الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل شرائط أركان الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

( ومنها ) - أن لا يكون المقتدي عند الاقتداء متقدما على إمامه عندنا .

وقال مالك : هذا ليس بشرط ويجزئه إذا أمكنه متابعة الإمام .

( وجه ) قوله أن الاقتداء يوجب المتابعة في الصلاة ، والمكان ليس من الصلاة فلا يجب المتابعة فيه ، ألا ترى أن الإمام يصلي عند الكعبة في مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام والقوم صف حول البيت ؟ ولا شك أن أكثرهم قبل الإمام .

( ولنا ) قول النبي صلى الله عليه وسلم : { ليس مع الإمام من تقدمه } ; ولأنه إذا تقدم الإمام يشتبه عليه حاله ، أو يحتاج إلى النظر وراءه في كل وقت ليتابعه ، فلا يمكنه المتابعة ; ولأن المكان من لوازمه ، ألا ترى أنه إذا كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق لم يصح الاقتداء لانعدام التبعية في المكان ؟ كذا هذا ، بخلاف الصلاة في الكعبة ; لأن وجهه إذا كان إلى الإمام لم تنقطع التبعية ، ولا يسمى قبله بل هما متقابلان ، كما إذا حاذى إمامه ، وإنما تتحقق القبلية إذا كان ظهره إلى الإمام ولم يوجد ، وكذا لا يشتبه عليه حال الإمام والمأموم .

( ومنها ) - اتحاد مكان الإمام والمأموم ، ولأن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة ، والمكان من لوازم الصلاة فيقتضي التبعية في المكان ضرورة ، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان فتنعدم التبعية في الصلاة لانعدام لازمها ; ولأن اختلاف المكان يوجب خفاء حال الإمام على المقتدي فتتعذر عليه المتابعة التي هي معنى الاقتداء ، حتى أنه لو كان بينهما طريق عام يمر فيه الناس أو نهر عظيم لا يصح الاقتداء ; لأن ذلك يوجب اختلاف المكانين عرفا مع اختلافهما حقيقة فيمنع صحة الاقتداء ، وأصله ما روي عن عمر رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { : من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق أو صف من النساء فلا صلاة له } ، ومقدار الطريق العام ذكر في الفتاوى أنه سئل أبو نصر محمد بن محمد بن سلام عن مقدار الطريق الذي يمنع صحة الاقتداء فقال : مقدار ما تمر فيه العجلة وتمر فيه الأوقار ، وسئل أبو القاسم الصفار عنه فقال : مقدار ما يمر فيه الجمل .

وأما النهر العظيم فما لا يمكن العبور عليه إلا بعلاج كالقنطرة ونحوها ، وذكر الإمام السرخسي أن المراد من الطريق ما تمر فيه العجلة وما وراء ذلك طريقة لا طريق ، والمراد بالنهر ما تجري فيه السفن ، وما دون ذلك بمنزلة الجدول لا يمنع صحة الاقتداء ، فإن كانت الصفوف متصلة على الطريق جاز الاقتداء ; لأن اتصال الصفوف أخرجه من أن يكون ممر الناس فلم يبق طريقا بل صار مصلى في حق هذه الصلاة ، وكذلك إن كان على النهر جسر وعليه صف متصل لما قلنا ، ولو كان بينهما حائط ، ذكر في الأصل أنه يجزئه ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجزئه ، وهذا في الحاصل على وجهين : إن كان الحائط قصيرا ذليلا بحيث يتمكن كل أحد من الركوب عليه كحائط المقصورة - لا يمنع الاقتداء ; لأن ذلك لا يمنع التبعية في المكان ، ولا يوجب خفاء حال الإمام .

ولو كان بين الصفين حائط : إن كان طويلا وعريضا ليس فيه ثقب - يمنع الاقتداء ، وإن كان فيه ثقب لا يمنع مشاهدة حال الإمام - لا يمنع بالإجماع ، وإن كان كبيرا : فإن كان عليه باب مفتوح أو خوخة فكذلك ، وإن لم يكن عليه شيء من ذلك فعليه روايتان .

( وجه ) الرواية الأولى التي قال لا يصح - أنه يشتبه عليه حال إمامه فلا يمكنه المتابعة .

( وجه ) الرواية الأخرى الوجود ، وهو ما ظهر من عمل الناس في الصلاة بمكة ، فإن الإمام يقف في مقام إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - وبعض الناس يقفون وراء الكعبة من الجانب الآخر ، فبينهم وبين الإمام حائط الكعبة ولم يمنعهم أحد من ذلك ، فدل على الجواز ، ولو كان بينهما صف من النساء يمنع صحة الاقتداء لما روينا من الحديث ; ولأن الصف من النساء بمنزلة الحائط الكبير الذي ليس فيه فرجة ، وذا يمنع صحة الاقتداء كذا هذا .

ولو اقتدى بالإمام في أقصى المسجد والإمام في المحراب جاز ; لأن المسجد على تباعد أطرافه جعل في الحكم كمكان واحد ولو وقف على سطح المسجد واقتدى بالإمام : فإن كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه أجزأه ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه وقف على سطح واقتدى بالإمام وهو في جوفه ; ولأن سطح المسجد تبع [ ص: 146 ] للمسجد ، وحكم التبع حكم الأصل فكأنه في جوف المسجد ، وهذا إذا كان لا يشتبه عليه حال إمامه ، فإن كان يشتبه لا يجوز وإن كان وقوفه متقدما على الإمام لا يجزئه لانعدام معنى التبعية ، كما لو كان في جوف المسجد وكذلك لو كان على سطح بجنب المسجد ، متصل به ، ليس بينهما طريق ، فاقتدى به - صح اقتداؤه عندنا ، وقال الشافعي لا يصح ; لأنه ترك مكان الصلاة بالجماعة من غير ضرورة .

( ولنا ) أن السطح إذا كان متصلا بسطح المسجد كان تبعا لسطح المسجد ، وتبع سطح المسجد في حكم المسجد ، فكان اقتداؤه وهو عليه كاقتدائه وهو في جوف المسجد إذا كان لا يشتبه عليه حال الإمام .

ولو اقتدى خارج المسجد بإمام في المسجد : إن كانت الصفوف متصلة جاز ، وإلا فلا ; لأن ذلك الموضع بحكم اتصال الصفوف يلتحق بالمسجد هذا إذا كان الإمام يصلي في المسجد ، فأما إذا كان يصلي في الصحراء : فإن كانت الفرجة التي بين الإمام والقوم قدر الصفين فصاعدا - لا يجوز اقتداؤهم به ; لأن ذلك بمنزلة الطريق العام أو النهر العظيم فيوجب اختلاف المكان وذكر في الفتاوى أنه سئل أبو نصر عن إمام يصلي في فلاة من الأرض كم مقدار ما بينهما حتى يمنع صحة الاقتداء ؟ قال إذا كان مقدار ما لا يمكن أن يصطف فيه جازت صلاتهم ، فقيل له : لو صلى في مصلى العيد ؟ قال : حكمه حكم المسجد .

ولو كان الإمام يصلي على دكان والقوم أسفل منه أو على القلب - جاز ويكره .

( أما ) الجواز فلأن ذلك لا يقطع التبعية ولا يوجب خفاء حال الإمام ، ( وأما ) الكراهة فلشبهة اختلاف المكان ، ولما يذكر في بيان ما يكره للمصلي أن يفعله في صلاته - إن شاء الله تعالى - وانفراد المقتدي خلف الإمام عن الصف لا يمنع صحة الاقتداء عند عامة العلماء .

وقال أصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل : يمنع ، ( واحتجوا ) بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا صلاة لمنفرد خلف الصف } ، وعن وابصة أن { النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي في حجرة من الأرض فقال : أعد صلاتك فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف } .

( ولنا ) ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : { أقامني النبي صلى الله عليه وسلم واليتيم وراءه وأقام أمي أم سليم وراءنا } جوز اقتداءها به عن انفرادها خلف الصفوف ، ودل الحديث على أن محاذاة المرأة مفسدة صلاة الرجل ; لأنه أقامها خلفهما مع نهيه عن الانفراد خلف الصف ، فعلم أنه إنما فعل صيانة لصلاتهما .

وروي أن { أبا بكرة رضي الله عنه دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع فكبر وركع ودب حتى التحق بالصفوف ، فلما فرغ النبي من صلاته قال : زادك الله حرصا ولا تعد أو قال : لا تعد } جوز اقتداءه به خلف الصف ، والدليل عليه أنه لو تبين أن من بجنبه كان محدثا تجوز صلاته بالإجماع ، وإن كان هو منفردا خلف الصف حقيقة ، والحديث محمول على نفي الكمال ، والأمر بالإعادة شاذ ، ولو ثبت فيحتمل أنه كان بينه وبين الإمام ما يمنع الاقتداء ، وفي الحديث ما يدل عليه ، فإنه قال : في حجرة من الأرض ، أي ناحية ، لكن الأولى عندنا أن يلتحق بالصف الأول إن وجد فرجة ثم يكبر ، ويكره له الانفراد من غير ضرورة ، ووجه الكراهة نذكره في بيان ما يكره فعله في الصلاة .

ولو انفرد ثم مشى ليلحق بالصف ذكر في الفتاوى عن محمد بن سلمة أنه إن مشى في صلاته مقدار صف واحد لا تفسد ، وإن مشى أكثر من ذلك فسدت ، وكذلك المسبوق إذا قام إلى قضاء ما سبق به فتقدم حتى لا يمر الناس بين يديه أنه إن مشى قدر صف لا تفسد صلاته ، وإن كان أكثر من ذلك فسدت ، وهو اختيار الفقيه أبي الليث سواء كان في المسجد أو في الصحراء ومشى مقدار صف ووقف لا تفسد صلاته ، وقدر بعض أصحابنا بموضع سجوده ، وبعضهم بمقدار الصفين ، إن زاد على ذلك فسدت صلاته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث