الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

والكلام في صلاة المسافر يقع في ثلاث مواضع : أحدها : في بيان المقدار المفروض من الصلاة في حق المسافر والثاني : في بيان ما يصير المقيم به مسافرا والثالث : في بيان ما يصير به المسافر مقيما ، ويبطل به السفر ويعود إلى حكم الإقامة .

( أما ) الأول : فقد قال أصحابنا : إن فرض المسافر من ذوات الأربع ركعتان لا غير وقال الشافعي : أربع كفرض المقيم إلا أن للمسافر أن يقصر رخصة ، من مشايخنا من لقب المسألة بأن القصر عندنا عزيمة ، والإكمال رخصة وهذا التلقيب على أصلنا خطأ ; لأن الركعتين من ذوات الأربع في حق المسافر ليستا قصرا حقيقة عندنا بل هما تمام فرض المسافر ، والإكمال ليس رخصة في حقه بل هو إساءة ومخالفة للسنة ، هكذا روي عن أبي حنيفة أنه قال : من أتم الصلاة في السفر فقد أساء وخالف السنة ، وهذا لأن الرخصة اسم لما تغير عن الحكم الأصلي لعارض إلى تخفيف ويسر لما عرف في أصول الفقه ، ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر رأسا إذ الصلاة في الأصل فرضت ركعتين في حق المقيم والمسافر جميعا لما يذكر ثم زيدت ركعتان في حق المقيم وأقرت الركعتان على حالهما في حق المسافر كما كانتا في الأصل فانعدم معنى التغيير أصلا في حقه .

وفي حق المقيم وجد التغيير لكن إلى الغلظ والشدة لا إلى السهولة واليسر ، والرخصة تنبئ عن ذلك فلم يكن ذلك رخصة في حقه حقيقة ، ولو سمي فإنما سمي مجازا لوجود بعض معاني الحقيقة وهو التغيير .

( احتج ) الشافعي بقوله تعالى { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ، ولفظ لا جناح تستعمل [ ص: 92 ] في المباحات والمرخصات دون الفرائض والعزائم .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إن الله تعالى تصدق عليكم بشطر الصلاة ألا فاقبلوا صدقته } والمتصدق عليه يكون مختارا في قبول الصدقة كما في التصدق من العباد ولأن القصر ثبت نظرا للمسافر تخفيفا عليه في السفر الذي هو محل المشقات المتضاعفة ، والتخفيف في التخيير فإن شاء مال إلى القصر ، وإن شاء مال إلى الإكمال كما في الإفطار في شهر رمضان .

( ولنا ) ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : { صلاة المسافر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم } .

وروي تمام غير قصر ، وروى الفقيه الجليل أبو أحمد العياضي السمرقندي وأبو الحسن الكرخي عن ابن عباس رضي الله عنهما هكذا .

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فرضت الصلاة في الأصل ركعتين إلا المغرب فإنها وتر النهار ثم زيدت في الحضر وأقرت في السفر على ما كانت وروي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال : { ما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وصلى ركعتين إلا المغرب } .

ولو كان القصر رخصة والإكمال هو العزيمة لما ترك العزيمة إلا أحيانا ، إذ العزيمة أفضل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختار من الأعمال إلا أفضلها وكان لا يترك الأفضل إلا مرة أو مرتين تعليما للرخصة في حق الأمة فأما ترك الأفضل أبدا وفيه تضييع الفضيلة عن النبي صلى الله عليه وسلم في جميع عمره فمما لا يحتمل ، والدليل عليه أنه صلى الله عليه وسلم قصر بمكة وقال لأهل مكة { : أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر } فلو جاز الأربع لما اقتصر على الركعتين لوجهين : أحدهما : أنه كان يغتنم زيادة العمل في الحرم لما للعبادة فيه من تضاعف الأجر والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم كان إماما وخلفه المقيمون من أهل مكة فكان ينبغي أن يتم أربعا كي لا يحتاج أولئك القوم إلى التفرد ولينالوا فضيلة الائتمام به في جميع الصلاة ، وحيث لم يفعل دل ذلك على صحة ما قلنا .

وروي أن عثمان رضي الله عنه أتم الصلاة بمنى فأنكر عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال لهم إني تأهلت بمكة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من تأهل بقوم فهو منهم } فدل إنكار الصحابة رضي الله عنهم واعتذار عثمان رضي الله عنه أن الفرض ما قلنا إذ لو كان الأربع عزيمة لما أنكرت الصحابة عليه ولما اعتذر هو إذ لا يلام على العزائم ولا يعتذر عنها فكان ذلك إجماعا من الصحابة رضي الله عنهم على ما قلنا .

وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن الصلاة في السفر فقال : ركعتان ركعتان من خالف السنة كفر أي : خالف السنة اعتقادا لا فعلا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلين سألاه وكان أحدهما يتم الصلاة في السفر والآخر يقصر عن حالهما فقال للذي قصر : أنت أكملت وقال للآخر : أنت قصرت .

ولا حجة له في الآية لأن المذكور فيها أصل القصر لا صفته وكيفيته ، والقصر قد يكون عن الركعات وقد يكون عن القيام إلى القعود وقد يكون عن الركوع والسجود إلى الإيماء لخوف العدو لا بترك شطر الصلاة ، وذلك مباح مرخص عندنا فلا يكون حجة مع الاحتمال مع أن في الآية ما يدل على أن المراد منه ليس هو القصر عن الركعات " وهو ترك شطر الصلاة " ; لأنه علق القصر بشرط الخوف وهو خوف فتنة الكفار بقوله { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } والقصر عن الركعات لا يتعلق بشرط الخوف بل يجوز من غير خوف والحديث دليلنا ; لأنه أمر بالقبول فلا يبقى له خيار الرد شرعا إذ الأمر للوجوب وقوله : " المتصدق عليه يكون مختارا في القبول " قلنا : معنى قوله تصدق عليكم أي : حكم عليكم على أن التصدق من الله تعالى فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط كالعفو من الله تعالى ، وما ذكر من المعنى غير سديد ; لأن هذا ليس ترفيها بقصر شطر الصلاة ، بل لم يشرع في السفر إلا هذا القدر لما ذكرنا من الدلائل ، ولقول ابن عباس رضي الله عنهما " لا تقولوا قصرا فإن الذي فرضها في الحضر أربعا هو الذي فرضها في السفر ركعتين " وليس إلى العباد إبطال قدر العبادات الموظفة عليهم بالزيادة والنقصان ، ألا ترى أن من أراد أن يتم المغرب أربعا أو الفجر ثلاثا أو أربعا لا يقدر على ذلك ؟ كذا هذا ولا قصر في الفجر والمغرب ; لأن القصر بسقوط شطر الصلاة ، وبعد سقوط الشطر منهما لا يبقى نصف مشروع بخلاف ذوات الأربع ، وكذا لا قصر في السنن والتطوعات ; لأن القصر بالتوقيف ، ولا توقيف [ ص: 93 ] ثمة ، ومن الناس من قال بترك السنن في السفر .

وروي عن بعض الصحابة أنه قال : " لو أتيت بالسنن في السفر لأتممت الفريضة " وذلك عندنا محمول على حالة الخوف على وجه لا يمكنه المكث لأداء السنن وعلى هذا الأصل يبنى أن المسافر لو اختار الأربع لا يقع الكل فرضا ، بل المفروض ركعتان لا غير ، والشطر الثاني يقع تطوعا عندنا ، وعنده يقع الكل فرضا حتى لو لم يقعد على رأس الركعتين قدر التشهد فسدت صلاته عندنا ; لأنها القعدة الأخيرة في حقه وهي فرض ، وعنده لا تفسد ; لأنها القعدة الأولى عنده وهي ليست بفرض في المكتوبات بلا خلاف ، وعلى هذا الأصل يبنى اقتداء المقيم بالمسافر أنه يجوز في الوقت وفي خارج الوقت وفي ذوات الأربع ، واقتداء المسافر بالمقيم يجوز في الوقت ولا يجوز في خارج الوقت عندنا ; لأن فرض المسافر قد تقرر ركعتين على وجه لا يحتمل التغيير بالاقتداء بالمقيم ، فكانت القعدة الأولى فرضا في حقه ، فيكون هذا اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة وهذا لا يجوز على أصل أصحابنا ، وهذا المعنى لا يوجد في الوقت ولا في اقتداء المقيم بالمسافر ، ولو ترك القراءة في الأوليين أو في واحدة منهما تفسد صلاته ; لأن القراءة في الركعتين في صلاة ذات ركعتين فرض .

وقد فات على وجه لا يحتمل التدارك بالقضاء فتفسد صلاته ، وعند الشافعي أيضا تفسد ; لأن العزيمة وإن كانت هي الأربع عنده لكن القراءة في الركعات كلها فرض عنده ، ولو اقتدى المسافر بالمقيم في الظهر ثم أفسدها على نفسه في الوقت أو بعد ما خرج الوقت فإن عليه أن يصلي ركعتين عندنا ، وعنده يصلي أربعا ولا يجوز له القصر ; لأن العزيمة في حق المسافر هي ركعتان عندنا وإنما صار فرضه أربعا بحكم التبعية للمقيم بالاقتداء به وقد بطلت التبعية ببطلان الاقتداء ، فيعود حكم الأصل لما كانت العزيمة هي الأربع وإنما أبيح القصر رخصة فإذا اقتدى بالمقيم فقد اختار العزيمة فتأكد عليه وجوب الأربع فلا تجوز له الرخصة بعد ذلك ويستوي في المقدار المفروض على المسافر من الصلاة سفر الطاعة من الحج والجهاد ، وطلب العلم ، وسفر المباح كسفر التجارة ونحوه ، وسفر المعصية كقطع الطريق ، والبغي وهذا عندنا .

وقال الشافعي : لا تثبت رخصة القصر في سفر المعصية .

( وجه ) قوله : أن رخصة القصر تثبت تخفيفا أو نظرا على المسافر ، والجاني لا يستحق النظر والتخفيف .

( ولنا ) أن ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بين مسافر ومسافر فوجب العمل بعمومها وإطلاقها ، ويستوي فيما ذكرنا من أعداد الركعات في حق المقيم والمسافر صلاة الأمن والخوف ، فالخوف لا يؤثر في نقصان العدد مقيما كان الخائف أو مسافرا وهو قول عامة الصحابة رضي الله عنهم وإنما يؤثر في سقوط اعتبار بعض ما ينافي الصلاة في الأصل من المشي ونحو ذلك على ما نذكره في صلاة الخوف - إن شاء الله تعالى - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث