الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وأما بيان ما يصلح جواب جعل الأمر باليد من الألفاظ وما لا يصلح وبيان حكمه إذا وجد : فالأصل فيه أن كل ما يصلح من الألفاظ طلاقا من الزوج يصلح جوابا من المرأة وما لا فلا إلا في لفظ الاختيار خاصة فإنه لا يصلح طلاقا من الزوج ويصلح جوابا من المرأة في الجملة بخلاف الأصل ; لأن التفويض من الزوج تمليك الطلاق منها ، فما يملكه بنفسه يملك تمليكه من غيره ، وما لا فلا هذا هو الأصل .

إذا عرف هذا فنقول : إذا قالت طلقت نفسي أو أبنت نفسي أو حرمت نفسي يكون جوابا ; لأن الزوج لو أتى بهذه الألفاظ كان طلاقا .

وكذا إذا قالت : أنا منك بائن أو أنا عليك حرام ; لأن الزوج لو قال لها : أنت مني بائن أو أنت علي حرام كان طلاقا .

وكذا إذا قالت لزوجها : أنت مني بائن أو أنت علي حرام ; لأن الزوج لو قال لها ذلك كان طلاقا ، ولو قالت : أنا بائن ولم تقل منك أو قالت أنا حرام ولم تقل عليك فهو جواب ; لأن الزوج لو قال لها : أنت بائن أو أنت حرام ، ولم يقل مني وعلي كان طلاقا ، ولو قالت لزوجها : أنت بائن ولم تقل مني أو قالت لزوجها : أنت حرام ولم تقل علي فهو باطل ; لأن الزوج لو قال لها : أنا بائن أو أنا حرام لم يكن طلاقا ، ولو قالت : أنا منك طالق فهو جواب ; لأنه لو قال لها : أنت طالق مني كان طلاقا .

وكذا لو قالت لزوجها : أنا طالق ولم تقل منك ; لأن الزوج لو قال : أنت طالق ولم يقل مني كان طلاقا ، ولو قالت لزوجها : أنت مني طالق لم يكن جوابا ; لأن الزوج لو قال لها : أنا منك طالق لم يكن طلاقا عندنا خلافا للشافعي ، ولو قالت : اخترت نفسي كان جوابا وإن لم يكن هذا اللفظ من الزوج طلاقا ، وأنه حكم ثبت شرعا بخلاف القياس بالنص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما نذكر إن شاء الله تعالى .

وأما الواقع بهذه الألفاظ التي تصلح جوابا فطلاق واحد بائن عندنا إن كان التفويض مطلقا عن قرينة الطلاق بأن قال لها : أمرك بيدك ولم ينو الثلاث ، أما وقوع الطلقة الواحدة فلأنه ليس في التفويض ما ينبئ عن العدد .

وأما كونها بائنة فلأن هذه الألفاظ جواب الكناية ، والكنايات على أصلنا منبيات ، ولأن قوله : أمرك بيدك جعل أمر نفسها بيدها فتصير عند اختيارها نفسها مالكة نفسها ، وإنما تصير مالكة نفسها بالبائن لا بالرجعي .

وإن قرن به ذكر الطلاق بأن قال : أمرك بيدك في تطليقة فاختارت نفسها فهي واحدة يملك الرجعة فيها لأنه فوض إليها الصريح حيث [ ص: 118 ] نص عليه ، وبه تبين أنه ما ملكها نفسها وإنما ملكها التطليقة وخيرها بين الفعل والترك ; عرفنا ذلك بنص كلامه بخلاف ما إذا أطلق ; لأنه لما أطلق فقد ملكها نفسها ولا تملك نفسها إلا بالبائن ، ولو قال : أمرك بيدك ونوى الثلاث فطلقت نفسها ثلاثا كان ثلاثا ; لأنه جعل أمرها بيدها مطلقا فيحتمل الواحد ويحتمل الثلاث ، فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله مطلق الأمر فصحت نيته وإن نوى اثنتين فهي واحدة عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر ، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم .

وكذا إذا قالت : طلقت نفسي أو اخترت نفسي ولم تذكر الثلاث فهي ثلاث ; لأنه جواب تفويض الثلاث فيكون ثلاثا .

وكذا إذا قالت : أبنت نفسي أو حرمت نفسي وغير ذلك من الألفاظ التي تصلح جوابا ، ولو قالت : طلقت نفسي واحدة أو اخترت نفسي بتطليقة واحدة فهي بائنة لأنه لما نوى ثلاثا فقد فوض إليها الثلاث وهي أتت بالواحدة فيقع واحدة كما لو قال لها : طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة فتكون بائنة لأنه ملكها نفسها ولا تملك نفسها إلا بالبائن ، ولو قالت : اخترت نفسي بواحدة فهو ثلاث فرقا بينه وبين قولها طلقت نفسي واحدة .

وجه الفرق أن معنى قولها بواحدة أي : بمرة واحدة وهي عبارة عن توحد فعل الاختيار على وجه لا يحتاج بعده إلى اختيار آخر ، وانقطاع العلقة بينهما بالكلية بحيث لا يبقى بينهما أمر بعد ذلك .

وذلك إنما يكون بالثلاث بخلاف قولها طلقت نفسي واحدة ; لأنها جعلت التوحد هناك صفة المختار وهو الطلاق لا صفة فعل الاختيار فهو الفرق بين الفصلين والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث