ) [ ص: 198 ] و ( هل أتاك ) في الجمعة والعيد فكلاهما سنة في صحيح مسلم وغيره ، و ( الم تنزيل ) و ( هل أتى ) في صبح الجمعة وغير ذلك مما سنوضحه في مواضعه إن شاء الله تعالى . ويحافظ على ( يس ) و ( الواقعة ) و ( تبارك : الملك ) و ( قل هو الله أحد ) و ( المعوذتين ) و ( آية الكرسي ) كل وقت ، و ( الكهف ) يوم الجمعة وليلتها ، ويقرأ ( آية الكرسي ) كل ليلة إذا أوى إلى فراشه ، ويقرأ كل ليلة الآيتين من آخر البقرة ( { آمن الرسول } ) إلى آخرها ، والمعوذتين عقيب كل صلاة ، ويقرأ إذا استيقظ من النوم ونظر في السماء آخر آل عمران : ( { إن في خلق السموات والأرض } ) إلى آخرها . ويقرأ عند المريض الفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتين مع النفخ في اليدين ويمسحه بهما . ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل ما ذكرته في هذا الفصل فيه أحاديث صحاح مشهورة . ويقرأ عند الميت ( يس ) لحديث فيه في سنن أبي داود وغيره . واعلم أن آداب القراءة والقارئ وما يتعلق بهما لا تنحصر فنقتصر على هذه الأحرف منها لئلا نخرج عن حد الشرح الذي نحن فيه ، وبالله التوفيق



                                      ( فرع ) قال إمام الحرمين ، روي { أن رجلا سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب صلى الله عليه وسلم يده على حائط وتيمم ثم أجاب } . وقيل : كان التيمم في الإقامة وموضع الماء ، ولكن أتى به النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للسلام وإن لم يفد التيمم إباحة محظور ، قال : فلو تيمم المحدث وقرأ عن ظهر القلب كان جائزا على مقتضى الحديث ، هذا كلام إمام الحرمين . وذكر الغزالي مثله ولا نعرف أحدا وافقهما . وهذا الحديث في الصحيحين من رواية أبي الجهيم بن الحارث إلا أنه ليس فيه أنه في المدينة . بل في الصحيحين أنه أقبل من نحو بئر جمل فتيمم ، وهذا ظاهر في أنه كان خارج المدينة وعادما للماء ، وسنعيد الحديث والكلام عليه في باب التيمم إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق



                                      [ ص: 199 ] فصل ( في المساجد وأحكامها ) وما يتعلق بها وما يندب فيها وما تنزه منه ونحو ذلك ، وفيه مسائل : ( إحداها ) قد سبق أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد ولا يحرم العبور من غير مكث ولا كراهة في العبور ، سواء كان لحاجة أم لغيرها ، لكن الأولى أن لا يعبر إلا لحاجة ليخرج من خلاف أبي حنيفة وغيره . هذا مقتضى كلام الأصحاب تصريحا وإشارة . وقال المتولي والرافعي : إن عبر لغير غرض كره وإن كان لغرض فلا . وحكى الرافعي وجها أنه لا يجوز العبور إلا لمن لم يجد طريقا غيره ، وقطع الجرجاني في التحرير بأنه لا يجوز العبور إلا لحاجة ، وهذان شاذان ، والصواب جوازه لحاجة ولغيرها ولمن وجد طريقا ولغيره ، وبه قطع الأصحاب



                                      ( الثانية ) لو احتلم في المسجد وجب عليه الخروج منه إلا أن يعجز عن الخروج لإغلاق المسجد ونحوه ، أو خاف على نفسه أو ماله ، فإن عجز أو خاف جاز أن يقيم للضرورة . قال المتولي والبغوي والرافعي وآخرون : فإن وجد ترابا غير تراب المسجد تيمم ولا يتيمم بتراب المسجد ، كما لو لم يجد إلا ترابا مملوكا فإنه لا يتيمم به ، فإن خالف وتيمم به صح ، ولو أجنب وهو خارج المسجد والماء في المسجد لم يجز أن يدخل ويغتسل في المسجد لأنه يلبث لحظة مع الجنابة . قال البغوي : فإن كان معه إناء تيمم ثم دخل وأخرج فيه الماء للغسل ، وإن لم يكن إناء صلى بالتيمم ثم يعيد وهذا الذي قال فيه نظر وينبغي أن يجوز الغسل فيه إذا لم يجد غيره ولم يجد إناء ولا يكفي التيمم حينئذ لأنا جوزنا المرور في المسجد الطويل لغير حاجة ، فكيف يمتنع مكث لحظة لطيفة لضرورة لا مندوحة عنها . وإذا دخل للاستقاء لا يجوز أن يقف إلا قدر حاجة الاستقاء .



                                      ( فرع ) لو احتلم في مسجد له بابان أحدهما أقرب فالأولى أن يخرج من الأقرب ، فإن خرج من الأبعد لغرض بأن كانت داره في تلك الجهة ونحو ذلك لم يكره ، وإلا ففي الكراهة وجهان حكاهما المتولي بناء على المسافر [ ص: 200 ] إذا كان له طريقان يقصر أحدهما دون الآخر ، فسلك الأبعد لغير غرض ، هل يقصر ؟ فيه قولان .



                                      ( المسألة الثالثة ) يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين . وسواء قعد لغرض شرعي كانتظار صلاة أو اعتكاف أو سماع قرآن أو علم آخر أو وعظ أم لغير غرض ، ولا كراهة في ذلك . وقال المتولي : إن كان لغير غرض كره . ولا أعلم أحدا وافقه على الكراهة ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم كرهوا ذلك أو منعوا منه ، والأصل عدم الكراهة حتى يثبت نهي .



                                      ( الرابعة ) يجوز النوم في المسجد ولا كراهة فيه عندنا ، نص عليه الشافعي رحمه الله في الأم واتفق عليه الأصحاب ، قال ابن المنذر في الأشراف : رخص في النوم في المسجد ابن المسيب وعطاء والحسن والشافعي . وقال ابن عباس : لا تتخذوه مرقدا : وروي عنه : إن كنت تنام للصلاة فلا بأس . وقال الأوزاعي : يكره النوم في المسجد . وقال مالك : لا بأس بذلك للغرباء ولا أرى ذلك للحاضر . وقال أحمد وإسحاق : إن كان مسافرا أو شبهه فلا بأس ، وإن اتخذه مقيلا ومبيتا فلا ، قال البيهقي في السنن الكبير : روينا عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ما يدل على كراهيتهم النوم في المسجد . قال : فكأنهم استحبوا لمن وجد مسكنا أن لا يقصد النوم في المسجد . واحتج الشافعي ثم أصحابنا لعدم الكراهة بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " كنت أنام في المسجد وأنا شاب عزب " وثبت أن أصحاب الصفة كانوا ينامون في المسجد وأن العرنيين كانوا ينامون في المسجد . وثبت في الصحيحين : " أن عليا رضي الله عنه نام فيه " " وأن صفوان بن أمية نام فيه " وأن المرأة صاحبة الوشاح كانت تنام فيه " وجماعات آخرين من الصحابة . وأن ثمامة بن أثال كان يبيت فيه قبل إسلامه ; وكل هذا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الشافعي في الأم : وإذا بات المشرك في المسجد فكذا المسلم ، واحتج بنوم ابن عمر وأصحاب الصفة . وروى البيهقي عن ابن المسيب عن النوم في [ ص: 201 ] المسجد فقال : أين كان أصحاب الصفة ينامون ؟ يعني لا كراهة ، فإنهم كانوا ينامون فيه . قال الشافعي في المختصر : ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام ، قال أصحابنا : لا يمكن كافر من دخول حرم مكة ، وأما غيره فيجوز أن يدخل كل مسجد ويبيت به بإذن المسلمين ويمنع منه بغير إذن ، ولو كان الكافر جنبا فهل يمكن من اللبث في المسجد ؟ فيه وجهان مشهوران أصحهما : يمكن ، وستأتي المسألة مبسوطة حيث ذكرها المصنف في كتاب الجزية إن شاء الله تعالى



                                      ( الخامسة ) يجوز الوضوء في المسجد إذا لم يؤذ بمائه ، وممن صرح بجواز الوضوء في المسجد ويسقط الماء على ترابه صاحبا الشامل والتتمة ، فقالا في باب الاعتكاف : يجوز الوضوء في المسجد . والأولى أن يكون في إناء . وكذا صرح به غيرهما . قال البغوي في باب الاعتكاف : ويجوز نضح المسجد بالماء المطلق ولا يجوز بالمستعمل لأن النفس تعافه ، وهذا الذي قاله ضعيف ، والمختار الجواز بالمستعمل أيضا ، وسنوضحه في باب الاعتكاف إن شاء الله تعالى . قال ابن المنذر : أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلا أن يبله ويتأذى به الناس فإنه يكره ، هذا كلام ابن المنذر . ونقل أبو الحسن بن بطال المالكي الترخيص في الوضوء في المسجد عن ابن عمر وابن عباس وطاوس وعطاء والنخعي وابن القاسم المالكي وأكثر أهل العلم . وعن ابن سيرين ومالك وسحنون كراهته تنزيها للمسجد .



                                      ( السادسة ) لا بأس بالأكل والشرب في المسجد ، ووضع المائدة فيه ، وغسل اليد فيه ، وسيأتي بسط هذه المسائل بدلائلها ، وفروعها إن شاء الله تعالى ، حيث ذكرها المصنف في كتاب الاعتكاف .

                                      ( السابعة ) يكره لمن أكل ثوما ، أو بصلا ، أو كراثا ، أو غيرها مما له رائحة كريهة ، وبقيت رائحته ، أن يدخل المسجد من غير ضرورة ، للأحاديث [ ص: 202 ] الصحيحة في ذلك ، منها حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مسجدنا } " رواه البخاري ، ومسلم ، وفي رواية مسلم : " مساجدنا " وعن أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم : " { من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلين معنا } " رواه البخاري ومسلم ، وعن جابر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " { من أكل ثوما ، أو بصلا فليعتزلنا ، أو فليعتزل مسجدنا } " رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : " { من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ; فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم } " وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه { أنه خطب يوم جمعة ، فقال في خطبته : ثم إنكم - أيها الناس - تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين : هذا البصل والثوم ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخا } " رواه مسلم



                                      ( فرع ) لا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد لكن الأولى اجتنابه لقوله صلى الله عليه وسلم : { فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم } " والله أعلم .

                                      ( الثامنة ) ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها } " وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى بفروعها حيث ذكرها المصنف في آخر باب ما يفسد الصلاة .



                                      ( التاسعة ) يحرم البول والفصد والحجامة في المسجد في غير إناء ، ويكره الفصد والحجامة فيه في إناء ولا يحرم . وفي تحريم البول في إناء المسجد وجهان : أصحهما : يحرم ، وقد سبقت المسألة في باب الاستطابة . قال صاحب التتمة وغيره : ويحرم إدخال النجاسة إلى المسجد . فأما من على بدنه نجاسة أو به جرح فإن خاف تلويث المسجد حرم عليه دخوله ، وإن أمن لم يحرم ، قال المتولي : هو كالمحدث ودليل هذه المسائل حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن } " أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم .



                                      [ ص: 203 ] العاشرة ) قال الصيمري وصاحب البيان : يكره غرس الشجر في المسجد ، ويكره حفر البئر فيه قالوا : لأنه بناء في مال غيره وللإمام قلع ما غرس فيه .



                                      ( الحادية عشرة ) تكره الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة وكذا البيع والشراء والإجارة ونحوه من العقود هذا هو الصحيح المشهور . وللشافعي قول ضعيف أنه لا يكره البيع والشراء . وسأذكر المسألة مبسوطة في آخر كتاب الاعتكاف حيث ذكرها المصنف والشافعي والأصحاب إن شاء الله تعالى . ودليل هذه المسائل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك ، فإن المساجد لم تبن لهذا } " رواه مسلم . وفي رواية الترمذي : " { إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا لا رد الله عليك ضالتك } " . قال الترمذي : حديث حسن . وعن بريدة رضي الله عنه { أن رجلا نشد في المسجد فقال : من دعا إلى الجمل الأحمر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له } " رواه مسلم وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر } " رواه أبو داود والترمذي والنسائي ، قال الترمذي : حديث حسن . وعن السائب بن يزيد قال : " كنت في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال : من أين أنتما ؟ فقالا من أهل الطائف فقال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم " رواه البخاري والله أعلم .



                                      ( فرع ) لا بأس بأن يعطي السائل في المسجد شيئا لحديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا ؟ فقال أبو بكر : دخلت المسجد [ ص: 204 ] فإذا أنا بسائل يسأل فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن ، فأخذتها فدفعتها إليه } " رواه أبو داود بإسناد جيد .



                                      ( الثانية عشرة ) قال المتولي وغيره : يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد لأنه لا يؤمن تلويثهم إياه . ولا يحرم ذلك لأنه ثبت في الصحيحين { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى حاملا أمامة بنت زينب رضي الله عنهما وطاف على بعيره } ولا ينفي هذا الكراهة لأنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز فيكون حينئذ أفضل في حقه فإن البيان واجب وقد سبق نظير هذا في الوضوء مرة مرة .



                                      ( الثالثة عشرة ) يكره أن يجعل المسجد مقعدا لحرفة كالخياطة ونحوها لحديث أنس السابق في المسألة التاسعة ، فأما من ينسخ فيه شيئا من العلم أو اتفق قعوده فيه فخاط ثوبا ولم يجعله مقعدا للخياطة فلا بأس به .



                                      ( الرابعة عشرة ) يجوز الاستلقاء في المسجد على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى وتشبيك الأصابع ونحو ذلك . ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كله .



                                      ( الخامسة عشرة ) يستحب عقد حلق العلم في المساجد وذكر المواعظ والرقائق ونحوها والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة



                                      ( فرع ) يجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحا لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قام ، قال : وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم } " رواه مسلم .



                                      ( السادسة عشرة ) لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان مدحا للنبوة أو الإسلام أو كان حكمة أو في مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من أنواع الخير ، فأما ما فيه شيء مذموم كهجو مسلم أو صفة الخمر أو ذكر [ ص: 205 ] النساء أو المرد أو مدح ظالم أو افتخار منهي عنه . أو غير ذلك فحرام لحديث أنس السابق في المسألة التاسعة . فمما يحتج به للنوع الأول حديث سعيد بن المسيب قال : { مر عمر بن الخطاب في المسجد وحسان ينشد الشعر فلحظ إليه فقال : كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك . ثم التفت إلى أبي هريرة فقال : أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أجب عني اللهم أيده بروح القدس ؟ قال نعم } " رواه البخاري ومسلم ، ومما يحتج به للنوع الثاني حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن تناشد الأشعار في المسجد } " حديث حسن رواه النسائي بإسناد حسن .



                                      ( السابعة عشرة ) يسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يرى فيه من نخامة أو بصاق أو نحو ذلك ، ثبت في الصحيحين عن أنس { رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بصاقا في المسجد فحكه بيده } ، وفي الصحيح أحاديث كثيرة في هذا وهو مجمع عليه .



                                      ( الثامنة عشرة ) من البدع المنكرة ما يفعل في كثير من البلدان من إيقاد القناديل الكثيرة العظيمة السرف في ليال معروفة من السنة كليلة نصف شعبان ، فيحصل بسبب ذلك مفاسد كثيرة منها مضاهاة المجوس في الاعتناء بالنار والإكثار منها ، ومنها إضاعة المال في غير وجهه ، ومنها ما يترتب على ذلك في كثير من المساجد من اجتماع الصبيان وأهل البطالة ولعبهم ، ورفع أصواتهم ، وامتهانهم المساجد وانتهاك حرمتها وحصول أوساخ فيها وغير ذلك من المفاسد التي يجب صيانة المسجد من أفرادها .



                                      ( التاسعة عشرة ) السنة لمن دخل المسجد ومعه سلاح أن يمسك على حده كنصل السهم وسنان الرمح ونحوه لحديث جابر رضي الله عنه أن رجلا مر بسهام في المسجد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم { أمسك بنصالها } رواه البخاري ومسلم . وعن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " { من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك [ ص: 206 ] أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء } رواه البخاري ومسلم .



                                      ( العشرون ) السنة للقادم من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين } " رواه البخاري ومسلم .



                                      ( الحادية والعشرون ) ينبغي للجالس في المسجد لانتظار صلاة أو اشتغال بعلم أو لشغل آخر أو لغير ذلك من طاعة ومباح أن ينوي الاعتكاف فإنه يصح عندنا ، وإن قل زمانه .



                                      ( الثانية والعشرون ) قال الصيمري وغيره من أصحابنا : لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة لصيانته أو لحفظ آلاته هكذا قالوه وهذا إذا خيف امتهانها ، وضياع ما فيها ، ولم يدع إلى فتحها حاجة ، فأما إذا لم يخف من فتحها مفسدة ولا انتهاك حرمتها ، وكان في فتحها رفق بالناس فالسنة فتحها . كما لم يغلق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه ولا بعده .



                                      ( الثالثة والعشرون ) يكره لداخل المسجد أن يجلس فيه حتى يصلي ركعتين ، وستأتي المسألة بفروعها في باب صلاة التطوع إن شاء الله تعالى .

                                      ( الرابعة والعشرون ) ينبغي للقاضي أن لا يتخذ المسجد مجلسا للقضاء ، فإن جلس فيه لصلاة أو غيرها فاتفقت حكومة ، فلا بأس بالقضاء فيها فيه ; وستأتي المسألة مبسوطة في كتاب الأقضية إن شاء الله تعالى .

                                      ( الخامسة والعشرون ) يكره أن يتخذ على القبر مسجد للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك ، وأما حفر القبر في المسجد ، فحرام شديد التحريم ، وستأتي المسألة بفروعها الكثيرة إن شاء الله تعالى حيث ذكرها المصنف في آخر الجنائز .



                                      [ ص: 207 ] السادسة والعشرون ) حائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد في وجوب صيانته وتعظيم حرماته ، وكذا سطحه ، والبئر التي فيه ، وكذا رحبته ، وقد نص الشافعي والأصحاب رحمهم الله على صحة الاعتكاف في رحبته وسطحه وصحة صلاة المأموم فيهما مقتديا بمن في المسجد .



                                      ( السابعة والعشرون ) السنة لمن أراد دخول المسجد أن يتفقد نعليه ويمسح ما فيهما من أذى قبل دخوله ، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " { إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما } " حديث حسن رواه أبو داود بإسناد صحيح .



                                      ( الثامنة والعشرون ) يكره الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي إلا لعذر لحديث أبي الشعثاء قال : " { كنا قعودا مع أبي هريرة رضي الله عنه في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة : أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم } رواه مسلم ، .



                                      ( التاسعة والعشرون ) يستحب أن يقول عند دخوله المسجد : أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ، باسم الله والحمد لله اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وسلم ، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج من المسجد قال مثله إلا أنه يقول : وافتح لي أبواب فضلك ، ويقدم برجله اليمنى في الدخول ، واليسرى في الخروج ، فأما تقديم اليمنى واليسرى فتقدم دليله في صفة الوضوء في فضل غسل اليدين . وأما هذه الأذكار فقد جاءت بها أحاديث متفرقة . جمعتها في كتاب الأذكار بعضها في صحيح مسلم ، ومعظمها في سنن أبي داود والنسائي ، وقد أوضحتها في الأذكار ، فإن طال عليه هذا كله فليقتصر على ما في مسلم { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل أحدكم المسجد فليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك من فضلك } .



                                      [ ص: 208 ] الثلاثون ) لا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد كحجر وحصاة وتراب وغيره . وقد سبق في هذه المسألة تحريم التيمم بتراب المسجد ومثله الزيت والشمع الذي يسرج فيه ، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة . قال بعض الرواة : أراه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد } .



                                      ( الحادية والثلاثون ) يسن بناء المساجد وعمارتها وتعهدها وإصلاح ما تشعث منها لحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من بنى لله تعالى مسجدا بنى الله له مثله في الجنة } " رواه البخاري ومسلم ، ويجوز بناء المسجد في موضع كان كنيسة وبيعة أو مقبرة درست إذا أصلح ترابها ، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس : " { أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه قبور المشركين فنبشت } " وجاء في الكنيسة والبيعة أحاديث منها حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد أهل الطائف حيث كانت طواغيتهم } " رواه أبو داود بإسناد جيد .



                                      ( فرع ) يكره زخرفة المسجد ونقشه وتزيينه للأحاديث المشهورة ، ولئلا تشغل قلب المصلي ، وفي سنن البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : { ابنوا المساجد واتخذوها جما } " وعن ابن عمر " { نهانا أو نهينا أن يصلى في مسجد مشرف } " قال أبو عبيد : الجم التي لا شرف لها .



                                      ( الثانية والثلاثون ) في فضل المساجد في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها . وأبغض البلاد إلى الله أسواقها } " والأحاديث في فضلها كثيرة ولا بأس أن يقال مسجد فلان ومسجد بني فلان على سبيل التعريف .



                                      ( الثالثة والثلاثون ) المصلى المتخذ للعيد وغيره ، الذي ليس بمسجد لا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض على المذهب . وبه قطع الجمهور ، وذكر الدارمي فيه وجهين وأجراهما في منع الكافر من دخوله بغير إذن ذكره في باب صلاة العيد وقد يحتج له بحديث أم عطية في الصحيحين " { أن النبي [ ص: 209 ] صلى الله عليه وسلم أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد ويعتزلن المصلى } ويجاب عنه : بأنهن أمرن باعتزاله ليتسع على غيرهن وليتميزن والله أعلم




                                      الخدمات العلمية