الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما قوله : طلقي نفسك فهو تمليك عندنا سواء قيده بالمشيئة أو لا ويقتصر على المجلس كقوله أنت طالق إن شئت .

وعند الشافعي هو توكيل ولا يقتصر على المجلس قيده بالمشيئة أو لم يقيده ، وأجمعوا على أن قوله : لأجنبي : طلق امرأتي توكيل ولا يتقيد بالمجلس ، وهو فصل التوكيل فإن قيده بالمشيئة بأن قال له طلق امرأتي إن شئت فهذا تمليك عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر هو توكيل فوقع الخلاف في موضعين .

أما الكلام مع الشافعي فوجه قوله أنه لو أضاف الأمر بالتطليق إلى الأجنبي ولم يقيده بالمشيئة كان توكيلا بالإجماع فكذا إذا أضافه إلى المرأة ولم يقيده بالمشيئة لأنه لم يختلف إلا الشخص والصيغة لا تختلف باختلاف الشخص .

وكذا إذا قيد بالمشيئة ; لأن التقييد بالمشيئة والسكوت عنه بمنزلة واحدة ; لأنها تطلق نفسها بمشيئتها واختيارها إذ هي غير مضطرة في ذلك فكان ذكر المشيئة لغوا فكان ملحقا بالعدم فيبقى قوله : طلقي نفسك ، وأنه توكيل لما ذكرنا فلا يتقيد بالمجلس كما في الأجنبي ، ولنا لبيان أن قوله لامرأته طلقي نفسك تمليك وجوه ثلاثة : أحدها أن المتصرف عن ملك هو الذي يتصرف برأيه وتدبيره واختياره ، والمرأة بهذه الصفة فكانت متصرفة عن ملك فكان تفويض التطليق إليها تمليكا بخلاف الأجنبي ; لأن ثمة الرأي والتدبير للزوج والاختيار له ، فكان إضافة الأمر إليه توكيلا لا تمليكا .

والثاني أن المتصرف عن ملك هو الذي يتصرف لنفسه ، والمتصرف عن توكيل هو الذي يتصرف لغيره ; والمرأة عاملة لنفسها لأنها بالتطليق ترفع قيد الغير عن نفسها فكانت متصرفة عن ملك ، .

فأما الأجنبي فإنه عامل لغيره لا لنفسه ; لأن منفعة عمله عائدة إلى غيره فكان متصرفا عن توكيل وأمر لا عن ملك .

والثالث أن قوله لامرأته : طلقي نفسك لا يمكن أن يجعل توكيلا ; لأن الإنسان لا يصلح أن يكون وكيلا في حق نفسه فلم يمكن أن تجعل وكيلة في حق تطليق نفسها ، ويمكن أن تجعل مالكة للطلاق بتمليك الزوج فتعين حمله على [ ص: 123 ] التمليك بخلاف الأجنبي لأنه بالتطليق يتصرف في حق الغير ، والإنسان يصلح وكيلا في حق غيره والله الموفق .

وأما الكلام مع زفر فوجه قوله : أنه لو أطلق الكلام لكان توكيلا فكذا إذا قيده بالمشيئة لما مر أن التقييد فيه والإطلاق على السواء ; لأنه إذا طلق طلق عن مشيئة ولا محالة لكونه مختارا في التطليق غير مضطر فيه ، ولنا وجه الفرق بين المطلق والمقيد وهو أن الأجنبي في المطلق ، فيتصرف برأي الغير وتدبيره ومشيئته فكان توكيلا لا تمليكا .

وأما في المقيد فإنما يتصرف عن رأي نفسه وتدبير نفسه ، ومشيئته وهذا معنى المالكية ; وهو التصرف عن مشيئته وهذا فرق واضح بحمد الله تعالى .

( وأما ) قوله : التقييد بالمشيئة وعدمه سواء ; لأنه متى طلق طلق عن مشيئة ، فممنوع أنهما سواء ، وأنه متى طلق طلق عن مشيئة ; فإن المشيئة تذكر ويراد بهما اختيار الفعل وتركه وهو المعنى الذي ينفي الغلبة والاضطرار وهو المعني بقولنا : المعاصي بمشيئة الله تعالى ، فإن الله تعالى يتولى تخليق أفعال العباد والله تعالى غير مغلوب ولا مضطر في فعله وهو التخليق ، بل هو مختار ، وتذكر ويراد بها اختيار الإيثار يقال : إن شئت فعلت كذا وإن شئت لم أفعل أي : إن شئت آثرت الفعل وإن شئت آثرت الترك على الفعل وهو المعني من قولنا : المكره ليس بمختار ، والمراد من المشيئة المذكورة ههنا هو اختيار الإيثار لا اختيار الفعل وتركه ; لأنا لو حملناه عليه للغا كلامه ، ولو حملناه على اختيار الإيثار لم يلغ ، وصيانة كلام العاقل عن اللغو واجب عند الإمكان ، واختيار الإيثار في التمليك لا في التوكيل لما ذكرنا أن الوكيل يعمل عن رأي الموكل وتدبيره ، وإنما يستعير منه العبارة فقط فكان الإيثار من الموكل لا من الوكيل .

وأما المملك فإنما يعمل برأي نفسه وتدبيره وإيثاره لا بالمملك فكان التقييد بالمشيئة مفيدا ، والأصل أن التوكيل لغة هو الإنابة ، والتفويض هو التسليم بالكلية لذلك سمى مشايخنا الأول توكيلا والثاني تفويضا ، وإذا ثبت أن المقيد بالمشيئة تمليك والمطلق توكيل والتمليك يقتصر على المجلس لما ذكرنا أن المملك إنما يملك بشرط الجواب في المجلس لأنه إنما يملك بالخطاب ; وكل مخلوق خاطب غيره يطلب جواب خطابه في المجلس فلا يملك نهيه عنه لما مر ، ثم التوكيل لا يقتصر على المجلس ; لأن الوكيل لا يمكنه القيام بما وكل بتحصيله في المجلس ظاهرا وغالبا ; لأن التوكيل في الغالب يكون بشيء لا يحضره الموكل ويفعل في حال غيبته ; لأنه إذا كان حاضرا يستغني بعبارة نفسه عن استعارة عبارة غيره فلو تقيد التوكيل بالمجلس لخلا عن العاقبة الحميدة فيكون سفها ويملك نهيه عنه ; لأنه وكيله فيملك عزله ، ولو أراد بقوله طلقي نفسك ثلاثا فقد صار الثلاث بيدها ; لأن معنى قوله : إياها طلقي نفسك أي : حصلي طلاقا ، والمصدر يحتمل الخصوص والعموم ; لأنه اسم جنس فإذا نوى به الثلاث فقد نوى ما يحتمله كلامه فصحت نيته ، ولو أراد به الثنتين لا يصح لأن لفظ المصدر لفظ وحدان والاثنان عدد لا توحد فيه أصلا على ما بينا فيما تقدم .

وإن لم يكن له نية تنصرف إلى الواحد ; لأنه متيقن به ولأن الأمر المطلق بالفعل في الشاهد يصرف إلى ما هو المقصود من ذلك الفعل في المتعارف ألا ترى أن من قال لغلامه : اسق هذه الأرض وكانت الأرض لا تصلح للزراعة إلا بثلاث مرات صار مأمورا به ، وإن كانت تصلح بالسقي مرة واحدة صار مأمورا به ، ومن قال لغلامه : اضرب هذا الذي استخف بي ينصرف إلى ضرب يقع به التأديب عادة ويحصل به المقصود وهو الانزجار ومن أصابت ثوبه نجاسة فقال لجاريته : اغسليه لا تصير مؤتمرة إلا بغسل محصل للمقصود وهو طهارة الثوب دل أن الأمر المطلق في الشاهد ينصرف إلى ما هو المقصود من الفعل في المتعارف والعرف ، والمقصود في قوله لامرأته طلقي نفسك مختلف ; فقد يقصد به الطلاق المبطل للملك وقد يقصد به الطلاق المبطل لحل المحلية سدا لباب التدارك ، فأي ذلك نوى انصرف إليه ثم إذا صحت نية الثلاث فإن طلقت نفسها ثلاثا أو اثنتين أو واحدة وقع ; لأن الزوج ملكها الثلاث ومالك الثلاث له أن يوقع الثلاث أو الاثنتين أو الواحدة كالزوج سواء ، بخلاف ما إذا قال لها أنت طالق إن شئت أو أردت أو رضيت أو إذا شئت أو متى شئت أو متى ما شئت أو أين شئت أو حيث شئت ونحو ذلك ونوى الثلاث أنه لا يصح لما مر أن قوله : أنت طالق صفة للمرأة وإنما يثبت الطلاق اقتضاء ضرورة صحة التسمية بكونها طالقا ولا ضرورة في قبول نية الثلاث فلا [ ص: 124 ] يثبت في حقه ، ولو قال لها : طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة فهي واحدة في قولهم جميعا ; لأن الزوج ملكها الثلاث ومالك الثلاث إذا أوقع واحدة تقع كالزوج ، وهذا لأنه لما ملكها الثلاث فقد ملكها الواحدة ; لأنها بعض الثلاث ، وبعض المملوك يكون مملوكا ، ولو قال : لها طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثا لم يقع شيء في قول أبي حنيفة .

وقال أبو يوسف ومحمد : يقع واحدة .

وجه قولهما : أنها أتت بما فوض الزوج إليها وزادت على القدر المفوض فيقع القدر المفوض وتلغو الزيادة كما لو قال لها : طلقي نفسك واحدة فقالت : طلقت نفسي واحدة واحدة واحدة أنه يقع واحدة وتلغو الزيادة كذا هذا كذا لو قال لها : طلقي نفسك فقالت : أبنت نفسي تقع واحدة رجعية وتلغو صفة البينونة لما قلنا كذا هذا ، ولأبي حنيفة وجوه من الفقه : أحدها أنه لو وقعت الواحدة إما أن تقع بطريق الأصالة مقصودا أو ضمنا أو ضرورة وقوع الثلاث لا سبيل إلى الأول ; لأنه لم يوجد إيقاع الواحدة بطريق الأصالة لانعدام لفظ الواحدة ووجود لفظ آخر وكذا لم يوجد وقت وقوع الواحدة بطريق الأصالة ; لأن ذلك عند قولها نفسي وسكوتها عليه ، ووقت وقوعها مع الثلاث عند قولها ثلاثا ، ولا وجه للثاني ; لأنها لم تملك الثلاث إذ الزوج لم يملكها الثلاث فلا تملك إيقاع الثلاث فلا يقع الثلاث فلا تقع الواحدة ضمنا لوقوع الثلاث فتعذر القول بالوقوع أصلا بخلاف ما إذا قال لها : طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة لأن هناك ملكها الثلاث فملكت إيقاع الثلاث ، ومالك إيقاع الثلاث يملك إيقاع الواحدة ; لأن بعض المملوك مملوك وههنا بخلافه لما بينا ، وبخلاف ما إذا قال لها : طلقي واحدة فقالت : طلقت نفسي واحدة واحدة واحدة ; لأن ثم أوقعت الواحدة بطريق الأصالة لوجود لفظ الواحدة وقت وقوعها بطريق الأصالة فوقعت واحدة بطريق الأصالة ثم اشتغلت بغيرها وهو غير مملوك لها فلغا وبخلاف ما إذا قال لها : طلقي نفسك فقالت : قد أبنت نفسي ; لأن هناك أوقعت ما فوض إليها بطريق الأصالة ; لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق لغة على ما نذكر إلا أنها زادت على القدر المفوض صفة البينونة فلغت وبقي أصل الطلاق .

والثاني إن المرأة بقولها : طلقت نفسي ثلاثا أعرضت عما فوض الزوج إليها فيبطل التفويض ويخرج الأمر من يدها كما إذا اشتغلت بأمر آخر أو قامت عن مجلسها ، ودلالة أنها أعرضت عما فوض إليها أنه فوض إليها الواحدة وهي أتت بالثلاث ; والواحدة من الثلاث إن لم تكن غير الثلاث ولأن الثلاث غير الواحدة ذاتا ; لأن الواحدة منها والشيء لا يكون غير نفسه لكنها غير الواحدة لفظا وحكما ووقتا .

( أما ) اللفظ فإن لفظ الواحدة غير لفظ الثلاث .

وكذا حكمها غير حكم الثلاث .

وأما الوقت فإن وقت وقوع الواحدة غير وقت وقوع الثلاث ; لأن الواحدة تقع عند قولها طلقت نفسي والثلاث تقع عند قولها ثلاثا لما ذكرنا فيما تقدم أن العدد وهو الواقع على معنى أنه متى اقترن بذكر الطلاق ذكر عدد لا يقع الطلاق قبل ذكر العدد ، ويقف أول الكلام على آخره فصارت المرأة باشتغالها بذكر الثلاث لفظا معرضة عن الواحدة لفظا وحكما ووقت وقوع الطلاق لصيرورتها مشتغلة بغير ما ملكت تاركة للمملوك ، والاشتغال بغير المملوك دليل الإعراض عما ملكت ; والإعراض عن ما ملكت يوجب بطلان التمليك وخروج الأمر عن يدها بخلاف ما إذا قال لها : طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة ; لأن هناك ما أعرضت عما فوض إليها ; لأنه فوض إليها الثلاث وتفويض الثلاث تفويض الواحدة ; لأن التفويض تمليك ، وتمليك الثلاث تمليك الواحدة ; لأنها من أجزاء الثلاث وجزء المملوك مملوك فلم تصر باشتغالها بالواحدة مشتغلة بغير ما ملكت ولا تاركة للمملوك .

فأما تمليك الجزء فلا يكون تمليك الكل فافترقا .

والثالث أن الزوج لم يملكها إلا الواحدة المنفردة ، وما أتت بالواحدة المنفردة فلم تأت بما ملكها الزوج فلا يقع شيء كما لو قال لها : طلقي نفسك فأعتقت عبده ، ولا شك أن الزوج لم يملكها إلا الواحدة المنفردة لأنه نص على التوحد ، والتوحد ينبئ عن التفرد في اللغة فكان المفوض إليها طلقة واحدة منفردة عن غيرها ; وهي وإن أتت بالواحدة بإتيانها بالثلاث فما أتت بالواحدة المنفردة لأنها أتت بثلاث مجتمعة والثلاث المجتمعة لا يوجد فيها واحدة منفردة لما فيه من الاستحالة لتضاد بين الاجتماع والافتراق فلم تأت بما فوض إليها فلا يقع شيء بخلاف ما إذا قال لها : طلقي نفسك ثلاثا [ ص: 125 ] فطلقت نفسها واحدة ; لأن هناك أتت بما فوض إليها لكنها زادت على القدر المفوض لأنه فوض إليها الثلاث مطلقا عن صفة الاجتماع والافتراق .

ألا ترى أنها لو طلقت نفسها ثلاثا متفرقة وقعت كما لو طلقت نفسها ثلاثا مجتمعة ، ولو كان المفوض إليها الثلاث المجتمعة لما ملكت إيقاع الثلاث المتفرقة ، فإذا صارت الثلاث - مطلقا - مملوكة لها ، مجتمعة كانت أو منفردة صارت كل واحدة من الطلقات الثلاث مملوكة لها منفردة كانت أو مجتمعة ، فإذا طلقت نفسها واحدة فقد أتت بالمملوك ضرورة ، وهو الجواب عما إذا قال لها : طلقي نفسك واحدة فقالت : طلقت نفسي واحدة واحدة واحدة أنه يقع واحدة ; لأنها أتت بالمفوض وزيادة فيقع القدر المفوض وتلغو الزيادة ، وههنا ما أتت بالمفوض إليها أصلا ورأسا فهو الفرق .

ولا يلزم ما إذا قال لها : طلقي نفسك فقالت : أبنت نفسي ; لأن هناك أيضا أتت بالمفوض إليها وزيادة ; لأن الزوج فوض إليها أصل الطلاق وهي أتت بالأصل والوصف ; لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق على ما نذكر فلغا الوصف وهو وصف البينونة وبقي الأصل وهو صريح الطلاق فتقع واحدة رجعية .

وذكر القدوري عن أبي يوسف في هذه المسألة أن قياس قول أبي حنيفة أن لا يقع شيء وعلى هذا الخلاف الذي ذكرنا ما إذا قال لها طلقي نفسك واحدة إن شئت فطلقت نفسها ثلاثا .

ولو قال لها طلقي نفسك ثلاثا إن شئت فطلقت نفسها واحدة أو ثنتين لا يقع شيء في قولهم جميعا ; لأنه ملكها الثلاث بشرط مشيئتها الثلاث فإذا شاءت ما دون الثلاث لم تملك الثلاث لوجود بعض شرط الملك والحكم المعلق بشرط لا يثبت عند وجود بعض الشرط ، ولو قال لها : طلقي نفسك من ثلاث ما شئت فلها أن تطلق نفسها واحدة وثنتين ، وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثا في قول أبي حنيفة .

وقال أبو يوسف ومحمد : تطلق نفسها ثلاثا إن شاءت .

وجه قولهما أن كلمة من في مثل هذا الموضع تذكر لبيان الجنس فإن من قال لغيره : كل من هذا الرغيف ما شئت كان له أن يأكل كل الرغيف ولأبي حنيفة أن كلمة ما كلمة عامة ، وكلمة من للتبعيض حقيقة فلا بد من اعتبار المعنيين جميعا وذلك في أن يصير المفوض إليها من الثلاث بعضا له عموم وذلك اثنان ; فتملك ما فوض إليها وهو الثنتان .

وفي مسألة الرغيف صرفت كلمة من عن حقيقتها إلى الجنس بدلالة الحال وهو أن الأصل في الطعام هو السماح دون الشح خصوصا في حق من قدم إليه ، ولو قال لها : طلقي نفسك إن شئت فقالت شئت لا يقع الطلاق ، ولو قال لها : أنت طالق إن شئت يقع ; لأن في الفصل الأول أمرها بالتطليق فما لم تطلق لا يقع الطلاق ومشيئة التطليق لا تكون تطليقا ، وفي الفصل الثاني علق طلاقها بمشيئتها وقد شاءت ، ولو قال لها : طلقي نفسك فقالت : أبنت نفسي طلقت واحدة تملك الرجعة ، وإن قالت : قد اخترت نفسي لم تطلق .

ووجه الفرق : أن قولها أبنت من ألفاظ الطلاق ; لأن الإبانة قطع الوصلة لغة ، والطلاق رفع القيد لغة إلا أن عمل صريح الطلاق يتأخر شرعا في المدخول بها إلى ما بعد انقضاء العدة ، فكان بين اللفظين موافقة من حيث الأصل فإذا قالت : أبنت نفسي فقد أتت بالأصل وزادت صفة البينونة فتلغو الصفة ويبقى الأصل بخلاف قولها اخترت ; لأن الاختيار ليس من ألفاظ الطلاق لغة بدليل أنه لو قال لامرأته اخترتك أو قال : اخترت نفسي لا يقع الطلاق .

وكذا إذا قالت المرأة : طلقت نفسي أو أبنت نفسي وقف على إجازة الزوج ، ولو قالت : اخترت نفسي لا يقف على إجازته ، بل يبطل إلا أنه جعل من ألفاظ الطلاق شرعا بالنص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم عند خروجه جوابا للتخيير وما في معناه ، وهو الأمر باليد فلا يكون جوابا في غيره فيلغو ، وحكى القدوري قول أبي يوسف فقال : قال أبو يوسف : إذا قال لها : طلقي نفسك فقالت : أبنت نفسي لا يقع شيء على قياس قول أبي حنيفة ، ووقع عندهما تطليقة رجعية كأنها قالت : أبنت نفسي بتطليقة ولم يذكر خلاف أبي حنيفة في الجامع الصغير .

ووجه الفرق بين هذه المسألة وبين قوله طلقي نفسك واحدة على نحو ما بينا ` ، ولو قال لها طلقي نفسك تطليقة رجعية فطلقت نفسها بائنا أو قال لها : طلقي نفسك تطليقة بائنة فطلقت رجعية يقع ما أمر به الزوج لا ما أتت به ; لأنها إنما تملك تطليق نفسها بتمليك الزوج لها ; فتملك ما ملكها الزوج وما أتت به موافق لما ملكها الزوج من حيث الأصل ; لأن كل واحد منهما [ ص: 126 ] من ألفاظ الطلاق ، وإنما خالفه من حيث الوصف فإذا وقع الأصل استتبع الوصف المملك فيقع ما فوض إليها والله الموفق للصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث