الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فأرة ماتت في البئر وأخرجت ، فجاءوا بدلو عظيم يسع عشرين دلوا بدلوهم ، فاستقوا منها دلوا واحدا أجزأهم وطهرت البئر ; لأن الماء النجس قدر ما جاور الفأرة ، فلا فرق بين أن ينزح ذلك بدلو واحد ، وبين أن ينزح بعشرين دلوا وكان الحسن بن زياد يقول : لا يطهر إلا بنزح عشرين دلوا ; لأن عند تكرار النزح ينبع الماء من أسفله ، ويؤخذ من أعلاه فيكون في حكم الماء الجاري ، وهذا لا يحصل بدلو واحد وإن كان عظيما ، ولو صب الماء المستعمل في البئر ينزح كله عند أبي يوسف ; لأنه نجس عنده ، وعند محمد ينزح عشرون دلوا ، كذا ذكره القدوري في شرح مختصر الكرخي وفيه نظر ; لأن الماء المستعمل طاهر عند محمد ، والطاهر إذا اختلط بالطهور لا يغيره عن صفة الطهورية ، إلا إذا غلب عليه كسائر المائعات الطاهرة ، ويحتمل أن يقال : إن طهارته غير مقطوع بها ; لكونه محل الاجتهاد بخلاف المائعات ، فينزح أدنى ما ورد الشرع به وذلك عشرون احتياطا ، ولو نزح ماء البئر وبقي الدلو الأخير فهذا على ثلاثة أوجه : إما أن لم ينفصل عن وجه الماء ، أو انفصل ونحي عن رأس البئر ، أو انفصل ولم ينح عن رأس البئر .

فإن لم ينفصل عن وجه الماء لا يحكم بطهارة البئر ، حتى لا يجوز التوضؤ منه ; لأن النجس لم يتميز من الطاهر ، وإن انفصل عن وجه الماء ونحي عن رأس البئر طهر ; لأن النجس قد تميز من الطاهر ، وأما إذا انفصل عن وجه الماء ولم ينح عن رأس البئر والماء يتقاطر فيه لا يطهر عند أبي يوسف وعند محمد يطهر ، ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة ، وذكر الحاكم قوله : مع قول أبي يوسف وجه قول محمد أن النجس انفصل من الطاهر ، فإن الدلو الأخير تعين للنجاسة شرعا ، بدليل أنه إذا نحي عن رأس البئر يبقى الماء طاهرا ، والماء يتقاطر فيها من الدلو سقط اعتبار نجاسته شرعا دفعا للحرج ، إذ لو أعطى للقطرات حكم النجاسة لم يطهر بئر أبدا ، وبالناس حاجة إلى الحكم بطهارة الآبار بعد وقوع النجاسات فيها وجه قولهما أنه لا يمكن الحكم بطهارة البئر إلا بعد انفصال النجس عنها ، وهو ماء الدلو الأخير ، ولا يتحقق الانفصال إلا بعد تنحية الدلو عن البئر ; لأن ماءه متصل بماء البئر ولم [ ص: 78 ] يوجد فلا يحكم بطهارة البئر ; ولأنه لو جعل منفصلا لا يمكن القول بطهارة البئر ; لأن القطرات تقطر في البئر ، فإذا كان منفصلا كان له حكم النجاسة فتنجس البئر ثانيا ; لأن ماء البئر قليل ، والنجاسة - وإن قلت - متى لاقت ماء قليلا تنجسه ، فكان هذا تطهيرا للبئر أولا ، ثم تنجيسا له ثانيا ، وإنه اشتغال بما لا يفيد ، وسقوط اعتبار نجاسة القطرات لا يجوز إلا لضرورة ، والضرورة تندفع بأن يعطى لهذا الدلو حكم الانفصال بعد انعدام التقاطر بالتنحية عن رأس البئر ، فلا ضرورة إلى تنجيس البئر بعد الحكم بطهارتها .

لو توضأ من بئر ، وصلى أياما ، ثم وجد فيها فأرة ، فإن علم وقت وقوعها أعاد الصلاة من ذلك الوقت ; لأنه تبين أنه توضأ بماء نجس ، وإن لم يعلم فالقياس أن لا يعيد شيئا من الصلوات ما لم يستيقن بوقت وقوعها ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ، وفي الاستحسان إن كانت منتفخة أو متفسخة أعاد صلاة ثلاثة أيام ولياليها ، وإن كانت غير منتفخة ولا متفسخة لم يذكر في ظاهر الرواية ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يعيد صلاة يوم وليلة ، ولو اطلع على نجاسة في ثوبه أكثر من قدر الدرهم ولم يتيقن وقت إصابتها لا يعيد شيئا من الصلاة ، كذا ذكر الحاكم الشهيد ، وهو رواية بشر المريسي عن أبي حنيفة .

وروي عن أبي حنيفة أنها إن كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة ، وإن كانت يابسة يعيد صلاة ثلاثة أيام بلياليها .

وروى ابن رستم في نوادره عن أبي حنيفة أنه إن كان دما لا يعيد ، وإن كان منيا يعيد من آخر ما احتلم ; لأن دم غيره قد يصيبه ، والظاهر أن الإصابة لم تتقدم زمان وجوده ، فأما مني غيره فلا يصيب ثوبه ، فالظاهر أنه منيه فيعتبر وجوده من وقت وجود سبب خروجه ، حتى أن الثوب لو كان مما يلبسه هو وغيره يستوي فيه حكم الدم والمني ، ومشايخنا قالوا في البول : يعتبر من آخر ما بال ، وفي الدم من آخر ما رعف وفي المني من آخر ما احتلم أو جامع ، وجه القياس في المسألة أنه تيقن طهارة الماء فيما مضى ، وشك في نجاسته ; لأنه يحتمل أنها وقعت في الماء وهي حية فماتت فيه ، ويحتمل أنها وقعت ميتة بأن ماتت في مكان آخر ، ثم ألقاها بعض الطيور في البئر ، على ما حكي عن أبي يوسف أنه قال : كان قولي مثل قول أبي حنيفة ، إلى أن كنت يوما جالسا في بستاني فرأيت حدأة في منقارها جيفة فطرحتها في بئر ، فرجعت عن قول أبي حنيفة الشك في نجاسة الماء فيما مضى ، فلا يحكم بنجاسته بالشك ، وصار كما إذا رأى في ثوبه نجاسة ولا يعلم وقت إصابتها أنه لا يعيد شيئا من الصلوات ، كذا هذا وجه الاستحسان أن وقوع الفأرة في البئر سبب لموتها ، والموت متى ظهر عقيب سبب صالح يحال به عليه ، كموت المجروح فإنه يحال به إلى الجرح ، وإن كان يتوهم موته بسبب آخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث