الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الرابعة : { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } : دليل على أنهم لا يقربون مسجدا سواه ; لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم ، والحرمة موجودة في المسجد .

                                                                                                                                                                                                              وقد اختلف الناس في هذا كثيرا ; فرأى الشافعي أن هذا مخصوص بالمسجد الحرام لا يتعداه إلى غيره من المساجد .

                                                                                                                                                                                                              وهذا جمود منه على الظاهر الذي يسقط هذا الظاهر ، فإن الله لم يقل : لا يقرب هؤلاء المسجد الحرام ، فيكون الحكم مقصورا عليهم ولو قال : لا يقرب المشركون والأنجاس المسجد الحرام لكان تنبيها على التعليل بالشرك أو النجاسة ، أو العلتين جميعا ، بل أكد الحال بيان العلة وكشفها ، فقال : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام } : يريد ولا بد لنجاستهم ، فتعدت العلة إلى كل موضع محترم بالمسجدية .

                                                                                                                                                                                                              ومما قاله مع غيره من الناس أن الكافر يجوز له دخول المسجد بإذن المسلم ، واستدل عليه بأن { النبي صلى الله عليه وسلم ربط ثمامة بن أثال في المسجد وهو مشرك } . قال علماؤنا : هذا الحديث صحيح

                                                                                                                                                                                                              ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان علم إسلامه ، وهذا وإن سلمناه فلا يضرنا ; لأن علم النبي بإسلامه في المآل لا يحكم له به في الحال .

                                                                                                                                                                                                              ، وقال جابر بن عبد الله : العموم بمنع المشركين عن قربان المسجد الحرام مخصوص في العبد والأمة .

                                                                                                                                                                                                              وهذا قول باطل ، وسند ضعيف لا يخص بمثله العمومات المطلقة ، فكيف المعللة بالعلة العامة المتناولة لجميعها ، وهي الشرك ؟ [ ص: 470 ] المسألة الخامسة : قال سعيد بن المسيب : هذا القول والحكم إنما هو في المسجد الحرام . فأما مسجد المدينة فلا يزيد فضلا على غيره ; إذ قد دخل أبو سفيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك عند إقباله لتجديد العهد قبل فتح مكة حين خشي نقض الصلح بما أحدثه بنو بكر على خزاعة .

                                                                                                                                                                                                              قال القاضي : وهذا ضعيف ، ولو صح فإن الجواب عنه ظاهر ، وذلك أن دخول ثمامة في المسجد في الحديث الصحيح ، ودخول أبي سفيان فيه على الحديث الآخر كان قبل أن ينزل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } ; فمنع الله المشركين من دخول المسجد الحرام نصا ، ومنع من دخول سائر المساجد تعليلا بالنجاسة ، ولوجوب صيانة المسجد عن كل نجس . وهذا كله ظاهر لا خفاء به .

                                                                                                                                                                                                              المسألة السادسة : قال الشافعي : لا يدخل الكافر المسجد الحرام بحال ، ويدخل غيره من المساجد للحاجة ، كما دخل ثمامة وأبو سفيان .

                                                                                                                                                                                                              وقال أبو حنيفة : يدخل المسجد لحاجة أو لغير حاجة ، وهذا كله ضعيف خطأ ، أما دخوله للحاجة فقد أفسدناه كما تقدم ، وأما دخولهم كذلك مطلقا فهو أبعد من تعليل أبي حنيفة وتدقيقه .

                                                                                                                                                                                                              ولقد كنت أرى بدمشق عجبا ، كان لجامعها بابان : باب شرقي وهو باب جيرون ، وباب غربي ، وكان الناس يجعلونه طريقا يمشون عليها نهارهم كله في حوائجهم ، وكان الذمي إذا أراد المرور وقف على الباب حتى يمر به مسلم ، مجتاز ، [ ص: 471 ] فيقول له الذمي : يا مسلم ، أتأذن لي أن أمر معك ؟ فيقول : نعم ، فيدخل معه ، وعليه الغيار علامة أهل الذمة ، فإذا رآه القيم صاح به : ارجع ، ارجع ، فيقول له المسلم : أنا أذنت له فيتركه القيم .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية