الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان ما يقع به التطهير

جزء التالي صفحة
السابق

( أما ) الأول فما يحصل به التطهير أنواع : منها الماء المطلق ، ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعا ; لأن الله تعالى سمى الماء طهورا بقوله { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وكذا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { الماء طهور لا ينجسه شيء ، إلا ما غير لونه ، أو طعمه ، أو ريحه } والطهور : هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره ، وكذا جعل الله تعالى الوضوء والاغتسال بالماء طهورا بقوله في آخر آية الوضوء : { ولكن يريد ليطهركم } .

وقوله { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ويستوي العذب والملح لإطلاق النصوص .

وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة فلا خلاف في أنه لا تحصل بها الطهارة الحكمية ، وهي زوال الحدث ، وهل تحصل بها الطهارة الحقيقية وهي زوال النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن ؟ اختلف فيه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : تحصل وقال محمد وزفر والشافعي : لا تحصل .

وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين الثوب والبدن ، فقال في الثوب : تحصل وفي البدن لا تحصل إلا بالماء وجه قولهم أن طهورية الماء عرفت شرعا بخلاف القياس ; لأنه بأول ملاقاته النجس صار نجسا ، والتطهير بالنجس لا يتحقق كما إذا غسل بماء نجس ، أو بالخمر ، إلا أن الشرع أسقط اعتبار نجاسة الماء حالة الاستعمال ، وبقاؤه طهورا على خلاف القياس فلا يلحق به غيره ; ولهذا لم يلحق به في إزالة الحدث ، ( ولهما ) أن الواجب هو التطهير ، وهذه المائعات تشارك الماء في التطهير ; لأن الماء إنما كان مطهرا لكونه مائعا رقيقا يداخل أثناء الثوب ، فيجاور أجزاء النجاسة ، فيرققها إن كانت كثيفة ، فيستخرجها [ ص: 84 ] بواسطة العصر ، وهذه المائعات في المداخلة ، والمجاورة ، والترقيق ، مثل الماء فكانت مثله في إفادة الطهارة بل أولى ، فإن الخل يعمل في إزالة بعض ألوان لا تزول بالماء ، فكان في معنى التطهير أبلغ ، ( وأما ) قولهم : إن الماء بأول ملاقاة النجس صار نجسا ممنوع ، والماء قط لا يصير نجسا ، وإنما يجاور النجس فكان طاهرا في ذاته فصلح مطهرا ، ولو تصور تنجس الماء فذلك بعد مزايلته المحل النجس ; لأن الشرع أمرنا بالتطهير ، ولو تنجس بأول الملاقاة لما تصور التطهير ، فيقع التكليف بالتطهير عبثا ، تعالى الله عن ذلك ، فهكذا نقول في الحدث ، إلا أن الشرع ورد بالتطهير بالماء هناك تعبدا غير معقول المعنى ، فيقتصر على مورد التعبد ، وهذا إذا كان مائعا ينعصر بالعصر ، فإن كان لا ينعصر ، مثل العسل والسمن والدهن ونحوها ، لا تحصل به الطهارة أصلا ; لانعدام المعاني التي يقف عليها زوال النجاسة على ما بينا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث