الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 132 ] قال : والمعنى الثالث ، قالوا : الوقت الحق . أرادوا به : استغراق رسم الوقت في وجود الحق . وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي . لكنه هو اسم في هذا المعنى الثالث ، لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا . لا وجودا محضا . وهو فوق البرق والوجد . وهو يشارف مقام الجمع ، لو دام وبقي . ولا يبلغ وادي الوجود ، لكنه يكفي مؤنة المعاملة ، ويصفي عين المسامرة . ويشم روائح الوجود .

هذا المعنى الثالث من معاني الوقت أخص مما قبله . وأصعب تصورا وحصولا . فإن الأول : وقت سلوك يتلون . وهذا وقت كشف يتمكن . ولذلك أطلقوا عليه اسم الحق لغلبة حكمه على قلب صاحبه . فلا يحس برسم الوقت ، بل يتلاشى ذكر وقته من قلبه ، لما قهره من نور الكشف .

فقوله : قالوا : الوقت هو الحق .

يعني : أن بعضهم أطلق اسم الحق على الوقت ، ثم فسر مرادهم بذلك . وأنهم عنوا به استغراق رسم الوقت في وجود الحق . ومعنى هذا : أن السالك بهذا المعنى الثالث للحق : إذا اشتد استغراقه في وقت يتلاشى عنه وقته بالكلية .

وتقريب هذا إلى الفهم : أنه إذا شهد استغراق وقته الحاضر في ماهية الزمان . فقد استغرق الزمان رسم الوقت إلى ما هو جزء يسير جدا من أجزائه ، وانغمر فيه . كما تنغمر القطرة في البحر . ثم إن الزمان - المحدود الطرفين - يستغرق رسمه في وجود الدهر . وهو ما بين الأزل والأبد . ثم إن الدهر يستغرق رسمه في دوام الرب جل جلاله . وذلك الدوام : هو صفة الرب . فهناك يضمحل الدهر والزمان والوقت . ولا يبقى له نسبة إلى دوام الرب جل جلاله ألبتة . فاضمحل الزمان والدهر والوقت في الدوام الإلهي ، كما تضمحل الأنوار المخلوقة في نوره ، وكما يضمحل علم الخلق في علمه ، وقدرتهم في قدرته ، وجمالهم في جماله ، وكلامهم في كلامه ، بحيث لا يبقى للمخلوق نسبة ما إلى صفات الرب جل جلاله .

والقوم إذا أطلق أهل الاستقامة منهم " ما في الوجود إلا الله " أو " ما ثم موجود على الحقيقة إلا الله " أو " هناك : يفنى من لم يكن . ويبقى من لم يزل " ونحو ذلك من العبارات ، فهذا مرادهم . لا سيما إذا حصل هذا الاستغراق في الشهود كما هو في [ ص: 133 ] الوجود . وغلب سلطانه على سلطان العلم . وكان العلم مغمورا بوارده . وفي قوة التمييز ضعف . وقد توارى العلم بالشهود وحكم الحال .

فهناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وتزل أقدام كثيرة إلى الحضيض الأدنى . ولا ريب أن وجود الحق سبحانه ودوامه يستغرق وجود كل ما سواه ووقته وزمانه . بحيث يصير كأنه لا وجود له .

ومن هنا غلط القائلون بوحدة الوجود . وظنوا أنه ليس لغيره وجود ألبتة . وغرهم كلمات مشتبهات جرت على ألسنة أهل الاستقامة من الطائفة . فجعلوها عمدة لكفرهم وضلالهم . وظنوا أن السالكين سيرجعون إليهم ، وتصير طريقة الناس واحدة ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون .

قوله : وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي .

يريد : أن " الحق " سابق على الاسم الذي هو " الوقت " أي منزه عن أن يسمى بالوقت . فلا ينبغي إطلاقه عليه . لأن الأوقات حادثة .

قوله : لكنه اسم في هذا المعنى الثالث ، لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا لا وجودا محضا .

تلاشي الرسوم اضمحلالها وفناؤها . والرسوم عندهم : ما سوى الله .

وقد صرح الشيخ : أنها إنما تتلاشى في وجود العبد الكشفي . بحيث لا يبقى فيه سعة للإحساس بها ، لما استغرقه من الكشف . فهذه عقيدة أهل الاستقامة من القوم .

وأما الملاحدة ، أهل وحدة الوجود ، فعندهم : أنها لم تزل متلاشية في عين وجود الحق ، بل وجودها هو نفس وجوده . وإنما كان الحس يفرق بين الوجودين . فلما غاب عن حسه بكشفه ، تبين أن وجودها هو عين وجود الحق .

ولكن الشيخ كأنه عبر بالكشف والوجود عن المقامين اللذين ذكرهما في كتابه . والكشف هو دون الوجود عنده . فإن الكشف يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه . فليس معه استغراق في الفناء . والوجود لا يكون معه رسم باق . ولذلك قال : لا وجودا محضا ، فإن الوجود المحض عنده : يفني الرسوم . وبكل حال : فهو يفنيها من وجود الواجد ، لا يفنيها في الخارج .

[ ص: 134 ] وسر المسألة : أن الواصل إلى هذا المقام يصير له وجود آخر ، غير وجوده الطبيعي المشترك بين جميع الموجودات . ويصير له نشأة أخرى لقلبه وروحه ، نسبة النشأة الحيوانية إليها كنسبة النشأة في بطن الأم إلى هذه النشأة المشاهدة في العالم ، وكنسبة هذه النشأة إلى النشأة الأخرى .

فللعبد أربع نشآت : نشأة في الرحم ، حيث لا بصر يدركه . ولا يد تناله . ونشأة في الدنيا . ونشأة في البرزخ . ونشأة في المعاد الثاني . وكل نشأة أعظم من التي قبلها . وهذه النشأة للروح والقلب أصلا ، وللبدن تبعا .

فللروح في هذا العالم نشأتان . إحداهما : النشأة الطبيعية المشتركة . والثانية : نشأة قلبية روحانية ، يولد بها قلبه ، وينفصل عن مشيمة طبعه ، كما ولد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن .

ومن لم يصدق بهذا فليضرب عن هذا صفحا ، وليشتغل بغيره .

وفي كتاب الزهد للإمام أحمد : أن المسيح عليه السلام قال للحواريين : إنكم لن تلجوا ملكوت السماوات حتى تولدوا مرتين .

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول : هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان ، وخروجها من عالم الطبيعة ، كما ولدت الأبدان من البدن وخرجت منه . والولادة الأخرى : هي الولادة المعروفة . والله أعلم .

قوله : وهو فوق البرق والوجد .

يعني : أن هذا الكشف الذي تلاشت فيه الرسوم : فوق منزلتي البرق والوجد ، فإنه أثبت وأدوم ، والوجود فوقه . لأنه يشعر بالدوام .

قوله : وهو يشارف مقام الجمع لو دام .

أي لو دام هذا الوقت لشارف مقام الجمع وهو ذهاب شعور القلب بغير الحق سبحانه وتعالى ، شغلا به عن غيره . فهو جمع في الشهود .

وعند الملاحدة : هو جمع في الوجود .

ومقصوده : أنه لو داوم الوقت بهذا المعنى الثالث : لشارف حضرة الجمع . لكنه لا يدوم .

[ ص: 135 ] قوله : ولا يبلغ وادي الوجود يعني : أن الوقت المذكور لا يبلغ السالك فيه وادي الوجود حتى يقطعه . ووادي الوجود : هو حضرة الجمع .

قوله : لكنه يلقى مؤنة المعاملة .

يعني : أن الوقت المذكور - وهو الكشف المشارف لحضرة الجمع - يخفف عن العامل أثقال المعاملة ، مع قيامه بها أتم القيام ، بحيث تصير هي الحاملة له . فإنه كان يعمل على الخبر . فصار يعمل على العيان . هذا مراد الشيخ .

وعند الملحد : أنه يفنى عن المعاملات الجسمانية ، ويرد صاحبه إلى المعاملات القلبية . وقد تقدم إشباع الكلام في هذا المعنى .

قوله " ويصفي عن المسامرة " المسامرة : عند القوم هي الخطاب القلبي الروحي بين العبد وربه . وقد تقدم : أن تسميتها بالمناجاة أولى . فهذا الكشف يخلص عن المسامرة من ذكر غير الحق سبحانه ومناجاته .

قوله : ويشم روائح الوجود أي صاحب مقام هذا الوقت الخاص : يشم روائح الوجود . وهو حضرة الجمع . فإنهم يسمونها بالجمع والوجود . ويعنون بذلك : ظهور وجود الحق سبحانه . وفناء وجود ما سواه .

وقد عرفت أن فناء وجود ما سواه بأحد اعتبارين : إما فناؤه من شهود العبد فلا يشهده ، وإما اضمحلاله وتلاشيه بالنسبة إلى وجود الرب . ولا تلتفت إلى غير هذين المعنيين . فهو إلحاد وكفر . والله المستعان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث