الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) شرائط الركن فأنواع : منها - الشركة في الصلاتين واتحادهما سببا وفعلا ووصفا ; لأن الاقتداء بناء التحريمة على التحريمة ، فالمقتدي عقد تحريمته لما انعقدت له تحريمة الإمام ، فكلما انعقدت له تحريمة الإمام جاز البناء من المقتدي ، وما لا فلا ، وذلك لا يتحقق إلا بالشركة في الصلاتين ، واتحادهما من الوجوه الذي وصفنا ، وعلى هذا الأصل يخرج مسائل : المقتدي إذا سبق الإمام بالافتتاح لم يصح اقتداؤه ; لأن معنى الاقتداء وهو البناء لا يتصور ههنا ; لأن البناء على العدم محال .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه } ، وما لم يكبر الإمام لا يتحقق الائتمام به ، وكذا إذا كبر قبله فقد اختلف عليه ، ولو جدد التكبير بعد تكبير الإمام بنية الدخول في صلاته أجزأه ; لأنه صار قاطعا لما كان فيه شارعا في صلاة الإمام ، كمن كان في النفل فكبر ونوى الفرض يصير خارجا من النفل داخلا في الفرض ، وكمن باع بألف ثم ألفين كان فسخا للأول وعقدا آخر كذا هذا ، ولو لم يجدد حتى لم يصح اقتداؤه هل يصير شارعا في صلاة نفسه ؟ أشار في كتاب الصلاة إلى أنه يصير شارعا ; لأنه علل فيما إذا جدد التكبير ونوى الدخول في صلاة الإمام فقال : التكبير الثاني قطع لما كان فيه ، وأشار في نوادر أبي سليمان إلى أنه لا يصير شارعا في نفسه ، فإنه ذكر أنه لو قهقه لا تنتقض طهارته ، ثم من مشايخنا من حمل اختلاف الجواب على اختلاف موضوع المسألة فقال : موضوع المسألة في النوادر أنه إذا كبر ظنا منه أن الإمام كبر فيصير مقتديا بمن ليس في الصلاة ، كالمقتدي بالمحدث والجنب ، وموضوع المسألة في كتاب الصلاة أنه كبر على علم منه أن الإمام لم يكبر فيصير شارعا في صلاة نفسه ، ومنهم من حقق الاختلاف بين الروايتين .

( وجه ) رواية النوادر أنه نوى الاقتداء بمن ليس في الصلاة فلا يصير شارعا في صلاة نفسه ، كما لو اقتدى بمشرك أو جنب أو بمحدث ، وهذا لأن صلاة المنفرد غير صلاة المقتدي ، بدليل أن المنفرد لو استأنف التكبير ناويا الشروع في صلاة الإمام صار شارعا مستأنفا ، واستقبال ما هو فيه لا يتصور ، دل أن هذه الصلاة غير تلك الصلاة ، فلا يصير شارعا في إحداهما بنية الأخرى .

( وجه ) ما ذكر في كتاب الصلاة أنه نوى شيئين : الدخول في الصلاة ، والاقتداء بالإمام فبطلت إحدى نيتيه وهي نية الاقتداء ; لأنها لم تصادف محلها فتصح الأخرى وهي نية الصلاة ، وصار كالشارع في الفرض على ظن أنه عليه وليس عليه ، بخلاف ما إذا اقتدى بالمشرك والمحدث والجنب ; لأنهم ليسوا من أهل الاقتداء بهم فصار بالاقتداء بهم ملغيا صلاته .

وأما هذا فمن أهل الاقتداء به ، والصلاة خلفه معتبرة فلم يصر بالاقتداء به ملغيا صلاته والله أعلم هذا إذا كبر المقتدي وعلم أنه كبر قبل الإمام ، فأما إذا كبر ولم يعلم أنه كبر قبل الإمام أو بعده ، ذكر هذه المسألة في الهارونيات وجعلها على ثلاثة أوجه : إن كان أكبر رأيه أنه كبر قبل الإمام لا يصير شارعا في صلاة الإمام ، وإن كان أكبر رأيه أنه كبر بعد الإمام يصير شارعا في صلاته ; لأن غالب الرأي حجة عند عدم اليقين بخلافه ، وإن لم يقع رأيه [ ص: 139 ] على شيء فالأصل فيه هو الجواز ما لم يظهر أنه كبر قبل الإمام بيقين ، ويحمل على الصواب احتياطا ما لم يستيقن بالخطأ ، كما قلنا في باب الصلاة عند الاشتباه في جهة القبلة ولم يخطر بباله شيء ولم يشك أن الجهة التي صلى إليها قبلة أم لا : إنه يقضي بجوازها ما لم يظهر خطؤه بيقين ، وكذا في باب الزكاة ، كذلك ههنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث