الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قال صاحب المنازل : المحاسبة لها ثلاثة أركان :

أحدها : أن تقايس بين نعمته وجنايتك .

يعني تقايس بين ما من الله وما منك ، فحينئذ يظهر لك التفاوت ، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته ، أو الهلاك والعطب .

وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب والعبد عبد ، ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها ، وعظمة جلال الربوبية ، وتفرد الرب بالكمال والإفضال ، وأن كل نعمة منه فضل ، وكل نقمة منه عدل ، وأنت قبل هذه المقايسة جاهل بحقيقة نفسك ، وبربوبية فاطرها وخالقها ، فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كل شر ، وأساس كل نقص ، وأن حدها الجاهلة الظالمة ، وأنه لولا فضل الله ورحمته بتزكيته لها ما زكت أبدا ، ولولا هداه ما اهتدت ، ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصول إلى خير البتة ، وأن حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها ، وتوقفه عليه كتوقف وجودها على إيجاده ، فكما أنها ليس لها من ذاتها وجود ، فكذلك ليس لها من ذاتها كمال الوجود ، فليس لها من ذاتها إلا العدم - عدم الذات ، وعدم الكمال - فهناك تقول حقا " أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي " .

ثم تقايس بين الحسنات والسيئات ، فتعلم بهذه المقايسة أيهما أكثر وأرجح قدرا وصفة .

وهذه المقايسة الثانية مقايسة بين أفعالك وما منك خاصة .

قال : وهذه المقايسة تشق على من ليس له ثلاثة أشياء : نور الحكمة ، وسوء الظن بالنفس ، وتمييز النعمة من الفتنة .

[ ص: 189 ] يعني أن هذه المقايسة والمحاسبة تتوقف على نور الحكمة ، وهو النور الذي نور الله به قلوب أتباع الرسل ، وهو نور الحكمة ، فبقدره ترى التفاوت ، وتتمكن من المحاسبة .

ونور الحكمة هاهنا : هو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، والضار والنافع ، والكامل والناقص ، والخير والشر ، ويبصر به مراتب الأعمال ، راجحها ومرجوحها ، ومقبولها ومردودها ، وكلما كان حظه من هذا النور أقوى كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم .

وأما سوء الظن بالنفس فإنما احتاج إليه ؛ لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش ويلبس عليه ، فيرى المساوئ محاسن ، والعيوب كمالا ، فإن المحب يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك .


فعين الرضى عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا

ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها ، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه .

وأما تمييز النعمة من الفتنة : فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف ، ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية ، وبين النعمة التي يرى بها الاستدراج ، فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر ، مفتون بثناء الجهال عليه ، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه ! وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح ، ذلك مبلغهم من العلم .

فإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه بجمعه على الله فهو نعمة حقيقة ، وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة ، والمحنة في صورة المنحة ، فليحذر فإنما هو مستدرج ، ويميز بذلك أيضا بين المنة والحجة ، فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى ! .

فإن العبد بين منة من الله عليه ، وحجة منه عليه ، ولا ينفك عنهما ، فالحكم الديني متضمن لمنته وحجته ، قال الله تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وقال بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان وقال فلله الحجة البالغة .

[ ص: 190 ] والحكم الكوني أيضا متضمن لمنته وحجته ، فإذا حكم له كونا حكما مصحوبا باتصال الحكم الديني به فهو منة عليه ، وإن لم يصحبه الديني فهو حجة منه عليه .

وكذلك حكمه الديني إذا اتصل به حكمه الكوني ، فتوفيقه للقيام به منة منه عليه ، وإن تجرد عن حكمه الكوني صار حجة منه عليه ، فالمنة باقتران أحد الحكمين بصاحبه ، والحجة في تجرد أحدهما عن الآخر ، فكل علم صحبه عمل يرضي الله سبحانه فهو منة ، وإلا فهو حجة .

وكل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي منة ، وإلا فهي حجة .

وكل حال صحبه تأثير في نصرة دينه ، والدعوة إليه فهو منة منه ، وإلا فهو حجة .

وكل مال اقترن به إنفاق في سبيل الله وطاعته ، لا لطلب الجزاء ولا الشكور ، فهو منة من الله عليه ، وإلا فهو حجة .

وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منة عليه ، وإلا فهو حجة .

وكل قبول في الناس ، وتعظيم ومحبة له ، اتصل به خضوع للرب ، وذل وانكسار ، ومعرفة بعيب النفس والعمل ، وبذل النصيحة للخلق فهو منة ، وإلا فهو حجة .

وكل بصيرة وموعظة ، وتذكير وتعريف من تعريفات الحق سبحانه إلى العبد ، اتصل به عبرة ومزيد في العقل ، ومعرفة في الإيمان فهي منة ، وإلا فهي حجة .

وكل حال مع الله تعالى ، أو مقام اتصل به السير إلى الله ، وإيثار مراده على مراد العبد ، فهو منة من الله ، وإن صحبه الوقوف عنده والرضى به ، وإيثار مقتضاه ، من لذة النفس به وطمأنينتها إليها ، وركونها إليه ، فهو حجة من الله عليه .

فليتأمل العبد هذا الموضع العظيم الخطر ، ويميز بين مواقع المنن والمحن ، والحجج والنعم ، فما أكثر ما يلتبس ذلك على خواص الناس وأرباب السلوك ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث