الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الشرط الذي يرجع إلى المسلم

جزء التالي صفحة
السابق

( ومنها ) أن يكون موجودا من وقت العقد إلى وقت الأجل فإن لم يكن موجودا عند العقد أو عند محل الأجل ، أو كان موجودا فيهما لكنه انقطع من أيدي الناس فيما بين ذلك كالثمار والفواكه واللبن وأشباه ذلك لا يجوز السلم ، وهذا عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله : الشرط وجوده عند محل الأجل لا غير .

( وجه ) قوله : إن اعتبار هذا الشرط - وهو الوجود - ليس لعينه بل للقدرة على التسليم فيعتبر وقت وجوب التسليم وذلك عند محل الأجل ، فأما قبل ذلك فالوجود فيه والعدم بمنزلة واحدة ، ونظير هذا في العقليات ما قلنا في استطاعة الفعل أنها مع الفعل لا تتقدمه ; لأن وجودها للفعل فيجب وجودها عند الفعل لا سابقا عليه كذا هذا .

( ولنا ) أن القدرة على التسليم ثابتة للحال ، وفي وجودها عند المحل شك لاحتمال الهلاك ، فإن بقي حيا إلى وقت المحل ثبتت القدرة ، وإن هلك قبل ذلك لا تثبت ، والقدرة لم تكن ثابتة فوقع الشك في ثبوتها فلا تثبت مع الشك ، ولو كان موجودا عند العقد ودام وجوده إلى محل الأجل فحل الأجل ولم يقبضه حتى انقطع عن أيدي الناس لا ينفسخ السلم بل هو على حاله صحيح ; لأن السلم وقع صحيحا لثبوت القدرة على التسليم لكون المسلم فيه موجودا وقت العقد ودام وجوده إلى محل الأجل ، إلا أنه عجز عن التسليم للحال لعارض الانقطاع مع عرضية حدوث القدرة ظاهرا بالوجود فكان في بقاء العقد فائدة ، والعقد إذا انعقد صحيحا يبقى لفائدة محتملة الوجود والعدم على السواء كبيع الآبق إذا أبق قبل القبض فلأن يبقى لفائدة عود القدرة في الثاني ظاهرا أولى ، لكن يثبت الخيار لرب السلم ، إن شاء فسخ العقد وإن شاء انتظر وجوده ; لأن الانقطاع قبل القبض بمنزلة تغير المعقود عليه قبل القبض وأنه يوجب الخيار .

ولو أسلم في حنطة حديثة قبل حدوثها لا يصح عندنا ; لأنه أسلم في المنقطع ، وعلى هذا يخرج ما إذا أسلم في حنطة موضع أنه إن كان مما لا يتوهم انقطاع طعامه جاز السلم فيه كما إذا أسلم في حنطة خراسان والعراق أو فرغانة ; لأن كل واحد منها اسم لولاية فلا يتوهم انقطاع طعامها ، وكذا إذا أسلم في طعام بلدة كبيرة كسمرقند وبخارى أو كاشان جاز ; لأنه لا ينفد طعام هذه البلاد إلا على سبيل الندرة ، والنادر ملحق بالعدم ومن مشايخنا من قال : لا يجوز إلا في طعام ولاية ; لأن وهم الانقطاع فيما وراء ذلك ثابت .

والسلم عقد جوز بخلاف القياس لكونه بيع المعدوم فتجب صيانته عن غرر الانقطاع ما أمكن ، والصحيح أن الموضع المضاف إليه الطعام ، وإن كان مما لا ينفد طعامه غالبا : يجوز السلم فيه ، سواء كان ولاية أو بلدة كبيرة ; لأن الغالب في أحكام الشرع ملحق بالمتيقن ، وإن كان مما لا يحتمل أن ينقطع طعامه فلا يجوز فيه السلم كأرض بعينها أو قرية بعينها ; لأنه إذا احتمل الانقطاع لا على سبيل الندرة لا تثبت القدرة على التسليم لما ذكرنا أنه لا قدرة له للحال ; لأنه بيع المفاليس ، وفي ثبوت القدرة عند محل الأجل شك لاحتمال الانقطاع فلا تثبت القدرة مع الشك .

وقد روي أن زيد بن شعبة { لما أراد أن يسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أسلم إليك في تمر نخلة بعينها فقال عليه الصلاة والسلام : أما في تمر نخلة [ ص: 212 ] بعينها فلا } وذكر في الأصل إذا أسلم في حنطة هراة لا يجوز وأراد قرية من قرى الفرات المسماة بهراة ; لأنه مما يحتمل انقطاع طعامه ، ثم لو أسلم في ثوب هراة وذكر شرائط السلم يجوز .

( ووجه ) الفرق بينهما ظاهر ; لأن إضافة الثوب إلى هراة ذكر شرط من شرائط السلم لا جواز له بدونه ، وهو بيان النوع لا تخصيص الثوب بالمكان المذكور بدليل أن المسلم إليه لو أتى بثوب نسج في غير هراة لكن على صفة ثوب هراة يجبر رب السلم على القبول ، فإذا ذكر النوع وذكر الشرائط الأخر كان هذا عقدا استجمع شرائطه فيجوز ، فأما إضافة الطعام إلى هراة فليس يفيد شرطا - لا جواز للسلم بدونه - ، ألا ترى أنه لو ترك الإضافة أصلا جاز السلم فبقيت الإضافة لتخصيص الطعام بموضع معين يحتمل انقطاع طعامه فلم يجز ، والله عز وجل أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث