الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة مكة أفضل بلاد الله

جزء التالي صفحة
السابق

روينا من طريق البزار نا محمد بن عمر بن هياج نا الفضيل بن دكين أبو نعيم نا محمد بن قيس عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه أبي موسى قال { : مرض سعد بمكة فأتاه النبي عليه السلام يعوده فقال له يا رسول الله أليس تكره أن يموت الرجل في الأرض التي هاجر منها ؟ قال : بلى } وذكر باقي الخبر ، فهذا نص ما قلنا - والحمد لله رب العالمين .

ومنها : { اللهم إنك أخرجتني من أحب بلادك إلي فأسكني أحب البلاد إليك } [ ص: 334 ] وهذا موضوع من رواية محمد بن الحسن بن زبالة المذكور عن محمد بن إسماعيل عن سليمان بن بريدة وغيره مرسل .

ومنها : المدينة خير من مكة - هكذا تصريح روينا من طرق .

أحدها :

من رواية محمد بن الحسن بن زبالة صاحب هذه الفضائح كلها المنفرد بوضعها عن يحيى بن عبد الرحمن عن عمرة بنت عبد الرحمن عن رافع بن خديج قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والثاني :

من طريق محمد بن عبد الرحمن بن الرداد بن عبد الله بن شريح بن مالك القرشي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن رافع بن خديج عن النبي عليه السلام ، ومحمد بن عبد الرحمن هذا مجهول لا يدريه أحد .

والثالث :

من طريق عبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن الرداد المذكور عن يحيى بن سعيد عن عمرة قال رافع : قال رسول الله عليه السلام ، وعبد الله بن نافع هذا ضعيف بلا خلاف ، وابن الرداد مجهول - ومثل هذا الشارع العجيب لا يجوز أن يسلك عليه إلا على هذه الزوايغ الوحشة .

وهذا الخبر رويناه من طريق مسلم بإسناد في غاية الصحة ، قال مسلم " نا عبد الله بن مسلمة القعنبي نا سليمان بن بلال عن عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير بن مطعم قال : خطب مروان فذكر مكة وأهلها وحرمتها [ ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها ] فناداه رافع بن خديج [ فقال ] أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها ، وقد حرم رسول الله عليه السلام ما بين لابتيها وذلك عندنا في أديم خولاني إن شئتم أقرأتكم فقال مروان : قد سمعت بعض ذلك " . قال أبو محمد : فهكذا كان الحديث فبدله أهل الزيغ عصبية عجل الله - تعالى - لهم بها الفضيحة في الكذب على رسول الله عليه السلام وصفة الحماقة ، ونعوذ بالله من كل ذلك .

قال علي : هذا كل ما موهوا به قد أوضحناه ; وبالله - تعالى - التوفيق . [ ص: 335 ]

ثم نورد الآثار الصحيحة والبراهين الواضحة في فضل مكة على المدينة وغيرها ، أول ذلك : حبس الله - تعالى - الفيل عنها وإهلاكه جيش راكبه إذ أراد غزو مكة .

ثم { قول رسول الله عليه السلام في غزوة الحديبية إذ بركت ناقته فقال الناس : خلأت فقال النبي عليه السلام : ما خلأت ولا هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل } ، وقال - تعالى - { : ومن دخله كان آمنا } ، وقال - تعالى - { : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين } ، وقال - تعالى - { : إن الصفا والمروة من شعائر الله } ، وقال - تعالى - { : ثم محلها إلى البيت العتيق } ، وقال - تعالى - { : أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } ، ثم جعل الله - تعالى - فيها تمام الصلاة ، والحج ، والعمرة ، فهي القبلة التي لا تقبل صلاة إلا بالقصد نحوها ، وإليها الحج المفترض ، والعمرة المفترضة ، وإنما فرضت الهجرة إلى المدينة ما لم تفتح مكة فلما فتحت بطلت الهجرة ، فهذه الفضيلة لمكة ثم للمدينة ، وأمر عليه السلام أن لا يسفك فيها دم ، وأخبر أن الله - تعالى - حرمها يوم خلق السموات والأرض ، ولم يحرمها الناس ونهى عليه السلام أن يستقبلها أحد أو يستدبرها ببول أو غائط .

روينا من طريق البخاري نا محمد بن عبد الله نا عاصم بن علي نا عاصم بن محمد هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - عن واقد بن محمد - هو أخوه - قال : سمعت أبي - هو محمد بن زيد - قال : قال عبد الله بن عمر { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا شهرنا هذا . قال : ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا بلدنا هذا . قال : ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا يومنا هذا . قال : فإن الله - تعالى - حرم عليكم دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم ، إلا بحقها كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا من شهركم هذا ألا هل [ ص: 336 ] بلغت ؟ ثلاثا ، كل ذلك يجيبونه : ألا نعم } .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير - عن الأعمش عن أبي صالح السمان عن جابر بن عبد الله قال : { قال رسول الله عليه السلام في حجته : أتدرون أي يوم أعظم حرمة ؟ فقلنا : يومنا هذا قال : فأي بلد أعظم حرمة ؟ فقلنا : بلدنا هذا } ثم ذكر مثل حديث ابن عمر .

فهذان : جابر ، وابن عمر يشهدان : أن رسول الله عليه السلام قرر الناس على أي بلد أعظم حرمة فأجابوه بأنه مكة وصدقهم في ذلك ، وهذا إجماع من جميع الصحابة في إجابتهم إياه عليه السلام بأن بلدهم ذلك ، وهم بمكة ، فمن خالف هذا فقد خالف الإجماع .

فصح بالنص والإجماع أن مكة أعظم حرمة من المدينة ، وإذا كانت أعظم حرمة من المدينة فهي أفضل بلا شك ; لأن أعظم الحرمة لا يكون إلا للأفضل ولا بد ، لا للأقل فضلا .

روينا من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة { أن رسول الله عليه السلام كان بالحجون فقال : والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي ولو لم أخرج منك ما خرجت ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي } وذكر باقي الحديث .

ومن طريق سعيد بن منصور نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص عن أبي سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف - عن أبي هريرة { أن رسول الله عليه السلام وقف بالحجون فقال : إنك خير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولو تركت فيك ما خرجت منك } وذكر باقي الحديث .

ومن طريق أحمد بن شعيب نا سلمة بن شبيب ، وقتيبة بن سعيد ، وإسحاق بن منصور قال سلمة : عن إبراهيم بن خالد قال : سمعت معمرا عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال : { قال رسول الله عليه السلام وهو في سوق [ ص: 337 ] الجزورة بمكة : والله إنك لخير أرض الله وأحب البلاد إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت } .

وقال قتيبة : نا الليث وهو ابن سعد - عن عقيل بن خالد ، وقال إسحاق : نا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف نا أبي عن صالح بن كيسان ; ثم اتفق عقيل ، وصالح ، وكلاهما عن الزهري : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف : { أن عبد الله بن عدي ابن الحمراء أخبره أنه سمع رسول الله عليه السلام وهو واقف على راحلته بالجزورة من مكة يقول لمكة : والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت } .

لم يختلف عقيل ، وصالح ، في شيء من لفظه عليه السلام ، إلا أن عقيلا قال : عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عدي ابن الحمراء - وعبد الله هذا مشهور من الصحابة زهري النسب .

نا أحمد بن عمر بن أنس نا أبو ذر الهروي نا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن حميرويه نا علي بن محمد بن عيسى نا أبو اليمان هو الحكم بن نافع - أخبرني شعيب هو ابن أبي حمزة - عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الله بن عدي بن الحمراء أخبره : أنه سمع رسول الله عليه السلام يقول وهو واقف بالجزورة في سوق مكة : { والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت } فارتفع الإشكال جملة - ولله الحمد .

وهذا خبر في غاية الصحة رواه عن النبي عليه السلام أبو هريرة ، وعبد الله بن عدي - ورواه عنهما أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ورواه عن أبي سلمة الزهري ومحمد بن عمرو بن علقمة .

ورواه عن محمد بن عمرو حماد بن سلمة ، والدراوردي - ورواه عن الزهري أصحابه الثقات : معمر ، وشعيب بن أبي حمزة ، وعقيل ، وصالح بن كيسان - ورواه أيضا عنه يونس بن زيد ، وعبد الرحمن بن خالد . [ ص: 338 ]

ورواه عن هؤلاء الجمع الغفير ، ولا مقال لأحد بعد هذا .

حدثنا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري نا عبد الوارث بن سفيان بن جبرون نا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير ، وأبو يحيى بن أبي مرة قالا جميعا : نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد عن حبيب المعلم نا عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله عليه السلام : { صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة } .

قال أحمد بن زهير : سألت يحيى بن معين عن حبيب المعلم فقال : ثقة ، وقال أحمد بن حنبل : حبيب المعلم ثقة ما أصح حديثه ، هذا لفظ أحمد بن زهير .

وقال ابن أبي مرة في روايته { صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي } .

ورويناه أيضا من طريق محمد بن عبيد بن حساب عن حماد بن زيد بلفظه وإسناده - ورويناه أيضا من طريق أبي معاوية عن موسى الجهني عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام .

حديث ابن الزبير صحيح فارتفع الإشكال جملة ، والحمد لله .

فروي القطع بفضل مكة على المدينة كما أوردنا عن النبي عليه السلام : جابر ، وأبو هريرة ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وعبد الله بن عدي . خمسة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ، منهم ثلاثة مدنيون بأسانيد في غاية الصحة .

ورواها عن هؤلاء : أبو صالح السمان ، ومحمد بن زيد بن عبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وعطاء بن أبي رباح ، منهم ثلاثة مدنيون .

ورواه عن هؤلاء : عاصم بن محمد ، والأعمش ، ومحمد بن عمرو بن علقمة ، والزهري ، وحبيب المعلم ، منهم ثلاثة مدنيون .

ورواه عن هؤلاء : واقد بن محمد ، وأبو معاوية محمد بن حازم الضرير ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ، ومعمر ، وشعيب بن أبي حمزة [ ص: 339 ] وعقيل بن خالد ، وصالح بن كيسان ، وعبد الرحمن بن خالد ، ويونس بن زيد منهم : ثلاثة مدنيون .

ورواه عن هؤلاء من لا يحصى كثرة - والحمد لله رب العالمين .

وقد ذكرنا أنه قول جميع الصحابة ، وقول عمر بن الخطاب مرويا عنه .

وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن أسلم المنقري : قلت لعطاء : آتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي فيه ؟ قال : فقال لي عطاء : طواف واحد أحب إلي من سفرك إلى المدينة .

وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وسفيان ، وأحمد ، وأبي سليمان ، وغيرهم - وبالله - تعالى - التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث