الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط الصحة في البيوع

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) الذي يخص بعض البياعات دون بعض فأنواع أيضا : ( منها ) أن يكون الأجل معلوما في بيع فيه أجل فإن كان مجهولا يفسد البيع سواء كانت الجهالة متفاحشة : كهبوب الريح ، ومطر السماء ، وقدوم فلان ، وموته ، والميسرة ، ونحو ذلك ، أو متقاربة : كالحصاد ، والدياس ، والنيروز ، والمهرجان ، وقدوم الحاج ، وخروجهم ، والجذاذ ، والجزار ، والقطاف ، والميلاد ، وصوم النصارى ، وفطرهم قبل دخولهم في صومهم ، ونحو ذلك ; لأن الأول فيه غرر الوجود ، والعدم ، والنوع الثاني مما يتقدم ، ويتأخر فيؤدي إلى المنازعة فيوجب فساد البيع ، ولو باع العين بثمن دين إلى أجل مجهول جهالة متقاربة ، ثم أبطل المشتري الأجل قبل محله ، وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجل الفساد جاز العقد عند أصحابنا الثلاثة .

وعند زفر لا يجوز ، ولو لم يبطل حتى حل الأجل ، وأخذ الناس في الحصاد ، ثم أبطل لا يجوز العقد بالإجماع ، وإن كانت الجهالة متفاحشة فأبطل المشتري الأجل قبل الافتراق ، ونقد الثمن جاز البيع عندنا ، وعند زفر لا يجوز ، ولو افترقا قبل الإبطال لا يجوز بالإجماع ، وعلى هذا إذا باع بشرط الخيار ، ولم يوقت للخيار وقتا معلوما بأن قال : أبدا ، أو أياما ، أو لم يذكر الوقت حتى فسد البيع بالإجماع ، ثم إن صاحب الخيار أبطل خياره قبل مضي ثلاثة أيام قبل أن يفسد العقد بينهما جاز البيع عندنا خلافا لزفر رحمه الله ، وإن أبطل بعد مضي الأيام الثلاثة لا يجوز العقد عند أبي حنيفة رحمه الله ، وزفر ، وعند أبي يوسف ، ومحمد يجوز ، وإن وقت وقتا معلوما بأن قال : أربعة أيام ، أو شهر فأبطل الخيار قبل مضي ثلاثة أيام ، وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجل الفساد جاز عندنا .

وعند زفر لا يجوز ، وعندهما هذا الخيار جائز ، ولو مضت الأيام الثلاثة ، ثم أبطل صاحب الخيار خياره لا يجوز البيع بالإجماع ، وعلى هذا لو عقدا عقد السلم بشرط الخيار حتى فسد السلم ، ثم إن صاحب الخيار أبطل خياره قبل الافتراق جاز السلم عندنا إذا كان رأس المال قائما في يده ، ولو افترقا قبل الإبطال ، ثم أبطل لا يجوز بالإجماع ، وعلى هذا إذا اشترى ثوبا برقمه ، ولم يعلم المشتري رقمه حتى فسد البيع ، ثم علم رقمه .

فإن علم قبل الافتراق واختار البيع جاز البيع عندنا ، وعند زفر لا يجوز ، وإن كان بعد الافتراق لا يجوز بالإجماع ، والأصل عند زفر : أن البيع إذا انعقد على الفساد لا يحتمل الجواز بعد ذلك برفع المفسد ، والأصل عندنا : أنه ينظر إلى الفساد ، فإن كان قويا بأن دخل في صلب العقد وهو البدل ، أو المبدل لا يحتمل الجواز برفع المفسد كما قال زفر : إذا باع عبدا بألف درهم ورطل من خمر فحط الخمر عن المشتري وإن كان ضعيفا لم يدخل في صلب العقد بل في شرط جائز يحتمل الجواز برفع المفسد كما في البيع بشرط خيار لم يوقت أو وقت إلى وقت مجهول كالحصاد ، والدياس أو لم يذكر الوقت ، وكما في بيع الدين بالدين إلى أجل مجهول على ما ذكرنا ، ثم اختلف مشايخنا في العبارة عن هذا العقد .

قال مشايخ العراق : إنه انعقد فاسدا لكن فسادا غير متقرر ، فإن أبطل الشرط قبل تقرره بأن لم يدخل وقت الحصاد ، أو اليوم الرابع ينقلب إلى الجواز ، وإن لم يبطل حتى دخل تقرر الفساد ، وهو قول بعض مشايخنا بما وراء النهر ، وقال مشايخ خراسان ، وبعض مشايخنا : بما وراء النهر العقد موقوف إن أسقط الشرط قبل وقت الحصاد ، واليوم الرابع تبين أنه كان جائزا من الأصل ، وإن لم يسقط حتى دخل اليوم الرابع ، أو أوان الحصاد تبين أنه وقع فاسدا من حين وجوده ، وذكر عن الحسن بن زياد رحمه الله أنه قال : قال أبو حنيفة : لو أن رجلا اشترى عبدا على أنه بالخيار أكثر من ثلاثة أيام فالبيع موقوف .

فإن قال المشتري قبل مضي الثلاث أنا أبطل خياري واستوجب المبيع قبل أن يقول البائع شيئا كان له ذلك وتم البيع ، وعليه الثمن ، ولم يكن للبائع أن يبطل البيع ، وإن قال البائع قد أبطلت البيع قبل أن يبطل المشتري خياره بطل البيع ، ولم يكن للمشتري أن يستوجبه بعد ذلك ، وأن يبطل خياره فقد نص على التوقف ، وفسره حيث جعل للبائع حق الفسخ قبل إجازة المشتري ، وهذا أمارة البيع الموقوف : أن يكون لكل [ ص: 179 ] واحد من العاقدين حق الفسخ ، ( وجه ) قول زفر أن هذا بيع انعقد بوصف الفساد من حين وجوده فلا يتصور أن ينقلب جائزا ; لما فيه من الاستحالة ، ولهذا لم ينقلب إلى الجواز إذا دخل اليوم الرابع ، أو وقت الحصاد ، والدياس .

( ولنا ) طريقان أحدهما أن هذا العقد موقوف للحال لا يوصف بالفساد ، ولا بالصحة ; لأن الشرط المذكور يحتمل أن يكون مفسدا حقيقة ، ويحتمل أن لا يكون ، فإذا سقط قبل دخول أوان الحصاد ، واليوم الرابع تبين أنه ليس بمفسد ; لأنه تبين أنه ما شرط الأجل ، والخيار إلا إلى هذا الوقت فتبين أن العقد وقع صحيحا مفيدا للملك بنفسه من حين وجوده كما لو أسقط الأجل الصحيح ، والخيار الصحيح ، وهو خيار ثلاثة أيام بعد مضي يوم ، وإن لم يسقط حتى مضت الأيام الثلاثة ، ودخل الحصاد تبين أن الشرط كان إلى هذا الوقت ، وأنه شرط مفسد ، والثاني أن العقد في نفسه مشروع ، لا يحتمل الفساد على ما عرف ، وكذا أصل الأجل ، والخيار ; لأنه ملائم للعقد ، وأنه يوصف العقد بالفساد للحال لا لعينه بل لمعنى مجاور له زائد عليه ، وعلى أصل الأجل ، والخيار ، وهو الجهالة ، وزيادة الخيار على المدة المشروعة فإن سقط قبل دخول ، وقت الحصاد أو اليوم الرابع فقد أسقط المفسد قبل تقرره فزال الفساد ; فبقي العقد مشروعا كما كان من غير ، وصف الفساد ، وإذا دخل الوقت فقد تقرر المفسد ، فتقرر الفساد ، والفساد بعد تقرره لا يحتمل الزوال وقوله : العقد ما وقع فاسدا من حين وجوده قلنا على الطريق الأول : ممنوع بل هو موقوف ، وعلى الطريق الثاني : مسلم لكن لا لعينه بل لغيره ، وهو الشرط المجاور المفسد ، وقد أسقط المفسد قبل تقرره فزال الفساد الثابت ; لمعنى في غيره فبقي مشروعا ، والله - سبحانه وتعالى الموفق - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث