الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ومنها وجوب الإحداد على المعتدة والكلام في هذا الحكم في ثلاثة مواضع : أحدها في تفسير الإحداد ، والثاني في بيان أن الإحداد واجب في الجملة أولا ، والثالث في بيان شرائط وجوبه : أما الأول فالإحداد في اللغة عبارة عن الامتناع من الزينة ، يقال : أحدت على زوجها وحدت أي امتنعت من الزينة وهو أن تجتنب الطيب ولبس المطيب والمعصفر والمزعفر ، وتجتنب الدهن والكحل ولا تختضب ولا تمتشط ولا تلبس حليا ولا تتشوف .

أما الطيب فلما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المعتدة أن تختضب بالحناء .

وقال صلى الله عليه وسلم : " الحناء طيب " فيدل على وجوب اجتناب الطيب ، ولأن الطيب فوق الحناء فالنهي عن الحناء يكون نهيا عن الطيب دلالة ، كالنهي عن التأفيف نهي عن الضرب والقتل دلالة ، وكذا لبس الثوب المطيب والمصبوغ بالعصفر والزعفران له رائحة طيبة فكان كالطيب وأما الدهن فلما فيه من زينة الشعر ، وفي الكحل زينة العين ولهذا حرم على المحرم جميع ذلك وهذا في حال الاختيار ، فأما في حال الضرورة فلا بأس به بأن اشتكت عينها فلا بأس بأن تكتحل أو اشتكت رأسها فلا بأس أن تصب فيه الدهن أو لم يكن لها إلا ثوب مصبوغ فلا بأس أن تلبسه لكن لا تقصد به الزينة ; لأن مواضع الضرورة مستثناة .

وقال أبو يوسف : لا بأس أن تلبس القصب والخز الأحمر وذكر في الأصل وقال : ولا تلبس قصبا ولا خزا تتزين به ; لأن الخز والقصب قد يلبس للزينة وقد يلبس للحاجة والرفاء فاعتبر فيه القصد ، فإن قصد به الزينة لم يجز وإن لم يقصد به جاز .

وأما الثاني وهو بيان أنه واجب أم لا فنقول لا خلاف بين الفقهاء أن المتوفى عنها زوجها يلزمها الإحداد .

وقال نفاة القياس : لا إحداد عليها ، وهم محجوجون بالأحاديث وإجماع الصحابة رضي الله عنهم أما الأحاديث فمنها ما روي أن أم حبيبة رضي الله عنها لما بلغها موت أبيها أبي سفيان انتظرت ثلاثة أيام ثم دعت بطيب .

وقالت : ما لي إلى الطيب من حاجة ، لكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا } وروي [ ص: 209 ] أن امرأة مات زوجها فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه في الانتقال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن إحداكن كانت تمكث في شر أحلاسها إلى الحول ثم تخرج فتلقي البعرة أفلا أربعة أشهر وعشرا } فدل الحديث أن عدتهن من قبل نزول هذه الآية كانت حولا وأنهن كن في شر أحلاسهن مدة الحول ثم انتسخ ما زاد على هذه المدة وبقي الحكم فيما بقي على ما كان قبل النسخ ، وهو أن تمكث المعتدة هذه المدة في شر أحلاسها ، وهذا تفسير الحداد .

وأما الإجماع فإنه روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم عبد الله بن عمر وعائشة وأم سلمة وغيرهم رضي الله عنهم مثل قولنا وهو قول السلف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث