الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل الفرق بين المشيئة والمحبة

فأما المشيئة ، والمحبة فقد دل على الفرق بينهما القرآن والسنة ، والعقل ، والفطرة ، وإجماع المسلمين .

قال الله تعالى يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول فقد أخبر أنه لا يرضى بما يبيتونه من القول المتضمن البهت ورمي البريء ، وشهادة الزور ، وبراءة الجاني ، فإن الآية نزلت في قصة هذا شأنها ، مع أن ذلك كله بمشيئته ، إذ أجمع المسلمون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولم يخالف في ذلك إلا القدرية المجوسية ، الذين يقولون : يشاء ما لا يكون ، ويكون ما لا يشاء .

وتأويل من تأول الآية على أنه لا يرضاه دينا ، مع محبته لوقوعه مما ينبغي أن يصان كلام الله عنه ، إذ المعنى عندهم أنه محبوب له ، ولكن لا يثاب فاعله عليه ، فهو محبوب بالمشيئة ، غير مثاب عليه شرعا .

ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنه مسخوط للرب ، مكروه له قدرا وشرعا ، مع أنه وجد بمشيئته وقضائه ، فإنه يخلق ما يحب وما يكره ، وهذا كما أن الأعيان كلها خلقه ، وفيها ما يبغضه ويكرهه - كإبليس وجنوده ، وسائر الأعيان الخبيثة - وفيها ما يحبه ويرضاه - كأنبيائه ورسله ، وملائكته وأوليائه - وهكذا الأفعال كلها منها ما هو محبوب له وما هو مكروه له ، خلقه لحكمة له في خلق ما يكره ويبغض كالأعيان ، وقال تعالى والله لا يحب الفساد مع أنه بمشيئته وقضائه وقدره ، وقال تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره ، وأحدهما محبوب له مرض ، والآخر مبغوض له مسخوط .

وكذلك قوله عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها فهو مكروه له ، مع وقوعه بمشيئته وقضائه وقدره .

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال فهذه كراهة لموجود تعلقت به المشيئة .

وفي المسند " إن الله يحب أن يؤخذ برخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته " فهذه محبة وكراهة لأمرين موجودين ، اجتمعا في المشيئة ، وافترقا في المحبة والكراهة ، وهذا في الكتاب والسنة أكثر من أن يذكر جميعه .

وقد فطر الله عباده على قولهم : هذا الفعل يحبه الله ، وهذا يكرهه الله ويبغضه وفلان يفعل ما لا يحبه الله ، والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه ، وذلك صفة قائمة به ، يترتب عليها العذاب واللعنة ، لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ، ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته ، وجعل كل واحد غير الآخر .

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك .

فتأمل ذكر استعاذته صلى الله عليه وسلم بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل العقوبة ، فالأول للصفة ، والثاني لأثرها المترتب عليها ، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه ، وأن ذلك كله راجع إليه وحده ، لا إلى غيره ، فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك ، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك ، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه ، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه ، فإعاذتي مما أكره وأحذر ، ومنعه أن يحل بي هو بمشيئتك أيضا ، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك ، فعياذي بك منك عياذي بحولك وقوتك وقدرتك ورحمتك وإحسانك مما يكون بحولك وقوتك وقدرتك وعدلك وحكمتك ، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ، ولا أستعيذ إلا بك من شيء هو صادر عن مشيئتك وخلقك ، بل هو منك ، ولا أستعيذ بغيرك من شيء هو صادر عن مشيئتك وقضائك ، بل أنت الذي تعيذني بمشيئتك مما هو كائن بمشيئتك ، فأعوذ بك منك .

ولا يعلم ما في هذه الكلمات - من التوحيد والمعارف والعبودية - إلا الراسخون في العلم بالله ومعرفته ، ومعرفة عبوديته .

وأشرنا إلى شيء يسير من معناها ، ولو استقصينا شرحها لقام منه سفر ضخم ، ولكن قد فتح لك الباب ، فإن دخلت رأيت ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

والمقصود أن انقسام الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله إلى محبوب للرب مرضي له ، ومسخوط مبغوض له مكروه له أمر معلوم بجميع أنواع الأدلة ، من العقل والنقل ، والفطرة والاعتبار ، فمن سوى بين ذلك كله فقد خالف فطرة الله التي فطر عليها عباده ، وخالف المعقول والمنقول ، وخرج عما جاءت به الرسل .

ولأي شيء نوع الله سبحانه العقوبات البليغة في الدنيا والآخرة ، وأشهد عباده منها ما أشهدهم ؟ لولا شدة غضبه وسخطه على الفاعلين لما اشتدت كراهته وبغضه له ، فأوجبت تلك الكراهة والبغض منه وقوع أنواع المكاره بهم ، كما أن محبته لما يحبه من الأفعال ويرضاه أوجبت وقوع أنواع المحاب لمن فعلها ، وشهود ما في العالم من إكرام أوليائه ، وإتمام نعمه عليهم ، ونصرهم وإعزازهم ، وإهانة أعدائه وعقوبتهم ، وإيقاع المكاره بهم من أدل الدليل على حبه وبغضه وكراهته ، بل نفس موالاته لمن والاه ، ومعاداته لمن عاداه هي عين محبته وبغضه ، فإن الموالاة أصلها الحب ، والمعاداة أصلها البغض ، فإنكار صفة المحبة والكراهة ، إنكار لحقيقة الموالاة والمعاداة .

وبالجملة فشهود القلوب لمحبته وكراهته ، كشهود العيان لكرامته وإهانته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث