الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل شرائط أركان الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) بيان الأوقات المستحبة فالسماء لا تخلو إما أن كانت مصحية أو مغيمة فإن كانت مصحية ففي الفجر المستحب آخر الوقت ، والأسفار بصلاة الفجر أفضل من التغليس بها في السفر والحضر والصيف والشتاء في حق جميع الناس ، إلا في حق الحاج بمزدلفة فإن التغليس بها أفضل في حقه وقال الطحاوي : إن كان من عزمه تطويل القراءة فالأفضل أن يبدأ بالتغليس بها ويختم بالإسفار ، وإن لم يكن من عزمه تطويل القراءة فالإسفار أفضل من التغليس وقال الشافعي : التغليس بها أفضل في حق الكل وجملة المذهب عنده أن أداء الفرض لأول الوقت أفضل وحده ما دام في النصف الأول من الوقت ، ( واحتج ) بقوله تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين } ، والتعجيل من باب المسارعة إلى الخير ، وذم الله - تعالى - أقواما على الكسل فقال : { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } ، والتأخير من الكسل .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الأعمال فقال : الصلاة لأول وقتها .

وقال صلى الله عليه وسلم : { : أول الوقت رضوان الله ، وآخر الوقت عفو الله } أي ينال بأداء الصلاة في أول الوقت رضوان الله ، وينال بأدائها في آخره عفو الله - تعالى - واستيجاب الرضوان خير من استيجاب العفو ; لأن الرضوان أكبر الثواب لقوله تعالى : { ورضوان من الله أكبر } ، وينال بالطاعات ، والعفو ينال بشرط سابقية الجناية .

وروي في الفجر خاصة عن عائشة رضي الله عنها أن النساء كن [ ص: 125 ] يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصرفن وما يعرفن من شدة الغلس .

( ولنا ) قول النبي صلى الله عليه وسلم { أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر } رواه رافع بن خديج وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة قبل ميقاتها إلا صلاتين : صلاة العصر بعرفة وصلاة الفجر بمزدلفة فإنه قد غلس بها فسمي التغليس بالفجر صلاة قبل الميقات ، فعلم أن العادة كانت في الفجر الإسفار وعن إبراهيم النخعي أنه قال : ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء كاجتماعهم على تأخير العصر والتنوير بالفجر ; ولأن في التغليس تقليل الجماعة لكونه وقت نوم وغفلة ، وفي الإسفار تكثيرها فكان أفضل ، ولهذا يستحب الإبراد بالظهر في الصيف لاشتغال الناس بالقيلولة ; ولأن في حضور الجماعة في هذا الوقت ضرب حرج خصوصا في حق الضعفاء .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { صل بالقوم صلاة أضعفهم } ; ولأن المكث في مكان صلاة الفجر إلى طلوع الشمس مندوب إليه ، قال صلى الله عليه وسلم : { : من صلى الفجر ومكث حتى تطلع الشمس فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل }

وقلما يتمكن من إحراز هذه الفضيلة عند التغليس ; لأنه قلما يمكث فيها لطول المدة ، ويتمكن من إحرازها عند الإسفار فكان أولى ، وما ذكر من الدلائل الجميلة فنقول بها في بعض الصلوات في بعض الأوقات على ما نذكر ، لكن قامت الدلائل في بعضها على أن التأخير أفضل لمصلحة وجدت في التأخير ، ولهذا قال الشافعي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل لئلا يقع في السمر بعد العشاء ، ثم الأمر بالمسارعة ينصرف إلى مسارعة ورد الشرع بها ، ألا ترى أن الأداء قبل الوقت لا يجوز وإن كان فيه مسارعة لما لم يرد الشرع بها ؟ وقيل في الحديث : إن العفو عبارة عن الفضل ، قال الله - تعالى - : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } أي الفضل ، فكان معنى الحديث على هذا - والله أعلم - أن من أدى الصلاة في أول الأوقات فقد نال رضوان الله ، وأمن من سخطه وعذابه ; لامتثاله أمره وأدائه ما أوجب عليه ، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله ، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك وأما حديث عائشة رضي الله عنها فالصحيح من الروايات إسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر لما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه فإن ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر ، أو كان ذلك في الابتداء حين كن النساء يحضرن الجماعات ثم أمرن بالقرار في البيوت ، انتسخ ذلك - والله أعلم - وأما في الظهر فالمستحب هو آخر الوقت في الصيف وأوله في الشتاء ، وقال الشافعي : إن كان يصلي وحده يعجل في كل وقت ، وإن كان يصلي بالجماعة يؤخر يسيرا لما ذكرنا .

وروي عن خباب بن الأرت أنه قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا ، فدل أن السنة في التعجيل .

( ولنا ) ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم } ; ولأن التعجيل في الصيف لا يخلو عن أحد أمرين : إما تقليل الجماعة لاشتغال الناس بالقيلولة ، وإما الإضرار بهم لتأذيهم بالحر .

وقد انعدم هذان المعنيان في الشتاء فيعتبر فيه معنى المسارعة إلى الخير ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ رضي الله عنه حين وجهه إلى اليمن { : إذا كان الصيف فأبرد بالظهر فإن الناس يقيلون فأمهلهم حتى يدركوا ، وإذا كان الشتاء فصل الظهر حين تزول الشمس فإن الليالي طوال ، } وتأويل حديث خباب أنهم طلبوا ترك الجماعة أصلا فلم يشكهم لهذا ، على أن معنى قوله فلم يشكنا أي يدعنا في الشكاية بل أزال شكوانا بأن أبرد بها والله أعلم ( وأما ) العصر فالمستحب فيها هو التأخير ما دامت الشمس بيضاء نقية لم يدخلها تغيير في الشتاء والصيف جميعا ، وعند الشافعي التعجيل أفضل لما ذكرنا .

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي } ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر فيذهب الذاهب إلى العوالي وينحر الجزور ويطبخ القدور ويأكل قبل غروب الشمس } .

( ولنا ) ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس بيضاء نقية } ، وهذا منه بيان تأخيره للعصر ، وقيل : سميت العصر لأنها تعصر أي تؤخر ; ولأن في التأخير تكثير النوافل ; لأن النافلة بعدها مكروهة فكان التأخير أفضل ، ولهذا [ ص: 126 ] كان التعجيل في المغرب أفضل ; لأن النافلة قبلها مكروهة ; ولأن المكث بعد العصر إلى غروب الشمس مندوب إليه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : { من صلى العصر ثم مكث في المسجد إلى غروب الشمس فكأنما أعتق ثمانيا من ولد إسماعيل } ، وإنما يتمكن من إحراز هذه الفضيلة بالتأخير لا بالتعجيل لأنه قلما يمكث .

وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد كانت حيطان حجرتها قصيرة فتبقى الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير ، وأما حديث أنس فقد كان ذلك في وقت الصيف ومثله يتأتى للمستعجل إذا كان ذلك في وقت مخصوص لعذر والله أعلم .

( وأما ) المغرب فالمستحب فيها التعجيل في الشتاء والصيف جميعا ، وتأخيرها إلى اشتباك النجوم مكروه ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء } ; ولأن التعجيل سبب لتكثير الجماعة والتأخير سبب لتقليلها ; لأن الناس يشتغلون بالتعشي والاستراحة فكان التعجيل أفضل ، وكذا هو من باب المسارعة إلى الخير فكان أولى ( وأما ) العشاء المستحب فيها التأخير إلى ثلث الليل في الشتاء ، ويجوز التأخير إلى نصف الليل ، ويكره التأخير عن النصف وأما في الصيف فالتعجيل أفضل ، وعند الشافعي المستحب تعجيلها بعد غيبوبة الشفق لما ذكر ، وعن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء حين يسقط القمر في الليلة الثالثة وذلك عند غيبوبة الشفق يكون ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { أخر العشاء إلى ثلث الليل ثم خرج فوجد أصحابه في المسجد ينتظرونه فقال : أما إنه لا ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت أحد غيركم ولولا سقم السقيم وضعف الضعيف لأخرت العشاء إلى هذا الوقت } .

وفي حديث آخر قال : { لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل } .

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري : " أن صل العشاء حين يذهب ثلث الليل ، فإن أبيت فإلى نصف الليل ، فإن نمت فلا نامت عيناك " وفي رواية فلا تكن من الغافلين ، ولأن التأخير عن النصف الأخير تعريض لها للفوات ، فإن لم ينم إلى نصف الليل ثم نام فغلبه النوم فلا يستيقظ في المعتاد إلى ما بعد انفجار الصبح ، وتعريض الصلاة للفوات مكروه ، ولأنه لو عجل في الشتاء ربما يقع في السمر بعد العشاء ; لأن الناس لا ينامون إلى ثلث الليل لطول الليالي فيشتغلون بالسمر عادة ، وأنه منهي عنه ، ولأن يكون اختتام صحيفته بالطاعة أولى من أن يكون بالمعصية ، والتعجيل في الصيف لا يؤدي إلى هذا القبيح لأنهم ينامون لقصر الليالي فتعتبر فيه المسارعة إلى الخير ، والحديث محمول على زمان الصيف أو على حال العذر .

وكان عيسى بن أبان يقول : الأولى تعجيلها للآثار ، ولكن لا يكره التأخير مطلقا ، ألا ترى أن العذر لمرض ولسفر يؤخر المغرب للجمع بينها وبين العشاء فعلا ، ولو كان المذهب كراهة التأخير مطلقا لما أبيح ذلك بعذر المرض والسفر ، كما لا يباح تأخير العصر إلى تغير الشمس ، هذا إذا كانت السماء مصحية ، فإن كانت متغيمة فالمستحب في الفجر والظهر والمغرب هو التأخير ، وفي العصر والعشاء التعجيل ، وإن شئت أن تحفظ هذا فكل صلاة في أول اسمها ( عين ) تعجل ، وما ليس في أول اسمها ( عين ) تؤخر ، أما التأخير في الفجر فلما ذكرنا ; ولأنه لو غلس بها فربما تقع قبل انفجار الصبح ، وكذا لو عجل الظهر فربما يقع قبل الزوال ، ولو عجل المغرب عسى يقع قبل الغروب ، ولا يقال لو أخر ربما يقع في وقت مكروه ; لأن الترجيح عند التعارض للتأخير ليخرج عن عهدة الفرض بيقين وأما تعجيل العصر عن وقتها المعتاد فلئلا يقع في وقت مكروه وهو وقت تغير الشمس وليس فيه وهم الوقوع قبل الوقت ; لأن الظهر قد أخر في هذا اليوم ، وتعجل العشاء كي لا تقع بعد انتصاف الليل ، وليس في التعجيل توهم الوقوع قبل الوقت ; لأن المغرب قد أخر في هذا اليوم والله أعلم وروى الحسن عن أبي حنيفة أن التأخير في الصلوات كلها أفضل في جميع الأوقات والأحوال ، وهو اختيار الفقيه الجليل أبي أحمد العياضي وعلل وقال : إن في التأخير ترددا بين وجهي الجواز إما القضاء وإما الأداء ، وفي التعجيل تردد بين وجهي الجواز والفساد فكان التأخير أولى والله الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث