الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ومنها ) - تقدم قضاء الفائتة التي يتذكرها إذا كانت الفوائت قليلة ، وفي الوقت سعة ، هو شرط جواز أداء الوقتية ، فهذا عندنا ، وعند الشافعي ليس بشرط ، ولقب المسألة أن الترتيب بين القضاء والأداء شرط جواز الأداء عندنا ، وإنما يسقط بمسقط ، وعنده ليس بشرط أصلا ، ويجوز أداء الوقتية قبل قضاء الفائتة فيقع الكلام فيه في الأصل في موضعين : أحدهما - في اشتراط هذا النوع من الترتيب ، والثاني - في بيان ما يسقطه .

( أما ) الأول فجملة الكلام فيه أن الترتيب في الصلاة على أربعة أقسام : أحدها - الترتيب في أداء هذه الصلوات الخمس ، والثاني - الترتيب في قضاء الفائتة وأداء الوقتية ، والثالث - الترتيب في الفوائت ، والرابع - الترتيب في أفعال الصلاة .

( أما ) الأول فلا خلاف في أن الترتيب في أداء الصلوات المكتوبات في أوقاتها شرط جواز أدائها ، حتى لا يجوز أداء الظهر في وقت الفجر ، ولا أداء العصر في وقت الظهر ; لأن كل واحدة من هذه الصلوات لا تجب قبل دخول وقتها ، وأداء الواجب قبل وجوبه محال ، واختلف فيما سوى ذلك .

( أما ) الترتيب بين قضاء الفائتة وأداء الوقتية فقد قال أصحابنا : إنه شرط .

وقال الشافعي : ليس بشرط .

( وجه ) قوله أن هذا الوقت صار للوقتية بالكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة ، فيجب أداؤها في وقتها كما في حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان .

( ولنا ) قول النبي صلى الله عليه وسلم : { من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، فإن ذلك وقتها ، } وفي بعض الروايات : { لا وقت لها إلا ذلك ، فقد جعل وقت التذكر وقت الفائتة } ، فكان أداء الوقتية قبل قضاء الفائتة أداء قبل وقتها فلا يجوز [ ص: 132 ]

وروي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام وليجعلها تطوعا ، ثم ليقض ما تذكر ثم ليعد ما كان صلاه مع الإمام } ، وهذا عين مذهبنا أنه تفسد الفرضية للصلاة إذا تذكر الفائتة فيها ، ويلزمه الإعادة ، بخلاف حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان ; لأنا إنما عرفنا كون هذا الوقت وقتا للوقتية بنص الكتاب والسنة المتواترة والإجماع ، وعرفنا كونه وقتا للفائتة بخبر الواحد ، والعمل بخبر الواحد إنما يجب على وجه لا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع به ، والاشتغال بالفائتة عند ضيق الوقت إبطال العمل به ; لأنه تفويت للوقتية عن الوقت ، وكذا عند كثرة الفوائت ; لأن الفوائت إذا كثرت تستغرق الوقت فتفوت الوقتية عن وقتها ; ولأن الشرع إنما جعل الوقت وقتا للفائتة لتدارك ما فات فلا يصير وقتا لها على وجه يؤدي إلى تفويت صلاة أخرى وهي الوقتية ; ولأن جعل الشرع وقت التذكر وقتا للفائتة على الإطلاق ينصرف إلى وقت ليس بمشغول ; لأن المشغول لا يشغل ، كما انصرف إلى وقت لا تكره الصلاة فيه .

( وأما ) النسيان فلأن خبر الواحد جعل وقت التذكر وقتا للفائتة ، ولا تذكر ههنا فلم يصر الوقت وقتا للفائتة فبقي وقتا للوقتية فأما ههنا فقد وجد التذكر فكان الوقت للفائتة بخبر الواحد ، وليس في هذا إبطال العمل بالدليل المقطوع به ، بل هو جمع بين الدلائل ، إذ لا يفوته شيء من الصلوات عن وقتها ، وليس فيه أيضا شغل ما هو مشغول ، وهذا لأنه لو أخر الوقتية وقضى الفائتة تبين أن وقت الوقتية ما اتصل به الأداء ، وأن ما قبل ذلك لم يكن وقتا لها بل كان وقتا للفائتة بخبر الواحد ، فلا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع به .

فأما عند ضيق الوقت - وإن لم يتصل به أداء الوقتية - لا يتبين أنه ما كان وقتا له حتى تصير الصلاة فائتة وتبقى دينا عليه ، وعلى هذا الخلاف الترتيب في الفوائت أنه كما يجب مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائتة - عندنا - يجب مراعاته بين الفوائت إذا كانت الفوائت في حد القلة - عندنا أيضا - ; لأن قلة الفوائت لم تمنع وجوب الترتيب في الأداء فكذا في القضاء ، والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما شغل عن أربع صلوات يوم الخندق قضاهن بعد هوي من الليل على الترتيب ثم قال : { صلوا كما رأيتموني أصلي } ، ويبنى على هذا إذا ترك الظهر والعصر من يومين مختلفين ، ولا يدري أيتهما أولى - فإنه يتحرى ; لأنه اشتبه عليه أمر لا سبيل إلى الوصول إليه بيقين وهو الترتيب فيصار إلى التحري ; لأنه عند انعدام الأدلة قام مقام الدليل الشرعي ، كما إذا اشتبهت عليه القبلة فإن مال قلبه إلى شيء عمل به ; لأنه جعل كالثابت بالدليل ، وإن لم يستقر قلبه على شيء وأراد الأخذ بالثقة يصليهما ثم يعيد ما صلى أولا أيتهما كانت ، إلا أن البداءة بالظهر أولى ; لأنها أسبق وجوبا في الأصل ، فيصلي الظهر ثم العصر ثم الظهر ; لأن الظهر لو كانت هي التي فاتت أولا فقد وقعت موقعها وجازت وكانت الظهر التي أداها بعد العصر ثانية نافلة له ، ولو كانت العصر هي المتروكة أولا كانت الظهر التي أداها قبل العصر نافلة له ، فإذا أدى العصر بعدها فقد وقعت موقعها وجازت ، ثم إذا أدى الظهر بعدها وقعت موقعها وجازت فيعمل كذلك ليخرج عما عليه بيقين ، وهذا قول أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا نأمره إلا بالتحري ، كذا ذكره أبو الليث ولم يذكر أنه إذا استقر قلبه على شيء كيف يصنع عندهما ، وذكر الشيخ الإمام صدر الدين أبو المعين أنه يصلي كل صلاة مرة واحدة ، وقيل : لا خلاف في هذه المسألة على التحقيق ; لأنه ذكر الاستحباب على قول أبي حنيفة ، وهما ما بينا الاستحباب ، وذكر عدم وجوب الإعادة على قولهما وأبو حنيفة ما أوجب الإعادة .

( وجه ) قولهما : أن الواجب في موضع الشك والاشتباه هو التحري والعمل به لا الأخذ باليقين ، ألا ترى أن من شك في جهة القبلة يعمل بالتحري ولا يأخذ باليقين بأن يصلي صلاة واحدة أربع مرات إلى أربع جهات ؟ وكذا من شك في صلاة واحدة فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا يتحرى ولا يبني على اليقين وهو الأقل كذا هذا ; ولأنه لو صلى إحدى الصلاتين مرتين فإنما يصلي مراعاة للترتيب ، والترتيب في هذه الحالة ساقط ; لأنه حين بدأ بإحداهما لم يعلم يقينا أن عليه صلاة أخرى قبل هذه لتصير هذه مؤداة قبل وقتها فسقط عنه الترتيب .

ولأبي حنيفة أنه مهما أمكن الأخذ باليقين كان أولى إلا إذا تضمن فسادا كما في مسألة القبلة ، فإن الأخذ بالثقة ثمة يؤدي إلى الفساد [ ص: 133 ] حيث يقع ثلاث من الصلوات إلى غير القبلة بيقين ، ولا تجوز الصلاة إلى غير القبلة بيقين من غير ضرورة ، فيتعذر العمل باليقين دفعا للفساد وههنا لا فساد ; لأن أكثر ما في الباب أنه يصلي إحدى الصلاتين مرتين فتكون إحداهما تطوعا ، وكذا في المسألة الثانية إنما لا يبنى على الأقل لاحتمال الفساد لجواز أنه قد صلى أربعا فيصير بالقيام إلى الأخرى تاركا للقعدة الأخيرة وهي فرض فتفسد صلاته ، ولو أمر بالقعدة أولا ثم بالركعة لحصلت في الثالثة وأنه غير مشروع ، وههنا يصير آتيا بالواجب وهو الترتيب من غير أن يتضمن فسادا ، فكان الأخذ بالاحتياط أولى ، وصار هذا كما إذا فاتته واحدة من الصلوات الخمس ولا يدري أيتها هي أنه يؤمر بإعادة صلاة يوم وليلة احتياطا كذا ههنا .

( وأما ) قولهما حين بدأ بإحداهما لا يعلم يقينا أن عليه أخرى قبل هذه فكان الترتيب عنه ساقطا فنقول : حين صلى هذه يعلم يقينا أن عليه أخرى لكنه لا يعلم أنها سابقة على هذه أو متأخرة عنها ، فإن كانت سابقة عليها لم تجز المؤداة لعدم مراعاة الترتيب ، وإن كانت المؤداة سابقة جازت ، فوقع الشك في الجواز فصارت المؤداة أول مرة دائرة بين الجواز والفساد فلا يسقط عنه الواجب بيقين عند وقوع الشك في الجواز فيؤمر بالإعادة والله أعلم .

ولو شك في ثلاث صلوات الظهر من يوم ، والعصر من يوم ، والمغرب من يوم - ذكر القدوري أن المتأخرين اختلفوا في هذا ، منهم من قال : إنه يسقط الترتيب ; لأن ما بين الفوائت يزيد - على هذا - ست صلوات ، فصارت الفوائت في حد الكثرة فلا يجب اعتبار الترتيب في قضائها ، فيصلي أية صلاة شاء ، وهذا غير سديد ; لأن موضع هذه المسائل في حالة النسيان على ما يذكر ، والترتيب عند النسيان ساقط فكانت المؤديات بعد الفائتة في أنفسها جائزة لسقوط الترتيب ، فبقيت الفوائت في أنفسها في حد القلة فوجب اعتبار الترتيب فيها ، فينبغي أن يصلي في هذه الصورة سبع صلوات : يصلي الظهر أولا ، ثم العصر ، ثم الظهر ، ثم المغرب ، ثم الظهر ، ثم العصر ، ثم الظهر ، مراعاة للترتيب بيقين ، والأصل في ذلك أن يعتبر الفائتتين إذا انفردتا فيعيدهما على الوجه الذي بينا ، ثم يأتي بالثالثة ، ثم يأتي بعد الثالثة ما كان يفعله في الصلاتين ، وعلى هذا إذا كانت الفوائت أربعا بأن ترك العشاء من يوم آخر فإنه يصلي سبع صلوات كما ذكرنا في المغرب ، ثم يصلي العشاء ، ثم يصلي بعدها سبع صلوات مثل ما كان يصلي قبل الرابعة .

فإن قيل : في الاحتياط ههنا حرج عظيم ، فإنه إذا فاتته خمس صلوات : الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من أيام مختلفة لا يدري أي ذلك أول يحتاج إلى أن يؤدي إحدى وثلاثين صلاة وفيه من الحرج ما لا يخفى ، فالجواب أن بعض مشايخنا قالوا : إن ما قالاه هو الحكم المراد ; لأنه لا يمكن إيجاب القضاء مع الاحتمال ، إلا أن ما قاله أبو حنيفة احتياط لا حتم ، ومنهم من قال : لا بل الاختلاف بينهم في حكم المراد ، وإعادة الأولى واجبة عند أبي حنيفة ; لأن الترتيب في القضاء واجب فإذا لم يعلم به حقيقة وله طريق في الجملة يجب المصير إليه ، وهذا وإن كان فيه نوع مشقة لكنه مما لا يغلب وجوده فلا يؤدي إلى الحرج ، ثم ما ذكرنا من الجواب في حالة النسيان بأن صلى أياما ولم يخطر بباله أنه ترك شيئا منها ، ثم تذكر الفوائت ولم يتذكر الترتيب فأما إذا كان ذاكرا للفوائت حتى صلى أياما مع تذكرها ثم نسي سقط الترتيب ههنا ; لأن الفوائت صارت في حد الكثرة ; لأن المؤديات بعد الفوائت عندهما فاسدة إلى الست وإذا فسدت كثرت الفوائت فسقط الترتيب ، فله أن يصلي أية صلاة شاء من غير الحاجة إلى التحري وأما على قياس قول أبي حنيفة لا يسقط الترتيب ; لأن المؤديات عنده تنقلب إلى الجواز إذا بلغت مع الفائتة ستا ، وإذا انقلبت إلى الجواز بقيت الفوائت في حد القلة فوجب اعتبار الترتيب فيها ، فالحاصل أنه يجب النظر إلى الفوائت فما دامت في حد القلة وجب مراعاة الترتيب فيها ، وإذا كثرت سقط الترتيب فيها ; لأن كثرة الفوائت تسقط الترتيب في الأداء فلأن يسقط في القضاء أولى ، هذا إذا شك في صلاتين فأكثر ، فأما إذا شك في صلاة واحدة فاتته ولا يدري أية صلاة هي - يجب عليه التحري لما قلنا ، فإن لم يستقر قلبه على شيء يصلي خمس صلوات ليخرج عما عليه بيقين .

وقال محمد بن مقاتل الرازي : إنه يصلي ركعتين ينوي بهما الفجر ، ويصلي ثلاث ركعات أخر بتحريمة على حدة ينوي بها المغرب ، ثم يصلي أربعا ينوي بها ما فاتته ، فإن كانت الفائتة ظهرا أو عصرا أو عشاء انصرفت هذه إليها وقال سفيان الثوري : يصلي أربعا ينوي بها ما [ ص: 134 ] عليه لكن بثلاث قعدات فيقعد ، على رأس الركعتين والثلاث والأربع وهو قول بشر ، حتى لو كانت المتروكة فجرا لجازت لقعوده على رأس الركعتين والثاني يكون تطوعا ، ولو كانت المغرب لجازت لقعوده على ثلاث ، ولو كانت من ذوات الأربع كانت كلها فرضا وخرج عن العهدة بيقين ، إلا أن ما قلناه أحوط ; لأن من الجائز أن يكون عليه صلاة أخرى كان تركها في وقت آخر ، ولو نوى ما عليه ينصرف إلى تلك الصلاة أو يقع التعارض فلا ينصرف إلى هذه التي يصلي ، فيعيد صلاة يوم وليلة ليخرج عن عهدة ما عليه بيقين ، وعلى هذا لو ترك سجدة من صلب صلاة مكتوبة ولم يدر أية صلاة هي - يؤمر بإعادة خمس صلوات لأنها من أركان الصلاة ، فصار الشك فيها كالشك في الصلاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث