الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وشرط وجوبها الدخول أو ما يجري مجرى الدخول ، وهو الخلوة الصحيحة في النكاح الصحيح دون الفاسد ، فلا يجب بدون الدخول ، والخلوة الصحيحة لقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } ; ولأن وجوبها بطريق استبراء الرحم على ما بينا ، والحاجة إلى الاستبراء بعد الدخول لا قبله إلا أن الخلوة الصحيحة في النكاح الصحيح أقيمت مقام الدخول في وجوب العدة التي فيها حق الله تعالى ; لأن حق الله تعالى يحتاط في إيجابه ; ولأن التسليم بالواجب بالنكاح قد حصل بالخلوة الصحيحة فتجب به العدة كما تجب بالدخول بخلاف الخلوة في النكاح الفاسد ; لأن الخلوة الصحيحة إنما أقيمت مقام الدخول في وجوب العدة مع أنها ليست بدخول حقيقة لكونها سببا مفضيا إليه فأقيمت مقامه احتياطا إقامة للسبب مقام المسبب فيما يحتاط فيه .

والخلوة في النكاح الفاسد لا تفضي إلى الدخول لوجود المانع ، وهو فساد النكاح ، وحرمة الوطء ، فلم توجد الخلوة الحقيقية إذ هي لا تتحقق إلا بعد انتفاء الموانع أو وجدت بصفة الفساد ، فلا تقوم مقام الدخول ، وكذا التسليم الواجب بالعقد لم يوجد ; لأن النكاح الفاسد لا يوجب التسليم ، فلا تجب العدة .

وأما الخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح فقد ذكرنا تفصيل الكلام فيها في كتاب النكاح ، وسواء كانت المطلقة حرة أو أمة قنة أو مدبرة أو مكاتبة أو مستسعاة لا يختلف أصل الحكم باختلاف الرق ، والحرية ; لأن ما وجب له لا يختلف باختلافهما ، وإنما يختلف في القدر لما تبين ، والكلام في القدر يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى

وسواء كانت مسلمة أو كتابية تحت مسلم ، الحرة كالحرة ، والأمة كالأمة ; لأن العدة تجب بحق الله ، وبحق الزوج ، قال تعالى { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } والكتابية مخاطبة بحقوق العباد فتجب عليها العدة ، وتجبر عليها لأجل حق الزوج ، والولد ; لأنها من أهل إيفاء حقوق العباد ، وإن كانت تحت ذمي ، فلا عدة عليها في الفرقة ولا في الموت في قول أبي حنيفة إذا كان ذلك كذلك في دينهم ، حتى لو تزوجت في الحال جاز ، وعند أبي يوسف ، ومحمد عليها العدة .

وذكر الكرخي في جامعه في الذمية تحت ذمي إذا مات عنها أو طلقها فتزوجت في الحال جاز إلا أن تكون حاملا ، فلا يجوز نكاحها ; وجه قولهما أن الذمية من أهل دار الإسلام .

ألا ترى أن أهل الذمة يجري عليهم سائر أحكام الإسلام .

كذا هذا الحكم ، ولأبي حنيفة أنه لو وجبت عليها العدة أما إن تجب بحق الله تعالى أو بحق الزوج ولا سبيل إلى إيجابها بحق الزوج ; لأن الزوج لا يعتقد حقا لنفسه ولا وجه إلى إيجابها بحق الله تعالى ; لأن العدة فيها معنى القربة ، وهي غير مخاطبة بالقربات إلا أنها إذا كانت حاملا تمنع من التزويج ; لأن وطء الزوج الثاني يوجب اشتباه النسب ، وحفظ النسب حق الولد ، فلا يملك إبطال حقه فكان على الحكم استيفاء حقه بالمنع من التزويج ولا عدة على المهاجرة في قول أبي حنيفة ، وعندهما عليها العدة ، ، والمسألة مرت في كتاب النكاح ، فإن جاء الزوج مسلما وتركها في دار الحرب ، فلا عدة عليها في قولهم جميعا ; لأن على أصل أبي حنيفة الكافرة تلزمها العدة لحق المسلم واختلاف الدارين يمنع ثبوت الحق لأحدهما على الآخر ، وعلى أصلهما وجوب [ ص: 192 ] العدة على الكافرة لجريان حكمنا على أهل الذمة ولا يجري حكمنا على الحربية ولا عدة على الزانية حاملا كانت أو غير حامل ; لأن الزنا لا يتعلق به ثبوت النسب .

ومنها الفرقة في النكاح الفاسد بتفريق القاضي أو بالمتاركة ، وشرطها الدخول ; لأن النكاح الفاسد يجعل منعقدا عند الحاجة ، وهي عند استيفاء المنافع وقد مست الحاجة إلى الانعقاد لوجوب العدة وصيانة للماء عن الضياع بثبوت النسب ، وتجب هذه العدة على الحرة ، والأمة ، والمسلمة ، والكتابية ; لأن الموجب لا يوجب الفصل ، ويستوي فيها الفرقة ، والموت ; لأن وجوب هذه العدة على وجه الاستبراء وقد مست الحاجة في الاستبراء ; لوجود الوطء ، فأما عدة الوفاة فإنما تجب لمعنى آخر ، وهو إظهار الحزن على ما فاتها من نعمة النكاح على ما نذكر إن شاء - الله تعالى - والنكاح الفاسد ليس بنكاح على الحقيقة فلم يكن نعمة ثم يعتبر الوجوب في الفرقة من وقت الفرقة ، وفي الموت من وقت الموت عند أصحابنا الثلاثة ، وعند زفر من آخر وطء وطئها ، والمسألة مرت في كتاب النكاح .

ومنها الوطء عن شبهة النكاح بأن زفت إليه غير امرأته فوطئها ; لأن الشبهة تقام مقام الحقيقة في موضع الاحتياط ، وإيجاب العدة من باب الاحتياط .

ومنها عتق أم الولد .

ومنها موت مولاها بأن أعتقها سيدها أو مات عنها ، وسبب وجوب هذه العدة هو زوال الفراش ، وهذا عندنا ، وعند الشافعي لا عدة عليها ، وإنما عليها الاستبراء بحيضة واحدة ، وسبب وجوبها عنده هو زوال ملك اليمين ، ونذكر المسألة في بيان مقادير العدد إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث