الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

فلنذكر معنى التوكل ودرجاته . وما قيل فيه .

قال الإمام أحمد : التوكل عمل القلب . ومعنى ذلك أنه عمل قلبي . ليس بقول اللسان ، ولا عمل الجوارح ، ولا هو من باب العلوم والإدراكات .

ومن الناس من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول : هو علم القلب بكفاية الرب للعبد .

ومنهم من يفسره بالسكون وخمود حركة القلب . فيقول : التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب ، كانطراح الميت بين يدي الغاسل بقلبه كيف يشاء . وهو ترك الاختيار ، والاسترسال مع مجاري الأقدار .

قال سهل : التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد .

ومنهم من يفسره بالرضا . فيقول : هو الرضا بالمقدور .

قال بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على الله . يكذب على الله ، لو توكل على الله ، رضي بما يفعل الله .

وسئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكلا ؟ فقال : إذا رضي بالله وكيلا .

ومنهم من يفسره بالثقة بالله ، والطمأنينة إليه . والسكون إليه .

قال ابن عطاء : التوكل أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب ، مع شدة فاقتك إليها ، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها .

قال ذو النون : هو ترك تدبير النفس ، والانخلاع من الحول والقوة . وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه .

وقال بعضهم : التوكل التعلق بالله في كل حال .

وقيل : التوكل أن ترد عليك موارد الفاقات ، فلا تسمو إلا إلى من إليه الكفايات .

وقيل : نفي الشكوك ، والتفويض إلى مالك الملوك .

وقال ذو النون : خلع الأرباب وقطع الأسباب .

يريد قطعها من تعلق القلب بها ، لا من ملابسة الجوارح لها .

ومنهم من جعله مركبا من أمرين أو أمور .

فقال أبو سعيد الخراز : التوكل اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب .

يريد : حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن ، وسكونا إلى المسبب ، وركونا إليه . ولا يضطرب قلبه معه . ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه .

وقال أبو تراب النخشبي : هو طرح البدن في العبودية ، وتعلق القلب بالربوبية ، والطمأنينة إلى الكفاية . فإن أعطي شكر . وإن منع صبر .

فجعله مركبا من خمسة أمور : القيام بحركات العبودية ، وتعلق القلب بتدبير الرب ، وسكونه إلى قضائه وقدره ، وطمأنينته وكفايته له ، وشكره إذا أعطى ، وصبره إذا منع .

قال أبو يعقوب النهرجوري : التوكل على الله بكمال الحقيقية ، كما وقع لإبراهيم الخليل عليه السلام في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام : أما إليك فلا ؛ لأنه غائب عن نفسه بالله . فلم ير مع الله غير الله .

وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب . فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها ، وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد .

قال سهل بن عبد الله : من طعن في الحركة فقد طعن في السنة . ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان .

فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم ، والكسب سنته . فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته ، وهذا معنى قول أبي سعيد : هو اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب وقول سهل أبين وأرفع .

وقيل : التوكل قطع علائق القلب بغير الله .

وسئل سهل عن التوكل ؟ فقال : قلب عاش مع الله بلا علاقة .

وقيل : التوكل هجر العلائق ، ومواصلة الحقائق .

وقيل : التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال .

وهذا من موجباته وآثاره ، لا أنه حقيقته .

وقيل : هو ترك كل سبب يوصلك إلى مسبب ، حتى يكون الحق هو المتولي لذلك .

وهذا صحيح من وجه ، باطل من وجه . فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل . وقد تولى الحق إيصال العبد بها . وأما ترك الأسباب المباحة فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح ، وإلا فهو مذموم .

وقيل : هو إلقاء النفس في العبودية ، وإخراجها من الربوبية .

يريد استرسالها مع الأمر ، وبراءتها من حولها وقوتها ، وشهود ذلك بها ، بل بالرب وحده .

ومنهم من قال : التوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه .

ومنهم من قال : هو التفويض إليه في كل حال .

ومنهم من جعل التوكل بداية ، والتسليم واسطة ، والتفويض نهاية .

قال أبو علي الدقاق : التوكل ثلاث درجات : التوكل ، ثم التسليم ، ثم التفويض . فالمتوكل يسكن إلى وعده ، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه ، وصاحب التفويض يرضى بحكمه . فالتوكل بداية ، والتسليم واسطة ، والتفويض نهاية . فالتوكل صفة المؤمنين ، والتسليم صفة الأولياء . والتفويض صفة الموحدين .

التوكل صفة العوام . والتسليم صفة الخواص ، والتفويض صفة خاصة الخاصة .

التوكل صفة الأنبياء ، والتسليم صفة إبراهيم الخليل ، والتفويض صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين .

هذا كله كلام الدقاق . ومعنى هذا التوكل اعتماد على الوكيل ، وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوع اقتراح عليه ، وإرادة وشائبة منازعة . فإذا سلم إليه زال عنه ذلك . ورضي بما يفعله وكيله . وحال المفوض فوق هذا . فإنه طالب مريد ممن فوض إليه ، ملتمس منه أن يتولى أموره . فهو رضا واختيار ، وتسليم واعتماد ، فالتوكل يندرج في التسليم ، وهو والتسليم يندرجان في التفويض . والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث