الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة صيد البحر وفيه ثلاثة أقوال

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { صيد البحر } : وفيه ثلاثة أقوال :

الأول : ما صيد منه على معنى تسمية المفعول بالفعل حسبما تقدم بيانه .

الثاني : هو حيتانه ; قاله مجاهد .

الثالث : السمك الجري ; قاله ابن جبير .

وهذه الأقوال الثلاثة ترجع إلى قول واحد ، وهي حيتانه تفسيرا ، ويرجع من طريق الاشتقاق إلى أنه أراد ما حوول أخذه بحيلة وعمل ، ويدخل تحت قوله : ما صيد منه ، وهو أصل المسألة ، فكأنه قال : " أحل لكم أخذ ما في البحر من الحيتان بالمحاولة ، وأحل لكم طعامه ، وهو ما أخذ بغير محاولة " وهي :

المسألة الرابعة : والذي يؤخذ بغير محاولة ولا حيلة على قسمين :

أحدهما : ما طفا عليه ميتا .

والثاني : ما جزر عنه الماء ، فأخذه الناس .

وكذلك اختلف الناس في قوله تعالى : { وطعامه } : على ثلاثة أقوال :

الأول : ما جزر عنه . [ ص: 197 ]

والثاني : ما طفا عليه ; قاله أبو بكر وعمر وقتادة ، وهي رواية معن عن سفيان ، قال : صيد البحر ما صيد ، وطعامه ميتته .

الثالث : مملوحه ; قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ، وقد روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه ، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه } . وقال أبو داود : الصحيح أنه موقوف على جابر .

وروى مالك والنسائي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في البحر : هو الطهور ماؤه الحل ميتته } . وهذا نص لا غبار عليه ، ولا كلام بعده ، والله أعلم .

وتعلق أصحاب أبي حنيفة الذين قالوا : إن ميتة البحر حرام بعموم قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } وهي كل حيوان مات حتف أنفه من غير ذكاة .

وقد بينا أن هذا الحديث يخص هذا العموم ، لا سيما وقد قال به الخليفتان أبو بكر وعمر ، وثبت بحديث جابر { عن أبي عبيدة ما تقدم من أكلهم الحوت الميت في غزاة سيف البحر ، ومن ادخارهم منه جزءا ، حتى لقوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منه } . [ ص: 198 ] فإن قيل : هذه الآية إنما سيقت لبيان ما يحرم بالإحرام ، وما لا يحرم به ، لا لبيان ما حرم بنفسه . وإنما بيان هذه الحرمة في قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } إلى آخرها . والمراد بالحديث السمك المذكور . وفي الحديث الآخر ، وهو قوله : أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد . وهذه عمدة أصحاب أبي حنيفة .

قلنا : هذا قلب المبنى ، وإفساد المعنى لأن هذه الآية التي نحن فيها إنما جاءت لبيان تحليل الصيد ، وهو أخذ ما لا قدرة للعبد عليه ، ولا أنس له به ، وصفة تذكيته حتى يحل ، ولهذا قلنا : إن الله سبحانه خاطب به المحلين ، فبين ركن التحليل في ذلك وأخذه بالقهر والحيلة في كباره ، وباليسر في صغاره ، ثم أطلق تحليل صيد البحر في بابه ، وزاد ما لا يصاد منه ; وإنما يرميه البحر رميا ، ثم قيد تحريم صيد البر خاصة بالإحرام ، وبقي الباقي على أصل الإباحة .

فأما المحرمات وأجناسها فقد تقدم في صدر السورة وغيرها .

وأما قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } فهو عام خصصه : هو الطهور ماؤه الحل ميتته ، في ميتة الماء خاصة .

وأما حديث : { أحلت لنا ميتتان ودمان } ; فلم يصح فلا يلزمنا عنه جواب ، ثم نقول : إنه لو كان صحيحا لكان قوله : السمك عبارة عن كل ما في البحر ، اسم عام . وقد يطلق بالعرف في بعضها فيحمل على أصل الإطلاق ، ألا ترى إلى قولهم عندنا لبعض الحوت في بعض البلدان سمك دون سائرها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث