الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط ركن الإيلاء

جزء التالي صفحة
السابق

وأما حرية المولي فليس بشرط لصحة إيلائه بالله تعالى ، ومما لا يتعلق بالمال حتى لو قال العبد لامرأته : والله لا أقربك ، أو قال : إن قربتك فعلي صوم أو حج أو عمرة ، أو امرأتي طالق يصح إيلاؤه حتى لو لم يقربها تبين منه في المدة ولو قربها ففي اليمين بالله تعالى تلزمه الكفارة بالصوم ، وفي غيرها يلزمه الجزاء المذكور ; ولأن العبد أهل لذلك ، وإن كان يحلف بما يتعلق بالمال بأن قال : إن قربتك فعلي عتق رقبة ، أو علي أن أتصدق بكذا لا يصح ; لأنه ليس من أهل ملك المال .

وأما إسلام المولي فهل هو شرط لصحة الإيلاء ؟ فنقول : لا خلاف في أن الذمي إذا آلى من امرأته بالطلاق أو العتاق أنه يصح إيلاؤه ; لأن الكافر من أهل الطلاق والعتاق ولا خلاف أيضا في أنه إذا آلى بشيء من القرب كالصوم والصدقة والحج والعمرة بأن قال لامرأته : إن قربتك فعلي صوم أو صدقة أو حجة أو عمرة أو غير ذلك من القرب لا يكون موليا ; لأنه ليس من أهل القربة فيمكنه قربان امرأته من غير شيء يلزمه فلم يكن موليا ، ، وكذا إذا قال لامرأته : إن قربتك فأنت علي كظهر أمي أو فلانة علي كظهر أمي لم يكن موليا ; لأن الكفر يمنع صحة الظهار عندنا ، وإذا لم يصح يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه ، فلا يكون موليا .

واختلف فيما إذا آلى بالله تعالى فقال : والله لا أقربك ، تنعقد موجبة للكفارة على تقدير الحنث عند أبي حنيفة يكون موليا .

وقال أبو يوسف ، ومحمد : لا يكون موليا وجه قولهما أن اليمين بالله تعالى لا تنعقد من الذمي كما في غير الإيلاء والجامع بينهما أن اليمين بالله تعالى تنعقد موجبة للكفارة على تقدير الحنث والكافر ليس من أهل الكفارة ، ، ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى { للذين يؤلون من نسائهم } من غير تخصيص المسلم ; ولأن الإيلاء بالله يمين يمنع القربان خوفا من هتك حرمة اسم الله - عز وجل - والذمي يعتقد حرمة اسم الله تعالى ، ولهذا يستحلف على الدعاوى كالمسلم ، ويتعلق حل الذبيحة بتسميته كما يتعلق بتسمية المسلم ، فإنه إذا ذكر اسم الله عليها أكلت ، وإن ترك التسمية لم تؤكل ، فيصح إيلاؤه كما يصح إيلاء المسلم ، وإذا صح إيلاؤه بالله تعالى تثبت أحكام الإيلاء في حقه كما تثبت في حق المسلم إلا أنه لا يظهر في حق حكم الحنث ، وهو الكفارة ; لأن الكفارة عبادة ، وهو ليس من أهل العبادة فيظهر في حق حكم البر ، وهو الطلاق ; لأنه من أهله ولو آلى مسلم أو ظاهر من امرأته ثم ارتد عن الإسلام ولحق بدار الحرب ثم رجع مسلما وتزوجها فهو مول ، ومظاهر في قول أبي حنيفة .

وقال أبو يوسف : يسقط عنه الإيلاء والظهار .

( وجه ) قوله أن الكفر يمنع صحة الإيلاء والظهار ابتداء فيمنع بقاءهما على الصحة ; لأن حكم الإيلاء وجوب الكفارة على تقدير الحنث ، وحكم الظهار حرمة مؤقتة إلى غاية التكفير ، والكافر ليس من أهل وجوب الكفارة ، ، ولأبي حنيفة أن الكفر لما لم يمنع انعقاد الإيلاء لما بينا فلأن لا يمنع بقاءه أولى ; لأن البقاء أسهل ; ولأن الإيلاء قد انعقد لوجوده من المسلم والعارض هو الردة .

وأثرها في زوال ملك النكاح ، وزوال الملك لا يوجب بطلان اليمين فتبقى اليمين فإذا عاد يعود حكم الإيلاء ; لأن كل عارض على أصل يلتحق بالعدم من الأصل إذا ارتفع ، ويجعل كأن لم يكن ; ولأن الإيلاء انعقد بيقين والعارض ، وهو الردة يحتمل الزوال والتصرف الشرعي إذا انعقد بيقين لاحتمال الفائدة في البقاء ، واحتمال الفائدة ههنا ثابت ; لأن رجاء الإسلام قائم والظهار قد انعقد موجبا حكمه ، وهو الحرمة المؤقتة لصدوره من المسلم ، وبالردة زالت صفة الحكم ، وبقي الأصل ، وهو الحرمة إذ الكافر من أهل ثبوت الحرمة ، وبقائها في حقه ; ; لأن حكم الحرمة وجوب الامتناع ، وهو قادر على الامتناع بخلاف القربة ، ولهذا خوطب بالحرمات دون القربات والطاعات على ما عرف في أصول الفقه والله الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث