الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

قال صاحب " المنازل " :

الطمأنينة : سكون يقويه أمن صحيح ، شبيه بالعيان . وبينها وبين السكينة فرقان

أحدهما : أن السكينة صولة تورث خمود الهيبة أحيانا . والطمأنينة سكون أمن في استراحة أنس .

والثاني : أن السكينة تكون نعتا . وتكون حينا بعد حين ، والطمأنينة لا تفارق صاحبها .

الطمأنينة موجب السكينة . وأثر من آثارها . وكأنها نهاية السكينة .

فقوله : سكون يقويه أمن أي سكون القلب مع قوة الأمن الصحيح الذي لا يكون أمن غرور . فإن القلب قد يسكن إلى أمن الغرور . ولكن لا يطمئن به لمفارقة ذلك السكون له . والطمأنينة لا تفارقه ، فإنها مأخوذة من الإقامة . يقال : اطمأن بالمكان والمنزل : إذا أقام به .

وسبب صحة هذا الأمن المقوي للسكون : شبهه بالعيان . بحيث لا يبقى معه شيء من مجوزات الظنون والأوهام . بل كأن صاحبه يعاين ما يطمئن به . فيأمن به اضطراب قلبه وقلقه وارتيابه .

وأما الفرقان اللذان ذكرهما بينها وبين السكينة . فحاصل الفرق الأول : أن السكينة تصول على الهيبة الحاصلة في القلب . فتخمدها في بعض الأحيان . فيسكن [ ص: 482 ] القلب من انزعاج الهيبة بعض السكون . وذلك في بعض الأوقات . فليس حكما دائما مستمرا . وهذا يكون لأهل الطمأنينة دائما . ويصحبه الأمن والراحة بوجود الأنس . فإن الاستراحة في السكينة قد تكون من الخوف والهيبة فقط . والاستراحة في منزلة الطمأنينة تكون مع زيادة أنس . وذلك فوق مجرد الأمن ، وقدر زائد عليه .

وحاصل الفرق الثاني : أن الطمأنينة ملكة ، ومقام لا يفارق . والسكينة تنقسم إلى سكينة هي مقام ونعت لا يزول وإلى سكينة تكون وقتا دون وقت . هذا حاصل كلامه .

والذي يظهر لي في الفرق بينهما أمران ، سوى ما ذكر .

أحدهما : أن ظفره وفوزه بمطلوبه الذي حصل له السكينة بمنزلة من واجهه عدو يريد هلاكه ، فهرب منه عدوه ، فسكن روعه . والطمأنينة بمنزلة حصن رآه مفتوحا فدخله . وأمن فيه . وتقوى بصاحبه وعدته . فللقلب ثلاثة أحوال .

أحدها : الخوف والاضطراب والقلق من الوارد الذي يزعجه ويقلقه .

الثاني : زوال ذلك الوارد الذي يزعجه ويقلقه عنه وعدمه .

الثالث : ظفره وفوزه بمطلوبه الذي كان ذلك الوارد حائلا بينه وبينه .

وكل منهما يستلزم الآخر ويقارنه . فالطمأنينة تستلزم السكينة ولا تفارقها . وكذلك بالعكس . لكن استلزام الطمأنينة للسكينة أقوى من استلزام السكينة للطمأنينة .

الثاني : أن الطمأنينة أعم ، فإنها تكون في العلم والخبر به ، واليقين والظفر بالمعلوم . ولهذا اطمأنت القلوب بالقرآن لما حصل لها الإيمان به ، ومعرفته والهداية به في ظلم الآراء والمذاهب . واكتفت به منه ، وحكمته عليها وعزلتها . وجعلت له الولاية بأسرها كما جعلها الله . فبه خاصمت ، وإليه حاكمت . وبه صالت . وبه دفعت الشبه .

وأما السكينة : فإنها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه ، وسكونه وزوال قلقه واضطرابه ، كما يحصل لحزب الله عند مقابلة العدو وصولته . والله سبحانه أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث