الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

سئل الفضيل بن عياض عن التواضع ؟ فقال : يخضع للحق ، وينقاد له . ويقبله ممن قاله .

وقيل : التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة . فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب .

وهذا مذهب الفضيل وغيره .

وقال الجنيد بن محمد : هو خفض الجناح ، ولين الجانب .

وقال أبو يزيد البسطامي : هو أن لا يرى لنفسه مقاما ولا حالا . ولا يرى في الخلق شرا منه .

وقال ابن عطاء : هو قبول الحق ممن كان . والعز في التواضع . فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار .

وقال إبراهيم بن شيبان : الشرف في التواضع . والعز في التقوى . والحرية في القناعة .

ويذكر عن سفيان الثوري رحمه الله ، أنه قال : أعز الخلق خمسة أنفس : عالم زاهد وفقيه صوفي . وغني متواضع . وفقير شاكر . وشريف سني .

[ ص: 315 ] وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا ينبغي لك هذا . فقال : لما أتاني الوفود سامعين مطيعين . دخلت نفسي نخوة . فأردت أن أكسرها .

وولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة مرة . فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره . ويقول : طرقوا للأمير .

وركب زيد بن ثابت مرة . فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه . فقال : مه يا ابن عم رسول الله ! فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا . فقال : أرني يدك . فأخرجها إليه فقبلها . فقال : هكذا أمرنا نفعل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين الصحابة رضي الله عنهم حللا ، فبعث إلى معاذ حلة مثمنة . فباعها . واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم . فبلغ ذلك عمر . فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها . فعاتبه معاذ ، فقال عمر : لأنك بعت الأولى . فقال معاذ : وما عليك ؟ ادفع لي نصيبي . وقد حلفت لأضربن بها رأسك فقال عمر رضي الله عنه : رأسي بين يديك . وقد يرفق الشاب بالشيخ .

ومر الحسن على صبيان معهم كسر خبز . فاستضافوه . فنزل فأكل معهم ، ثم حملهم إلى منزله . فأطعمهم وكساهم ، وقال : اليد لهم . لأنهم لا يجدون شيئا غير ما أطعموني ، ونحن نجد أكثر منه .

ويذكر أن أبا ذر رضي الله عنه عير بلالا رضي الله عنه بسواده ، ثم ندم . فألقى بنفسه . فحلف : لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه . فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال .

وقال رجاء بن حيوة . قومت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه - وهو يخطب - باثني عشر درهما . وكانت قباء وعمامة وقمصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة .

ورأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة . فقال : تدري بكم شريت أمك ؟ بثلاثمائة درهم ، وأبوك - لا كثر الله في المسلمين مثله - أنا . وأنت تمشي هذه المشية ؟ .

وقال حمدون القصار : التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة ، لا في الدين ولا في الدنيا .

وقال إبراهيم بن أدهم : ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات : كنت في سفينة ، وفيها رجل مضحاك . كان يقول : كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا - وكان يأخذ بشعر [ ص: 316 ] رأسي ويهزني - لأنه لم يكن في تلك السفينة أحد أحقر مني . والأخرى : كنت عليلا في مسجد . فدخل المؤذن ، وقال : اخرج . فلم أطق ، فأخذ برجلي وجرني إلى خارج . والأخرى : كنت بالشام وعلي فرو . فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته . فسرني ذلك .

وفي رواية : كنت يوما جالسا . فجاء إنسان فبال علي .

وقال بعضهم : رأيت في الطواف رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف ، ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا . فتعجبت منه . فقال لي : إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه ، فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه .

وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم . فكتب إليه عمر : بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم . فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم . وأشبع به ألف بطن . واتخذ خاتما بدرهمين . واجعل فصه حديدا صينيا . واكتب عليه : رحم الله امرءا عرف قدر نفسه . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث