الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الواجبات الأصلية في الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

أما الواجبات الأصلية في الصلاة فستة : منها قراءة الفاتحة والسورة في صلاة ذات ركعتين ، وفي الأوليين من ذوات الأربع والثلاث ، حتى لو تركهما أو أحدهما : فإن كان عامدا كان مسيئا ، وإن كان ساهيا يلزمه سجود السهو ، وهذا عندنا .

وقال الشافعي : قراءة الفاتحة على التعيين فرض ، حتى لو تركها أو حرفا منها في ركعة لا تجوز صلاته وقال مالك : قراءتهما على التعيين فرض .

( احتجا ) بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب } .

وروي { لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها } ، أو قال : وشيء معها ; ولأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب على قراءتهما في كل صلاة فيدل على الفرضية .

( ولنا ) قوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } ، أمر بمطلق القراءة من غير تعيين ، فتعيين الفاتحة فرضا أو تعيينهما نسخ الإطلاق ، ونسخ الكتاب بالخبر المتواتر لا يجوز عند الشافعي ، فكيف يجوز بخبر الواحد ؟ فقبلنا الحديث في حق الوجوب عملا حتى تكره ترك قراءتهما دون الفرضية عملا بهما بالقدر الممكن ، كي لا يضطر إلى رده لوجوب رده عند معارضة الكتاب ، ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على فعل لا يدل على فرضيته ، فإنه كان يواظب على الواجبات والله أعلم .

( ومنها ) الجهر بالقراءة فيما يجهر وهو الفجر والمغرب والعشاء في الأوليين ، والمخافتة فيما يخافت وهو الظهر والعصر إذا كان إماما .

والجملة فيه أنه لا يخلو إما أن يكون إماما أو منفردا ، فإن كان إماما يجب عليه مراعاة الجهر فيما يجهر ، وكذا في كل صلاة من شرطها الجماعة كالجمعة والعيدين والترويحات ، ويجب عليه المخافتة فيما يخافت ، وإنما كان كذلك لأن القراءة ركن يتحمله الإمام عن القوم فعلا ، فيجهر ليتأمل القوم ويتفكروا في ذلك ، فتحصل ثمرة القراءة وفائدتها للقوم ، فتصير قراءة الإمام قراءة لهم تقديرا ، كأنهم قرءوا .

وثمرة الجهر تفوت في صلاة النهار ; لأن الناس في الأغلب يحضرون الجماعات في خلال الكسب والتصرف والانتشار في الأرض ، فكانت قلوبهم متعلقة بذلك ، فيشغلهم ذلك عن حقيقة التأمل فلا يكون الجهر مفيدا بل يقع تسبيبا إلى الإثم بترك التأمل ، وهذا لا يجوز ، بخلاف صلاة الليل ; لأن الحضور إليها لا يكون في خلال الشغل ، وبخلاف الجمعة والعيدين ; لأنه يؤدى في الأحايين مرة على هيئة مخصوصة من الجمع العظيم وحضور السلطان وغير ذلك فيكون ذلك مبعثة على إحضار القلب والتأمل ; ولأن القراءة من أركان الصلاة [ ص: 161 ] والأركان في الفرائض تؤدى على سبيل الشهرة دون الإخفاء ، ولهذا { كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر في الصلوات كلها في الابتداء } إلى أن قصد الكفار أن لا يسمعوا القرآن وكادوا يلغون فيه فخافت النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة في الظهر والعصر ; لأنهم كانوا مستعدين للأذى في هذين الوقتين ، ولهذا كان يجهر في الجمعة والعيدين ; لأنه أقامهما بالمدينة وما كان للكفار بالمدينة قوة الأذى ، ثم وإن زال هذا العذر بقيت هذه السنة كالرمل في الطواف ونحوه ; ولأنه واظب على المخافتة فيهما في عمره فكانت واجبة ; ولأنه وصف صلاة النهار بالعجماء وهي التي لا تبين ، ولا يتحقق هذا الوصف لها إلا بترك الجهر فيها ، وكذا واظب على الجهر فيما يجهر والمخافتة فيما يخافت وذلك دليل الوجوب ، وعلى هذا عمل الأمة ويخفي القراءة فيما سوى الأوليين ; لأن الجهر صفة القراءة المفروضة ، والقراءة ليست بفرض في الأخريين لما بينا فيما تقدم ، وإذا ثبت هذا فنقول : إذا جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر فإن كان عامدا يكون مسيئا ، وإن كان ساهيا فعليه سجود السهو ; لأنه وجب عليه إسماع القوم فيما يجهر ، وإخفاء القراءة عنهم فيما يخافت ، وترك الواجب عمدا يوجب الإساءة ، وسهوا يوجب سجود السهو وإن كان منفردا فإن كانت صلاة يخافت فيها بالقراءة خافت لا محالة ، وهو رواية الأصل ، وذكر أبو يوسف في الإملاء إن زاد على ما يسمع أذنيه فقد أساء .

وذكر عصام بن أبي يوسف في مختصره وأثبت له خيار الجهر والمخافتة ، استدلالا بعدم وجوب السهو عليه إذا جهر ، والصحيح رواية الأصل لقوله صلى الله عليه وسلم : { صلاة النهار عجماء من غير فصل } ; ولأن الإمام مع حاجته إلى إسماع غيره يخافت فالمنفرد أولى ولو جهر فيها بالقراءة فإن كان عامدا يكون مسيئا ، كذا ذكر الكرخي في صلاته وإن كان ساهيا لا سهو عليه نص عليه في باب السهو بخلاف الإمام .

( والفرق ) أن سجود السهو يجب لجبر النقصان ، والنقصان في صلاة الإمام أكثر ; لأن إساءته أبلغ ; لأنه فعل شيئين نهي عنهما : أحدهما - أنه رفع صوته في غير موضع الرفع ، والثاني - أنه أسمع من أمر بالإخفاء عنه ، والمنفرد رفع صوته فقط فكان النقصان في صلاته أقل ، وما وجب لجبر الأعلى لا يجب لجبر الأدنى وإن كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة فهو بالخيار ، إن شاء جهر وإن شاء خافت ، وذكر الكرخي إن شاء جهر بقدر ما يسمع أذنيه ولا يزيد على ذلك ، وذكر في عامة الروايات مفسرا أنه بين خيارات ثلاث : إن شاء جهر وأسمع غيره ، وإن شاء جهر وأسمع نفسه ، وإن شاء أسر القراءة ، أما كون له أن يجهر فلأن المنفرد إمام في نفسه ، وللإمام أن يجهر .

وله أن يخافت بخلاف الإمام ; لأن الإمام يحتاج إلى الجهر لإسماع غيره والمنفرد يحتاج إلى إسماع نفسه لا غير ، وذلك يحصل بالمخافتة ، وذكر في رواية أبي حفص الكبير أن الجهر أفضل ; لأن فيه تشبيها بالجماعة ، والمنفرد إن عجز عن تحقيق الصلاة بجماعة لم يعجز عن التشبه ، ولهذا إذا أذن وأقام كان أفضل هذا في الفرائض وأما في التطوعات فإن كان في النهار يخافت ، وإن كان في الليل فهو بالخيار إن شاء خافت وإن شاء جهر ، والجهر أفضل ; لأن النوافل أتباع الفرائض ، والحكم في الفرائض كذلك ، حتى لو كان بجماعة كما في التراويح يجب الجهر ولا يتخير في الفرائض ، وقد روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى بالليل سمعت قراءته من وراء الحجاب } .

وروي أن { النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي بكر رضي الله عنه وهو يتهجد بالليل ويخفي القراءة ، ومر بعمر وهو يتهجد ويجهر بالقراءة ، ومر ببلال وهو يتهجد وينتقل من سورة إلى سورة ، فلما أصبحوا غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل كل واحد منهم عن حاله ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : كنت أسمع من أناجي . وقال عمر رضي الله عنه : كنت أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان ، وقال بلال رضي الله عنه : كنت أنتقل من بستان إلى بستان فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ارفع من صوتك قليلا ، ويا عمر اخفض من صوتك قليلا ، ويا بلال إذا فتحت سورة فأتمها } ، ثم المنفرد إذا خافت وأسمع أذنيه يجوز بلا خلاف لوجود القراءة بيقين ، إذ السماع بدون القراءة لا يتصور ، أما إذا صحح الحروف بلسانه وأداها على وجهها ولم يسمع أذنيه ولكن وقع له العلم بتحريك اللسان وخروج الحروف من مخارجها - فهل تجوز صلاته ؟ اختلف فيه ، ذكر الكرخي أنه يجوز ، وهو قول أبي بكر البلخي المعروف بالأعمش ، وعن الشيخ أبي القاسم الصفار والفقيه أبي جعفر الهندواني [ ص: 162 ] والشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري أنه لا يجوز ما لم يسمع نفسه ، وعن بشر بن غياث المريسي أنه قال : إن كان بحال لو أدنى رجل صماخ أذنيه إلى فيه سمع كفى ، وإلا فلا ، ومنهم من ذكر في المسألة خلافا بين أبي يوسف ومحمد ، فقال على قول أبي يوسف : يجوز ، وعلى قول محمد : لا يجوز ، وجه قول الكرخي أن القراءة فعل اللسان وذلك بتحصيل الحروف ونظمها على وجه مخصوص وقد وجد ، فأما إسماعه نفسه فلا عبرة به ; لأن السماع فعل الأذنين دون اللسان ، ألا ترى أن القراءة نجدها تتحقق من الأصم وإن كان لا يسمع نفسه ؟ وجه قول الفريق الثاني أن مطلق الأمر بالقراءة ينصرف إلى المتعارف ، وقدر ما لا يسمع هو لو كان سميعا لم يعرف قراءة .

وجه قول بشر أن الكلام في العرف اسم لحروف منظومة دالة على ما في ضمير المتكلم ، وذلك لا يكون إلا بصوت مسموع .

وما قاله الكرخي أقيس وأصح ، وذكر في كتاب الصلاة إشارة إليه ، فإنه قال : إن شاء قرأ وإن شاء جهر وأسمع نفسه .

ولو لم يحمل قوله : قرأ في نفسه على إقامة الحروف لأدى إلى التكرار والإعادة الخالية عن الإفادة ، ولا عبرة بالعرف في الباب ; لأن هذا أمر بينه وبين ربه فلا يعتبر فيه عرف الناس ، وعلى هذا الخلاف كل حكم تعلق بالنطق من البيع والنكاح والطلاق والعتاق والإيلاء واليمين والاستثناء وغيرها والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث