الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان مقادير العدة وما تنقضي به

جزء التالي صفحة
السابق

وأما عدة الحبل فمقدارها بقية مدة الحمل قلت أو كثرت حتى لو ولدت بعد وجوب العدة بيوم أو أقل أو أكثر انقضت به العدة لقوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } من غير فصل ، وذكر في الأصل أنها لو ولدت والميت على سريره انقضت به العدة على ما جاءت به السنة هكذا ذكر ، والسنة المذكورة هي ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في المتوفى عنها زوجها إذا ولدت وزوجها على سريره جاز لها أن تتزوج ، وشرط انقضاء هذه العدة أن يكون ما وضعت قد استبان خلقه أو بعض خلقه فإن لم يستبن رأسا بأن أسقطت علقة أو مضغة لم تنقض العدة ; لأنه إذا استبان خلقه أو بعض خلقه فهو ولد فقد وجد وضع الحمل فتنقضي به العدة ، وإذا لم يستبن لم يعلم كونه ولدا بل يحتمل أن يكون ، ويحتمل أن لا يكون فيقع الشك في وضع الحمل ، فلا تنقضي العدة بالشك .

وقال الشافعي في أحد قوليه يرى للنساء ، وهذا ليس بشيء ; لأنهن لم يشاهدن انخلاق الولد في الرحم ليقسن هذا عليه فيعرفن .

وقال في قول آخر : يجعل في الماء الحار ثم ينظر إن انحل فليس بولد ، وإن لم ينحل فهو ولد ، وهذا أيضا فاسد ; لأنه يحتمل أنه قطعة من كبدها أو لحمها انفصلت منها ، وأنها لا تنحل بالماء الحار كما لا ينحل الولد ، فلا يعلم به أنه ولد .

ولو ظهر أكثر الولد لم يذكر هذا في ظاهر الرواية .

وقد قالوا في المطلقة طلاقا رجعيا : إنه إذا ظهر منها أكثر ولدها أنها تبين ، فعلى هذا يجب أن تنقضي به العدة أيضا بظهور أكثر الولد ، ويجوز أن يفرق بينهما فيقام الأكثر مقام الكل في انقطاع الرجعة احتياطا ولا يقام في انقضاء العدة حتى لا تحل للأزواج احتياطا أيضا ثم انقضاء عدة الحمل بوضع الحمل إذا كانت معتدة عن طلاق أو غيره من أسباب الفرقة بلا خلاف لعموم قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ، وكذلك إذا كانت متوفى عنها زوجها عند عامة العلماء ، وعامة الصحابة رضي الله عنهم .

وروي عن عمر ، وعبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر ، وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا : عدتها بوضع ما في بطنها ، وإن كان زوجها على السرير .

وقال علي رضي الله عنه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الحامل إذا توفي عنها زوجها فعدتها أبعد الأجلين وضع الحمل أو مضى أربعة أشهر وعشر أيهما كان أخيرا تنقضي به العدة .

( وجه ) هذا القول أن الاعتداد بوضع الحمل إنما ذكر [ ص: 197 ] في الطلاق لا في الوفاة بقوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ; لأنه معطوف على قوله عز وجل { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } ، وذلك بناء على قوله تعالى { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } فكان المراد من قوله { واللائي لم يحضن } المطلقات ; ولأن في الاعتداد بأبعد الأجلين جمعا بين الآيتين بالقدر الممكن ; لأن فيه عملا بآية عدة الحبل إن كان أجل تلك العدة أبعد ، وعملا بآية عدة الوفاة إن كان أجلها أبعد فكان عملا بهما جميعا بقدر الإمكان ، وفيما قلتم عمل بإحداهما ، وترك العمل بالأخرى أصلا فكان ما قلنا أولى ، ولعامة العلماء ، وعامة الصحابة رضي الله عنهم قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } من غير فصل بين المطلقة ، والمتوفى عنها زوجها ، وقوله هذا بناء على قوله { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } ممنوع بل هو ابتداء خطاب ، وفي الآية الكريمة ما يدل عليه فإنه قال { إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } ، ومعلوم أنه لا يقع الارتياب فيمن يحتمل القرء ، وذلك ; لأن الأشهر في الآيسات إنما أقيمت مقام الأقراء في ذوات الحيض ، وإذا كانت الحامل ممن تحيض لم يجز أن يقع لهم شك في عدتها ليسألوا عن عدتها ، وإذا كان كذلك ثبت أنه خطاب مبتدأ ، وإذا كان خطابا مبتدأ تناول العدد كلها .

وقوله الاعتداد بأبعد الأجلين عمل بالآيتين بقدر الإمكان فيقال إنما يعمل بهما إذا لم يثبت نسخ إحداهما بالتقدم ، والتأخر أو لم يكن إحداهما أولى بالعمل بها ، وقد قيل إن آية وضع الحمل آخرهما نزولا بما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : من شاء باهلته أن قوله { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } نزل بعد قوله { أربعة أشهر وعشرا } ، فأما نسخ الأشهر بوضع الحمل إذا كان بين نزول الآيتين زمان يصلح للنسخ فينسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر كما هو مذهب مشايخنا بالعراق ولا يبنى العام على الخاص أو يعمل بالنص العام بعمومه ، ويتوقف في حق الاعتقاد في التخريج على التناسخ كما هو مذهب مشايخنا بسمرقند ، ولا يبنى العام على الخاص على ما عرف في أصول الفقه .

وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : { قلت : يا رسول الله حين نزول قوله { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } أنها في المطلقة أم في المتوفى عنها زوجها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيهما جميعا } وقد روت أم سلمة رضي الله عنها { أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها ببضع ، وعشرين ليلة فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج } .

وروي أيضا عن أبي السنابل بن بعكك { أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها ببضع ، وعشرين ليلة فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج } . وروي أنها لما مات عنها زوجها وضعت حملها ، وسألت أبا السنابل بن بعكك هل يجوز لها أن تتزوج ؟ فقال لها : حتى يبلغ الكتاب أجله ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { كذب أبو السنابل ابتغي الأزواج } ، وهذا حديث صحيح وقد روي من طرق صحيحة لا مساغ لأحد في العدول عنها ; ولأن المقصود من العدة من ذوات الأقراء العلم ببراءة الرحم ، ووضع الحمل في الدلالة على البراءة فوق مضي المدة فكان انقضاء العدة به أولى من الانقضاء بالمدة ، وسواء كانت المرأة حرة أو مملوكة قنة أو مدبرة أو مكاتبة أو أم ولد أو مستسعاة مسلمة أو كتابية لعموم النص ، وقال أبو يوسف كذلك إلا في امرأة الصغير في عدة الوفاة بأن مات الصغير عن امرأته وهي حامل فإن عدتها أربعة أشهر وعشر عند أبي يوسف ، وعند أبي حنيفة ، ومحمد عدتها أن تضع حملها .

وجه قوله أن هذا الحمل ليس منه بيقين بدليل أنه لا يثبت نسبه منه فكان من الزنا ، فلا تنقضي به العدة كالحمل من الزنا ، وكالحمل بعد موته ولهما عموم قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } وقوله : الحمل من الزنا لا تنقضي به العدة ، وهذا حمل من الزنا فيكون مخصوصا من العموم ، فنقول : الحمل من الزنا قد تنقضي به العدة على قياس قولهما .

ألا ترى أنه إذا تزوج امرأة حاملا من الزنا جاز نكاحها عندهما ولو تزوجها ثم طلقها فوضعت حملها تنقضي عدتها عندهما بوضع الحمل ، وإن كان الحمل من الزنا ; ولأن وجوب العدة للعلم بحصول فراغ الرحم ، والولادة دليل فراغ الرحم بيقين ، والشهر لا يدل على الفراغ بيقين فكان إيجاب ما دل على الفراغ بيقين أولى ولا أثر للنسب في هذا الباب ، وإنما الأثر لما بينا في الجملة ، فإن مات وهي حائل ثم حملت بعد موته قبل انقضاء العدة فعدتها بالشهور أربعة أشهر [ ص: 198 ] وعشر بالإجماع لعموم قوله تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ; ولأن الحمل إذا لم يكن موجودا وقت الموت وجبت العدة بالأشهر ، فلا تتغير بالحمل الحادث ، وإذا كان موجودا وقت الموت وجبت عدة الحبل فكان انقضاؤها بوضع الحمل ولا يثبت نسب الولد في الوجهين جميعا ; لأن الولد لا يحصل عادة إلا من الماء ، والصبي لا ماء له حقيقة ، ويستحيل وجوده عادة فيستحيل تقديره .

وقال أبو يوسف ، ومحمد في زوجة الكبير تأتي بولد بعد موته لأكثر من سنتين وقد تزوجت بعد مضي أربعة أشهر وعشر أن النكاح جائز ; لأن إقدامها على النكاح في هذه الحالة إقرار منها بانقضاء العدة لتحرز المسلمة عن النكاح في العدة .

ولم يرد على إقرارها ما يبطله .

ألا ترى أنها لو جاءت بعد التزويج بولد لستة أشهر فصاعدا كان النكاح جائزا لما بينا فههنا أولى ، وإذا كانت المعتدة حاملا فولدت ولدين انقضت عدتها بالأخير منهما عند عامة العلماء وقال الحسن البصري إذا وضعت أحد الولدين انقضت عدتها واحتج بقوله سبحانه ، وتعالى : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ولم يقل : أحمالهن ، فإذا وضعت إحداهما فقد وضعت حملها ، إلا أن ما قاله لا يستقيم ; لوجهين : أحدهما أنه قرئ في بعض الروايات " أن يضعن أحمالهن " ، والثاني أنه علق انقضاء العدة بوضع الحمل لا بالولادة حيث قال سبحانه ، وتعالى : { يضعن حملهن } ولم يقل : " يلدن " ، والحمل : اسم لجميع ما في بطنها ، ووضع أحد الولدين وضع بعض حملها ، لا وضع حملها ، فلا تنقضي به العدة ; ولأن وضع الحمل إنما تنقضي به العدة لبراءة الرحم بوضعه ، وما دام في بطنها ولد لا تحصل البراءة به ، فلا تنقضي العدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث