الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان شرائط الجمعة

جزء التالي صفحة
السابق

وأما الشرائط التي ترجع إلى غير المصلي فخمسة في ظاهر الروايات ، المصر الجامع ، والسلطان ، والخطبة ، والجماعة ، والوقت .

أما المصر الجامع فشرط وجوب الجمعة وشرط صحة أدائها عند أصحابنا حتى لا تجب الجمعة إلا على أهل المصر ومن كان ساكنا في توابعه وكذا لا يصح أداء الجمعة إلا في المصر وتوابعه فلا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع المصر ولا يصح أداء الجمعة فيها وقال الشافعي المصر ليس بشرط للوجوب ولا لصحة الأداء فكل قرية يسكنها أربعون رجلا من الأحرار المقيمين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا تجب عليهم الجمعة ويقام بها الجمعة واحتج بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال أول جمعة في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة لجمعة جمعت بجواثى وهي قرية من قرى عبد القيس بالبحرين .

وروي عن أبي هريرة أنه كتب إلى عمر يسأله عن الجمعة بجؤاثى فكتب إليه أن أجمع بها وحيث ما كنت ; ولأن جواز الصلاة مما لا يختص بمكان دون مكان كسائر الصلوات ، ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع } ، وعن علي رضي الله تعالى عنه { لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع } ، وكذا النبي صلى الله عليه وسلم { كان يقيم الجمعة بالمدينة } ، وما روي الإقامة حولها ، وكذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم فتحوا البلاد وما نصبوا المنابر إلا في الأمصار فكان ذلك إجماعا منهم على أن المصر شرط ; ولأن الظهر فريضة فلا يترك إلا بنص قاطع والنص ورد بتركها إلا الجمعة في الأمصار ولهذا لا تؤدى الجمعة في البراري ; ولأن الجمعة من أعظم الشعائر فتختص بمكان إظهار الشعائر وهو المصر .

وأما الحديث فقد قيل : إن جؤاثى مصر بالبحرين ، واسم القرية ينطلق على البلدة العظيمة ; لأنها اسم لما اجتمع فيها من البيوت قال تعالى { واسأل القرية التي كنا فيها } وهي مصر وقال { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم } وهي مكة ، وما ذكر من المعنى غير سديد ; لأنه يبطل بالبراري ثم لا بد من معرفة حد المصر الجامع ومعرفة ما هو من توابعه .

أما المصر الجامع فقد اختلفت الأقاويل في تحديده ذكر الكرخي أن المصر الجامع ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام ، وعن أبي يوسف روايات ذكر في الإملاء كل مصر فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود فهو مصر جامع تجب على أهله الجمعة ، وفي رواية قال : إذا اجتمع في قرية من لا يسعهم مسجد واحد بنى لهم الإمام جامعا ونصب لهم من يصلي [ ص: 260 ] بهم الجمعة ، وفي رواية لو كان في القرية عشرة آلاف أو أكثر أمرتهم بإقامة الجمعة فيها ، وقال بعض أصحابنا : المصر الجامع ما يتعيش فيه كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يحتاج إلى الانتقال إلى حرفة أخرى ، وعن أبي عبد الله البلخي أنه قال : أحسن ما قيل فيه إذا كانوا بحال لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم ذلك حتى احتاجوا إلى بناء مسجد الجمعة فهذا مصر تقام فيه الجمعة ، وقال سفيان الثوري : المصر الجامع ما يعده الناس مصرا عند ذكر الأمصار المطلقة ، وسئل أبو القاسم الصفار عن حد المصر الذي تجوز فيه الجمعة فقال : أن تكون لهم منعة لو جاءهم عدو قدروا على دفعه فحينئذ جاز أن يمصر وتمصره أن ينصب فيه حاكم عدل يجري فيه حكما من الأحكام ، وهو أن يتقدم إليه خصمان فيحكم بينهما .

وروي عن أبي حنيفة أنه بلدة كبيرة فيها سكك وأسواق ولها رساتيق وفيها وال يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم بحشمه وعلمه أو علم غيره والناس يرجعون إليه في الحوادث وهو الأصح .

وأما تفسير توابع المصر فقد اختلفوا فيها روي عن أبي يوسف أن المعتبر فيه سماع النداء إن كان موضعا يسمع فيه النداء من المصر فهو من توابع المصر وإلا فلا ، وقال الشافعي إذا كان في القرية أقل من أربعين فعليهم دخول المصر إذا سمعوا النداء وروى ابن سماعة عن أبي يوسف كل قرية متصلة بربض المصر فهي من توابعه وإن لم تكن متصلة بالربض فليست من توابع المصر ، وقال بعضهم : ما كان خارجا عن عمران المصر فليس من توابعه ، وقال بعضهم : المعتبر فيه قدر ميل وهو ثلاثة فراسخ ، وقال بعضهم : إن كان قدر ميل أو ميلين فهو من توابع المصر وإلا فلا ، وبعضهم قدره بستة أميال ، ومالك قدره بثلاثة أميال ، وعن أبي يوسف أنها تجب في ثلاثة فراسخ ، وعن الحسن البصري أنها تجب في أربعة فراسخ ، وقال بعضهم : إن أمكنه أن يحضر الجمعة ويبيت بأهله من غير تكلف تجب عليه الجمعة وإلا فلا وهذا حسن ، ويتصل بهذا إقامة الجمعة في أيام الموسم بمنى .

قال أبو حنيفة وأبو يوسف : تجوز إقامة الجمعة بها إذا كان المصلي بهم الجمعة هو الخليفة ، أو أمير العراق ، أو أمير الحجاز ، أو أمير مكة سواء كانوا مقيمين أو مسافرين ، أو رجلا مأذونا من جهتهم ، ولو كان المصلي بهم الجمعة أمير الموسم وهو الذي أمر بتسوية أمور الحجاج لا غير لا يجوز سواء كان مقيما أو مسافرا ; لأنه غير مأمور بإقامة الجمعة إلا إذا كان مأذونا من جهة أمير العراق أو أمير مكة ، وقيل : إن كان مقيما يجوز وإن كان مسافرا لا يجوز ، والصحيح هو الأول ، وقال محمد لا تجوز الجمعة بمنى وأجمعوا على أنه لا تجوز الجمعة بعرفات وإن أقامها أمير العراق أو الخليفة نفسه ، وقال بعض مشايخنا : الخلاف بين أصحابنا في هذا بناء على أن منى من توابع مكة عندهما ، وعند محمد ليس من توابعها وهذا غير سديد ; لأن بينهما أربعة فراسخ وهذا قول بعض الناس في تقدير التوابع فأما عندنا فبخلافه على ما مر والصحيح أن الخلاف فيه بناء على أن المصر الجامع شرط عندنا إلا أن محمدا يقول إن منى ليس بمصر جامع بل هو قرية فلا تجوز الجمعة بها كما لا تجوز بعرفات وهما يقولان إنها تتمصر في أيام الموسم ; لأن لها بناء وينقل إليها الأسواق ويحضرها وال يقيم الحدود وينفذ الأحكام فالتحق بسائر الأمصار بخلاف عرفات فإنها مفازة فلا تتمصر باجتماع الناس وحضرة السلطان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث