الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان شرائط الجمعة

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان شرائط الجمعة .

فللجمعة شرائط ، بعضها يرجع إلى المصلي ، وبعضها يرجع إلى غيره .

أما الذي يرجع إلى المصلي فستة : العقل ، والبلوغ ، والحرية والذكورة ، والإقامة ، وصحة البدن فلا تجب الجمعة على المجانين والصبيان والعبيد إلا بإذن مواليهم ، والمسافرين والزمنى ، والمرضى .

أما العقل والبلوغ فلأن صلاة الجمعة اختصت بشرائط لم تشترط في سائر الصلوات ثم لما كانا شرطا لوجوب سائر الصلوات فلأن يكونا شرطا لوجوب هذه الصلاة أولى .

وأما الحرية فلأن منافع العبد مملوكة لمولاه إلا فيما استثني وهو أداء الصلوات الخمس على طريق الانفراد دون الجماعة لما في الحضور إلى الجماعة وانتظار الإمام والقوم من تعطيل كثير من المنافع على المولى ، ولهذا لا يجب عليه الحج والجهاد وهذا المعنى موجود في السعي إلى الجمعة وانتظار الإمام والقوم فسقطت عنه الجمعة .

وأما الإقامة فلأن المسافر يحتاج إلى دخول المصر وانتظار الإمام والقوم فيتخلف عن القافلة فيلحقه الحرج .

وأما المريض فلأنه عاجز عن الحضور أو يلحقه الحرج في الحضور .

وأما المرأة فلأنها مشغولة بخدمة الزوج ممنوعة عن الخروج إلى محافل الرجال لكون الخروج سببا للفتنة ; ولهذا لا جماعة عليهن ولا جمعة عليهن أيضا ، والدليل على أنه لا جمعة على هؤلاء ما روي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا [ ص: 259 ] مسافرا أو مملوكا أو صبيا أو امرأة أو مريضا فمن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد } .

وأما الأعمى فهل تجب عليه أجمعوا على أنه إذا لم يجد قائدا لا تجب عليه كما لا تجب على الزمن وإن وجد من يحمله .

وأما إذا وجد قائدا إما بطريق التبرع أو كان له مال يمكنه أن يستأجر قائدا فكذلك في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد يجب وهو على الاختلاف في الحج إذا كان له زاد وراحلة وأمكنه أن يستأجر قائدا أو وعد له إنسان أن يقوده إلى مكة ذاهبا وجائيا لا يجب عليه الحج عند أبي حنيفة وعندهما يجب ، والمسألة نذكرها في كتاب الحج إن شاء الله تعالى ثم هؤلاء الذين لا جمعة عليهم إذا حضروا الجامع وأدوا الجمعة فمن لم يكن من أهل الوجوب كالصبي والمجنون فصلاة الصبي تكون تطوعا ولا صلاة للمجنون رأسا ، ومن هو من أهل الوجوب كالمريض والمسافر والعبد والمرأة وغيرهم تجزيهم ويسقط عنهم الظهر ; لأن امتناع الوجوب عليهم لما ذكرنا من الأعذار وقد زالت وصار الإذن من المولى موجودا دلالة ، وقد روي عن الحسن البصري أنه قال { : كن النساء يجمعن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال لهن لا تخرجن إلا تفلات غير متطيبات } ، وفرق بين هذا وبين الحج في العبد فإنه لو أدى الحج مع مولاه لا يحكم بجوازه حتى يؤاخذ بحجة الإسلام بعد الحرية ، والفرق أن المنع من الجمعة كان نظرا للمولى والنظر ههنا في الحكم بالجواز ; لأنا لو لم نجوز وقد تعطلت منافعه على المولى لوجب عليه الظهر فتتعطل عليه منافعه ثانيا فينقلب النظر ضررا وذا ليس بحكمة فتبين في الآخرة أن النظر في الحكم بالجواز فصار مأذونا دلالة كالعبد المحجور عليه إذا أجر نفسه أنه لا يجوز .

ولو سلم نفسه للعمل يجوز ويجب كمال الأجرة لما ذكرنا ، كذا هذا بخلاف الحج فإن هناك لا يتبين أن النظر للمولى في الحكم بالجواز ; لأنه لا يؤاخذ للحال بشيء آخر إذا لم نحكم بجوازه بل يخاطب بحجة الإسلام بعد الحرية فلا يتعطل على المولى منافعه فهو الفرق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث