الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استعمال واقتناء كل إناء طاهر

جزء التالي صفحة
السابق

( وما ضبب ) من إناء ( بذهب أو فضة ) ( ضبة كبيرة لزينة حرم ) استعماله واتخاذه ، ومثله ما إذا كانت مع كبرها بعضها لزينة وبعضها لحاجة ، وكأن وجهه أنه لما انبهم ولم يتميز عما للحاجة غلب وصار [ ص: 106 ] المجموع كأنه للزينة ، وعليه لو تميز الزائد على الحاجة كان له حكم ما للزينة وهو ظاهر ( أو صغيرة بقدر الحاجة فلا ) يحرم ولا يكره ، فإن كان بعضها لزينة وبعضها لحاجة جازت مع الكراهة ( أو صغيرة لزينة أو كبيرة لحاجة جاز في الأصح ) نظرا للصغر وللحاجة لكن مع الكراهة ، وشملت الضبة للحاجة ما لو عمت جميع الإناء وهو كذلك ، والقول بأنها لا تسمى حينئذ ضبة ممنوع ، والثاني ينظر إلى الزينة والكبر ، وأصل ضبة الإناء ما يصلح به خلله من صفيحة أو غيرها وإطلاقها على ما هو للزينة توسع ، ومرجع الكبيرة والصغيرة العرف ، فإن شك في الكبر فالأصل الإباحة .

ولا يشكل ذلك مما سيأتي في اللباس من أنه لو شك في ثوب فيه حرير وغيره أيهما أكثر أنه يحرم استعماله أو شك في التفسير هل هو أكثر من القرآن أو لا فإنه يحرم على المحدث مسه ; لأنا نقول : ملابسة الثوب للبدن أشد من ملابسة الضبة له فاحتيط ثم ما لا يحتاط له هنا ، وأما التفسير فإنما حرم مع الشك تغليبا لجانب التعظيم ، والمراد بالحاجة غرض الإصلاح لا العجز عن غير النقدين ; لأن العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الذي كله من ذهب أو فضة فضلا عن المضبب ، وتوسع المصنف كما قاله الشارح في نصب الضبة بفعلها نصب المصدر : أي لأن انتصاب الضبة على المفعول المطلق فيه توسع على خلاف الأكثر ، إذ أكثر ما يكون المفعول المطلق مصدرا وهو اسم الحدث الجاري على الفعل كما في نحو { وكلم الله موسى تكليما } .

لكنهم صرحوا بأنه قد ينوب عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق أشياء كالمشارك للمصدر في حروفه التي صيغته بنيت منها ، ويسمى المشارك في المادة وهو أقسام منها ما يكون اسم عين لا حدث كالضبة فيما نحن فيه وكما في قوله تعالى { والله أنبتكم من الأرض نباتا } فضبة اسم عين مشارك لمصدر ضبب وهو التضبيب في مادته فأنيب منابه في انتصابه على المفعول المطلق . والأصل في جواز ما تقدم ما رواه البخاري { أن قدحه صلى الله عليه وسلم الذي كان يشرب فيه كان مسلسلا [ ص: 107 ] بفضة لانصداعه : أي مشعبا بخيط فضة لانشقاقه ، قال أنس : لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا كذا وكذا } والظاهر أن الإشارة عائدة للإناء بصفته التي هو عليها عنده واحتمال عودها إليه مع قطع النظر عن ذلك بصفته خلاف الظاهر فلا يعول عليه ، وسمر الدراهم في الإناء لا طرحها فيه كالتضبيب ، ولا يحرم شربه وفي فمه نحو فضة ، ولو جعل للإناء رأسا من فضة كصفيحة بحيث لا يمكن وضع شيء فيه جاز ما لم يضع عليه شيئا فيحرم كما هو ظاهر ; لأنه استعمال له فهو إناء بالنسبة إليه وإن لم يسم إناء على الإطلاق نظير الخلال والمرود ، والأوجه كما قاله بعضهم أن المدار على إمكان الانتفاع به وحده وعدمه لا بسمره فيه وعدمه أو سلسله منها ، فكذلك كان لمحض الزينة اشترط صغرهما عرفا كالضبة فيما يظهر ، ولا يلحق بغطاء الإناء غطاء العمامة وكيس الدراهم إذا اتخذهما من حرير خلافا للإسنوي إذ تغطية الإناء مستحبة بخلاف العمامة ، أما كيس الدراهم فلا حاجة إلى اتخاذه منه .

وألحق صاحب الكافي في احتمال له طبق الكيزان بغطاء الكوز ، والمراد منه صفيحة فيها ثقب للكيزان وفي إباحته بعد ، فإن فرض عدم تسميته إناء وكانت الحرمة منوطة بها فلا بعد فيه حينئذ بالنسبة لاتخاذه واقتنائه ، أما وضع الكيزان عليه فاستعمال له . والمتجه الحرمة نظير ما مر في وضع الشيء على رأس الإناء . وقد بلغ بعضهم الأوجه في مسائل الضبة والإناء والتمويه إلى اثني عشر ألف وجه وأربعمائة وعشرين وجها مع عدم تعرضه للخلاف في ضبط الضبة ، ولو تعرض له لزاد معه العدد على ذلك زيادة كثيرة ( وضبة موضع الاستعمال ) نحو الشرب ( كغيره ) فيما ذكر ( في الأصح ) ; لأن الاستعمال منسوب إلى الإناء كله ، ولأن معنى العين والخيلاء لا تختلف ، والثاني يحرم إناؤها مطلقا لمباشرتها بالاستعمال ; ولو تعددت ضبات صغيرات لزينة فمقتضى كلامهم حلها ، ويتعين حمله على ما إذا لم يحصل من مجموعها قدر ضبة كبيرة ، وإلا فالأوجه تحريمها لما فيها من الخيلاء ، وبه فارق ما يأتي فيما لو تعدد الدم المعفو عنه ولو اجتمع لكثر على أحد الوجهين فيه .

قلت : المذهب تحريم إناء ( ضبة الذهب مطلقا ، والله أعلم ) إذ الخيلاء فيه أشد من الفضة وبابها أوسع بدليل جواز الخاتم منها للرجل ، ومقابل المذهب أن الذهب كالفضة في التفصيل المتقدم .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : استعماله ) : سكت عن نفس الفعل الذي هو التضبيب فهل يحرم مطلقا كالتمويه أو يفرق بما تقدم من تعليل حرمة التمويه مطلقا [ ص: 106 ] بأنه إضاعة مال ، ولعل الثاني أقرب ا هـ سم على حج رحمه الله ( قوله : كان له حكم ما للزينة ) أي فيحرم جميعه ، لكن هذا مشكل على ما قدمه من التعليل بإبهام ما للزينة ، فالأولى جعل الضمير للزائد وعليه فلا إشكال في كلامه رحمه الله ( قوله : فالأصل الإباحة ) المراد بالإباحة ما قابل الحرمة ثم إن كانت لزينة كرهت أو لحاجة فلا فيما يظهر فتأمل . وبقي ما لو شك هل الضبة للزينة أو للحاجة ؟ فيه نظر ، والأقرب الحل مع الكراهة أخذا من قوله الأصل الإباحة ( قوله : ملابسة الثوب للبدن ) قضيته أنه لا فرق في الثوب بين كونه منسوجا من قطن أو حرير ، وكون أصله من القطن مثلا ثم طرز بالحرير .

[ فرع ] وقع السؤال عن دق الذهب والفضة وأكلهما منفردين أو مع انضمامهما لغيرهما من الأدوية ، هل يجوز ذلك كغيره من سائر الأدوية أم لا يجوز لما فيه من إضاعة المال ؟ والجواب عنه أن الظاهر أن يقال فيه : إن الجواز لا شك فيه حيث ترتب عليه نفع ، بل وكذا إن لم يحصل منه ذلك لتصريحهم في الأطعمة بأن الحجارة ونحوها لا يحرم منها إلا ما أضر بالبدن أو العقل .

وأما تعليل الحرمة بإضاعة المال فممنوع ; لأن الإضاعة إنما تحرم حيث لم تكن لغرض ، وما هنا لقصد التداوي ، وصرحوا بجواز التداوي باللؤلؤ في الاكتحال وغيره وربما [ ص: 107 ] زادت قيمته على الذهب ( قوله : أي مشعبا ) قال في الصحاح : يقال قصعة مشعبة : أي شعبت في مواضع منها ا هـ . وعبارة العباب : ويقال قصعة مشعبة : أي شعبت في مواضع منها ، والتشديد للتكثير ا هـ بحروفه ( قوله : كذا وكذا ) أي مرات كثيرة ( قوله : عن ذلك ) أي الإشارة : أي عن كونها إليه بصفته ، والأولى أن يقول عن صفته بدل لفظ عن ذلك فتصير العبارة هكذا : واحتمال عودها إليه مع قطع النظر عن قوله بصفته خلاف الظاهر ( قوله : ولا يحرم شربه ) قد يشعر الاقتصار على نفي الحرمة بكراهة ذلك ولعله غير مراد ، ثم رأيت الخطيب على أبي شجاع صرح بنفي الكراهة أيضا رحمه الله ( قوله أو سلسله منها ) أي الفضة ، وقوله فكذلك : أي يجوز ( قوله : منوطة بها ) أي بالتسمية .



حاشية المغربي

( قوله : كان له ) أي للزائد كما هو ظاهر : أي فإن كان كبيرا في نفسه عرفا حرم وإلا فلا ( قوله : فإن شك في الكبر ) أي ولم ينبههم كما علم مما مر ( قوله : لكنهم صرحوا إلخ ) كأنه فهم أن الشارح الجلال حكم على المصنف بأنه توسع فيما ذكر من عند نفسه من غير سند حتى استدرك عليه بما ذكر .

والظاهر أن هذا ليس مراده ، وإنما مراده أنه توسع كما توسعوا بنصب هذه المذكورات على المفعولية المطلقة مع مخالفة الأصل ( قوله : وكما في نحو قوله تعالى { والله أنبتكم من الأرض نباتا } ) في كون نباتا هنا اسم عين نظر ، والظاهر أنه مصدر فليراجع . [ ص: 107 ]

( قوله : عن ذلك بصفته ) حق العبارة عن صفته .

واعلم أن ابن الصلاح وغيره بينوا أن الذي سلسل الإناء هو أنس بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الشهاب ابن قاسم : ومع ذلك فالاحتجاج باق لعدم إنكار الصحابة عليه ( قوله : فيحرم ) أي الوضع ( قوله : ، والأوجه كما قاله بعضهم أن المدار على إمكان الانتفاع به ) أي المذكور في قوله فيما مر بحيث لا يمكن وضع شيء عليه ، وحاصله أن المراد بإمكان ذلك فيه بالنظر إليه في حد ذاته وإن منع منه نحو تسميره هكذا ظهر فليتأمل ( قوله : وكانت الحرمة منوطة ) هو كذلك بالنسبة للاتخاذ ( قوله : إناؤها ) أي الضبة التي في محل الاستعمال .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث