الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ومنها ) - الطمأنينة والقرار في الركوع والسجود ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف : الطمأنينة مقدار تسبيحة واحدة فرض وبه أخذ الشافعي حتى لو ترك الطمأنينة جازت صلاته عند أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف والشافعي لا تجوز ، ولم يذكر هذا الخلاف في ظاهر الرواية وإنما ذكره المعلى في نوادره ، وعلى هذا الخلاف إذا ترك القومة التي بعد الركوع والقعدة التي بين السجدتين .

وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن لم يقم صلبه في الركوع إن كان إلى القيام أقرب منه إلى تمام الركوع لم يجزه ، وإن كان إلى تمام الركوع أقرب منه إلى القيام أجزأه ، إقامة للأكثر مقام الكل ، ولقب المسألة أن تعديل الأركان ليس بفرض عند أبي حنيفة ، ومحمد ، وعند أبي يوسف والشافعي فرض .

( احتجا ) بحديث { الأعرابي الذي دخل المسجد وأخف الصلاة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قم فصل فإنك لم تصل هكذا ثلاث مرات ، فقال : يا رسول الله لم أستطع غير ذلك فعلمني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أردت الصلاة فتطهر كما أمرك الله - تعالى - ، واستقبل القبلة وقل : الله أكبر واقرأ ما معك من القرآن ، ثم اركع حتى يطمئن كل عضو منك ، ثم ارفع رأسك حتى تستقم قائما } ، فالاستدلال بالحديث من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه أمره بالإعادة ، والإعادة لا تجب إلا عند فساد الصلاة ، وفسادها بفوات الركن ، والثاني : أنه نفى كون المؤدى صلاة بقوله : فإنك لم تصل ، والثالث : أنه أمره بالطمأنينة ، ومطلق الأمر للفرضية .

وأبو حنيفة ومحمد احتجا لنفي الفرضية بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } وأمر بمطلق الركوع والسجود ، والركوع في اللغة : هو الانحناء والميل ، يقال : ركعت النخلة إذا مالت إلى الأرض ، والسجود هو : التطأطؤ والخفض ، يقال : سجدت النخلة إذا تطأطأت ، وسجدت الناقة إذا وضعت جرانها على الأرض وخفضت رأسها للرعي ، فإذا أتى بأصل الانحناء والوضع فقد امتثل لإتيانه بما ينطلق عليه الاسم ، فأما الطمأنينة فدوام على أصل الفعل ، والأمر بالفعل لا يقتضي الدوام .

وأما حديث الأعرابي فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخا للكتاب ولكن يصلح مكملا ، فيحمل أمره بالاعتدال على الوجوب ، ونفيه الصلاة على نفي الكمال ، وتمكن النقصان الفاحش الذي يوجب عدمها من وجه ، وأمره بالإعادة على الوجوب جبرا للنقصان ، أو على الزجر عن المعاودة إلى مثله كالأمر بكسر دنان الخمر عند نزول تحريمها تكميلا للغرض ، على أن الحديث حجة عليهما ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مكن الأعرابي من المضي في الصلاة في جميع المرات ولم يأمره بالقطع ، فلو لم تكن تلك الصلاة جائزة لكان الاشتغال بها عبثا ، إذ الصلاة لا يمضى في فاسدها فينبغي أن لا يمكنه منه .

ثم الطمأنينة في الركوع واجبة عند أبي حنيفة ومحمد ، كذا ذكره الكرخي حتى لو تركها ساهيا يلزمه سجود السهو ، وذكر أبو عبد الله الجرجاني أنها سنة ، حتى لا يجب سجود السهو بتركها ساهيا ، وكذا القومة التي بين الركوع والسجود والقعدة التي بين السجدتين ، والصحيح ما ذكره الكرخي ; لأن الطمأنينة من باب إكمال الركن ، وإكمال الركن واجب كإكمال القراءة بالفاتحة ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق صلاة الأعرابي بالعدم ؟ والصلاة إنما يقضى عليها بالعدم إما لانعدامها أصلا بترك الركن ، أو بانتقاصها بترك الواجب ، فتصير عدما من وجه فأما ترك السنة فلا يلتحق بالعدم ; لأنه لا يوجب نقصانا فاحشا ، ولهذا يكره تركها أشد الكراهة ، حتى روي عن أبي حنيفة أنه قال : أخشى أن لا تجوز صلاته .

( ومنها ) القعدة الأولى للفصل بين الشفعين ، حتى لو تركها عامدا كان مسيئا ولو تركها ساهيا يلزمه سجود السهو ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليها في جميع عمره ، وذا يدل على الوجوب إذا قام دليل عدم الفرضية ، وقد قام ههنا ; لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام إلى الثالثة فسبح به فلم يرجع ولو كانت فرضا لرجع ، وأكثر مشايخنا يطلقون اسم السنة عليها إما لأن وجوبها عرف بالسنة فعلا ، أو لأن السنة المؤكدة في معنى الواجب ; ولأن الركعتين أدنى ما يجوز من الصلاة فوجبت القعدة فاصلة بينهما وبين ما يليهما والله أعلم .

( ومنها ) التشهد في القعدة الأخيرة ، وعند الشافعي فرض ، وجه قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه في جميع عمره ، وهذا دليل الفرضية .

وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : { كنا نقول قبل أن يفرض التشهد : السلام على الله السلام على جبريل وميكائيل ، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قولوا : التحيات لله } ، أمرنا بالتشهد بقوله : " قولوا " ، ونص على فرضيته بقوله قبل أن يفرض التشهد .

( ولنا ) قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي إذا رفعت رأسك من آخر سجدة وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك أثبت تمام الصلاة عند مجرد القعدة .

ولو كان التشهد فرضا لما ثبت التمام بدونه ، دل أنه ليس بفرض لكنه واجب بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم ومواظبته دليل الوجوب فيما قام دليل على عدم فرضيته ، وقد قام ههنا وهو ما ذكرنا فكان واجبا لا فرضا والله أعلم والأمر في الحديث يدل على الوجوب دون الفرضية ; لأنه خبر واحد وأنه يصلح للوجوب لا للفرضية ، وقوله : قبل أن يفرض : أي قبل أن يقدر على هذا التقدير المعروف ، إذ الفرض في اللغة : التقدير .

( ومنها ) - مراعاة الترتيب فيما شرع مكررا من الأفعال في الصلاة وهو السجدة ، لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على مراعاة الترتيب فيه ، وقيام الدليل على عدم فرضيته على ما ذكرنا ، حتى لو ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى ثم تذكرها في آخر صلاته سجد المتروكة وسجد للسهو بترك الترتيب ; لأنه ترك الواجب الأصلي ساهيا فوجب سجود السهو والله الموفق ( وأما ) الذي ثبت وجوبه في الصلاة بعارض فنوعان أيضا : أحدهما : سجود السهو ، والآخر سجود التلاوة .

( أما ) سجود السهو فالكلام فيه في مواضع : في بيان وجوبه ، وفي بيان سبب الوجوب ، وفي بيان أن المتروك من الأفعال والأذكار ساهيا هل يقضى أم لا ؟ وفي بيان محل السجود ، وفي بيان قدر سلام السهو وصفته ، وفي بيان عمله أنه يبطل التحريمة أم لا ، وفي بيان من يجب عليه سجود السهو ومن لا يجب عليه .

( أما ) الأول فقد ذكر الكرخي أن سجود السهو واجب ، وكذا نص محمد في الأصل فقال : إذا سها الإمام وجب على المؤتم أن يسجد وقال بعض أصحابنا : إنه سنة ، وجه قولهم : إن العود إلى سجدتي السهو لا يرفع التشهد ، حتى لو تكلم بعدما سجد للسهو قبل أن يقعد لا تفسد صلاته .

ولو كان واجبا لرفع كسجدة التلاوة ; ولأنه مشروع في صلاة التطوع كما هو مشروع في صلاة الفرض ، والفائت من التطوع كيف يجبر بالواجب .

والصحيح أنه واجب لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليتحر أقربه إلى الصواب ، وليبن عليه ، وليسجد للسهو بعد السلام } ، ومطلق الأمر لوجوب العمل .

وعن ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لكل سهو سجدتان بعد السلام } ، فيجب تحصيلهما تصديقا للنبي صلى الله عليه وسلم في خبره ، وكذا النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم واظبوا عليه ، والمواظبة دليل الوجوب ; ولأنه شرع جبرا لنقصان العبادة فكان واجبا كدماء الجبر في باب الحج ، وهذا لأن أداء العبادة بصفة الكمال واجب ، ولا تحصل صفة الكمال إلا بجبر النقصان فكان واجبا ضرورة ، إذ لا حصول للواجب إلا به ، إلا أن العود إلى سجود السهو لا يرفع التشهد لا لأن السجود ليس بواجب بل لمعنى آخر ، وهو أن السجود وقع في محله ; لأن محله بعد القعدة ، فالعود إليه لا يكون رافعا للقعدة الواقعة في محلها ، فأما سجدة التلاوة فمحلها قبل القعدة ، فالعود إليها يرفع القعدة كالعود إلى السجدة الصلبية فهو الفرق .

( أما ) قولهم : إن له مدخلا في صلاة التطوع فنقول : أصل الصلاة وإن كانت تطوعا لكن لها أركان لا تقوم بدونها ، وواجبات تنتقص بفواتها وتغييرها عن محلها ، فيحتاج إلى الجابر ، مع أن النفل يصير واجبا عندنا بالشروع ويلتحق بالواجبات الأصلية في حق الأحكام على ما يبين في مواضعه إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث