الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

واختلف في المطلقة ثلاثا أو بائنا قال أصحابنا : يلزمها الحداد .

وقال الشافعي : لا يلزمها الحداد .

وجه قوله أن الحداد في المنصوص عليه إنما وجب لحق الزوج تأسفا على ما فاتها من حسن العشرة وإدامة الصحبة إلى وقت الموت وهذا المعنى لم يوجد في المطلقة ; لأن الزوج أوحشها بالفرقة وقطع الوصلة باختيار ولم يمت عنها فلا يلزمها التأسف ، ولنا أن الحداد إنما وجب على المتوفى عنها زوجها لفوات النكاح الذي هو نعمة في الدين خاصة في حقها لما فيه من قضاء شهوتها وعفتها عن الحرام وصيانة نفسها عن الهلاك بدرور النفقة ، وقد انقطع ذلك كله بالموت فلزمها الإحداد إظهارا للمصيبة والحزن ، وقد وجد هذا المعنى في المطلقة الثلاث والمبانة فيلزمها الإحداد ، وقوله : الإحداد في عدة الوفاة وجب لحق الزوج لا يستقيم ; لأنه لو كان لحق الزوج لما زاد على ثلاثة أيام كما في موت الأب .

وأما الثالث في شرائط وجوبه فهي أن تكون المعتدة بالغة عاقلة مسلمة من نكاح صحيح سواء كانت متوفى عنها زوجها أو مطلقة ثلاثا أو بائنا فلا يجب على الصغيرة والمجنونة الكبيرة والكتابية والمعتدة من نكاح فاسد والمطلقة طلاقا رجعيا ، وهذا عندنا .

وقال الشافعي : يجب على الصغيرة والكتابية ; وجه قوله أن الحداد من أحكام العدة وقد لزمتها العدة فيلزمها حكمها ، ولنا أن الحداد عبادة بدنية فلا تجب على الصغيرة والكافرة كسائر العبادات البدنية من الصوم والصلاة وغيرهما بخلاف العدة فإنها اسم لمضي زمان وذا لا يختلف بالإسلام والكفر والصغر والكبر ، على أن بعض أصحابنا قالوا : لا تجب عليهما العدة وإنما يجب علينا أن لا نتزوجهما ولا إحداد على أم الولد إذا أعتقها مولاها أو مات عنها ; لأنها تعتد من الوطء كالمنكوحة نكاحا فاسدا ولا إحداد على المعتدة من نكاح فاسد فكذا عليها ولا إحداد على المطلقة طلاقا رجعيا ; لأنه يجب إظهارا للمصيبة على فوت نعمة النكاح ، والنكاح بعد الطلاق الرجعي غير فائت بل هو قائم من كل وجه فلا يجب الحداد بل يستحب لها أن تتزين لتحسن في عين الزوج فيراجعها ولا إحداد في النكاح الفاسد ; لأن النكاح الفاسد ليس بنعمة في الدين ; لأنه معصية ومن المحال إيجاب إظهار المصيبة على فوات المعصية بل الواجب إظهار السرور والفرح على فواتها .

وأما الحرية فليست بشرط لوجوب الإحداد فيجب على الأمة والمدبرة وأم الولد إذا كان لها زوج فمات عنها أو طلقها والمكاتبة والمستسعاة ; لأن ما وجب له الحداد لا يختلف بالرق والحرية فكانت الأمة فيه كالحرة والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث