الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما واجباتها فأنواع بعضها قبل الصلاة ، وبعضها في الصلاة ، وبعضها عند الخروج من الصلاة ، وبعضها في حرمة الصلاة بعد الخروج منها .

( أما ) الذي قبل الصلاة فاثنان : أحدهما - الأذان والإقامة .

والكلام في الأذان يقع في مواضع : في بيان وجوبه في الجملة ، وفي بيان كيفيته ، وفي بيان سببه ، وفي بيان محل وجوبه ، وفي بيان وقته ، وفي بيان ما يجب على السامعين عند سماعه .

( وأما ) الأول فقد ذكر محمد ما يدل على الوجوب فإنه قال : إن أهل بلدة لو اجتمعوا على ترك الأذان لقاتلتهم عليه ، ولو تركه واحد ضربته وحبسته ، وإنما يقاتل ويضرب [ ص: 147 ] ويحبس على ترك الواجب ، وعامة مشايخنا قالوا : إنهما سنتان مؤكدتان ، لما روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في قوم صلوا الظهر أو العصر في المصر بجماعة بغير أذان ولا إقامة : فقد أخطئوا السنة وخالفوا وأثموا ، والقولان لا يتنافيان لأن السنة المؤكدة والواجب سواء خصوصا السنة التي هي من شعائر الإسلام ، فلا يسع تركها ، ومن تركها فقد أساء ; لأن ترك السنة المتواترة يوجب الإساءة ، وإن لم تكن من شعائر الإسلام فهذا أولى ألا ترى أن أبا حنيفة سماه سنة ، ثم فسره بالواجب حيث قال : أخطئوا السنة وخالفوا وأثموا ؟ والإثم إنما يلزم بترك الواجب .

ودليل الوجوب حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري - رضي الله عنه - وهو الأصل في باب الأذان - فإنه روى { أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن تفوتهم الصلاة مع الجماعة لاشتباه الوقت عليهم وأرادوا أن ينصبوا لذلك علامة ، قال بعضهم : نضرب بالناقوس فكرهوا ذلك لمكان النصارى وقال بعضهم : نضرب بالشبور فكرهوا ذلك لمكان اليهود ، وقال بعضهم : نوقد نارا عظيمة فكرهوا ذلك لمكان المجوس ، فتفرقوا من غير رأي اجتمعوا عليه ، فدخل عبد الله بن زيد منزله فقدمت امرأته العشاء فقال : ما أنا بآكل وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يهمهم أمر الصلاة ، إلى أن قال : كنت بين النائم واليقظان إذ رأيت نازلا نزل من السماء وعليه بردان أخضران وبيده ناقوس ، فقلت له : أتبيع مني هذا الناقوس ؟ فقال : ما تصنع به ؟ فقلت : أذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضرب به لوقت الصلاة فقال : ألا أدلك إلى ما هو خير منه ؟ فقلت : نعم فوقف على حذم حائط مستقبل القبلة وقال : الله أكبر - الأذان المعروف - إلى آخره ، قال : ثم مكث هنيهة ثم قال مثل ذلك ، إلا أنه زاد في آخره قد قامت الصلاة مرتين ، قال : فلما أصبحت ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنه لرؤيا حق ، فألقها إلى بلال فإنه أندى وأمد صوتا منك ، ومره ينادي به ، فلما سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أذان بلال خرج من المنزل يجر ذيل ردائه فقال : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق لقد طاف بي الليلة مثل ما طاف بعبد الله إلا أنه سبقني به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله وإنه لأثبت } .

فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله أن يلقي الأذان إلى بلال ويأمره ينادي به ، ومطلق الأمر لوجوب العمل .

وروي عن محمد بن الحنفية أنه أنكر ذلك ، ولا معنى للإنكار ، فإنه روي عن معاذ وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنهم قالوا : إن أصل الأذان رؤيا عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه وهذا لأن أصل الأذان وإن كان رؤيا عبد الله لكن النبي صلى الله عليه وسلم لما شهد بحقيقة رؤياه ثبتت حقيقتها ، ولما أمره بأن يأمر بلالا ينادي به ثبت وجوبه لما بينا ; ولأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه في عمره في الصلوات المكتوبات ، ومواظبته دليل الوجوب مهما قام عليه دليل عدم الفرضية ، وقد قام ههنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث